تكتنف جملةَ «الإصلاحات» التي أطلقها وليّ العهد السعودي، محمد بن سلمان، قبل حوالى عام ونصف عام، الكثيرُ من الشكوك، وترتسم حولها العديد من علامات الاستفهام، في ظل توقعات بأن لا تؤول إلى ما يأمله الأمير الشاب من تحقق تغيّرات جذرية بسرعة ويسر. مرد ذلك مجموعة عوامل ذاتية وموضوعية تصعّب على السعودية الانعتاق من هويتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية المائزة لها منذ عقود، في غضون ما بين ليلة وضحاها، فضلاً، بطبيعة الحال، عن السياسات «المغامِرة» التي يصرّ «الملك القادم» على المضي فيها.


على المستوى الاقتصادي، تتعارض الحملة التي يقودها ابن سلمان لضرب مراكز القوة والنفوذ التي قد تشكل منافساً له مع مقتضيات الاستقرار السياسي التي تتطلبها الاستثمارات الأجنبية، والتي يعوّل عليها الرجل لبلوغ أبرز أهداف رؤيته المسمّاة «رؤية 2030»: تنويع مصادر الإيرادات وتقليل الاعتماد على النفط، إذ إن رجال الأعمال الأجانب يستشعرون خوفاً متزايداً من أن يضحي شركاؤهم المحليون هدفاً لـ«حملة تطهير» جديدة. بتعبير آخر، يجد القطاع الخاص نفسه «أقل قدرة على التنبؤ بالأحداث، وهو ما يجعل من الصعب عليه القيام باستثمارات طويلة الأجل». مخاوف يعلو منسوبها أكثر فأكثر كلما اقترب موعد الطرح العام الأولي لحصة تبلغ خمسة في المئة من شركة «أرامكو» النفطية الحكومية، والمرتقب في النصف الثاني من عام 2018، حيث تخطط الحكومة لجمع نحو 100 مليار دولار من هذا الطرح الأكبر في العالم، الأمر الذي يحتّم عليها تكثيف مساعيها في طمأنة المستثمرين الأجانب.


يعتقد ابن سلمان
أن بإمكانه تشييد نموذج مشابه لما هو قائم في الإمارات


يُضاف إلى ما تقدم أن الإجراءات التقشفية التي يقتضي إصلاحُ الاقتصاد اتخاذها، تهدد بتزايد النقمة على السلطات، وبالتالي تجعل خطر وقوع اضطرابات أكبر من أي وقت مضى. تشمل دائرة تلك النقمة الأمراء الذين تم تقليص الامتيازات الممنوحة لهم، وحرمانهم من إمكانية الاستفادة من خدمات الدولة بشكل مجاني، الأمر الذي أدى إلى تولد نوع من البلبلة خلف أسوار القصور. بلبلة لعلها هي التي دفعت ابن سلمان، أخيراً، إلى رفع رواتب هؤلاء الأمراء بنسبة 50%، بحسب ما كشفت وكالة «بلومبرغ» قبل أيام. الأمر نفسه تقريباً ينطبق على المواطنين الذين كانوا اعتادوا عقوداً من الرفاهية والدعم الاجتماعي بفضل عائدات المنتجات النفطية. إذ تمت مباغتتهم، وهم الذين تُسجّل في أوساطهم نسبة فقر لا يُستهان بها (تفيد بعض المعطيات بأن عدد الذين تقدموا للحصول على دعم من حساب المواطن بلغ 13 مليوناً، أي ما نسبته 64% من السعوديين!)، بالضريبة على القيمة المضافة، وبرفع الدعم عن أسعار المشتقات النفطية. هذه الخطوات استجلبت ردود فعل ساخطة، سرعان ما حاولت السلطات استدراكها بإصدار أوامر ملكية تشمل مكافآت وهبات ومحفزات لدعم المواطنين. وإذا ما استمرّ الأمر على هذا المنوال، فمن الصعب على المملكة «إجراء تغييرات طويلة المدى» في الاقتصاد «الذي أُسّس على سهولة الوصول إلى المال».
على المستوى نفسه، يعتقد ابن سلمان أن بإمكانه تشييد نموذج مشابه لما هو قائم في الإمارات، حيث باستطاعة «المناطق الأكثر فقراً الاستفادة من المناطق الأكثر ثراءً»، لكن ضخامة عدد سكان المملكة مقارنة بعدد سكان الإمارات، إلى جانب تركّز جزء كبير منهم في المناطق الساحلية الشرقية، حيث تغيب الخطط التنموية، يجعل من العسير على السلطات تحقيق رضاء اجتماعي شامل بخطواتها. رضاء يقلل من إمكانية تحققه أيضاً استمرار معدل البطالة في الارتفاع، على الرغم من اتساع دائرة «سعودة الوظائف»، وتمنّع السعوديين عن ممارسة أشغال اعتادوا قيام العمّال الأجانب بها بدلاً منهم.
هذا التمنّع يحيل مباشرة إلى حقيقة افتقار السعودية الى بنية اجتماعية تخوّلها التأصيل لـ«الإصلاحات» التي يتطلع إليها ابن سلمان. وهي حقيقة يحاول الأخير التحايل عليها بالتخطيط لإنشاء مدن عملاقة حديثة الطراز وذات تقنية عالية، كـ«مدينة نيوم» و«مدينة الملك عبدالله» و«مركز التكنولوجيا الفائقة» الذي ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» قبل أيام أن شركة «غوغل» الأم تجري محادثات مع شركة «أرامكو» لإنشائه في السعودية، بعدما أبدت «أبل» و«أمازون» رغبتهما في الاستثمار في هذا الإطار. لكن تلك المحادثات والخطط تبدو أشبه بعملية هروب إلى الأمام من واقع ثلاثي الأضلاع يجعل «إصلاحات ابن سلمان» أقرب إلى محاولات تذهيب سجن محكم الإغلاق وسيئ السمعة: أول أضلاعه غياب الحريات وقمع أي صوت معارض، وثانيها النفوذ الوهابي الذي قامت المملكة بفضله، وثالثها النظام التعليمي القائم على التمييز والتعصب والتطرف.
(الأخبار)