الجزائر | «لماذا يبحث أبناء الجزائر عن أشياء أخرى؟». هذا السؤال الاستنكاري هو أقصى ما توصّل إليه الوزير الأول (رئيس الوزراء) أحمد أويحيى، في تعليق له أواخر الشهر الماضي على ظاهرة «الحرّاقة» (الاسم الذي يُطلق في الجزائر على من يُهاجر من دون تأشيرة). أويحيى، وهو أمين عام ثاني قوة سياسية في البلاد، «التجمع الوطني الديموقراطي»، يرى أيضاً أنّ الباحثين عن «الجنّة» في أوروبا يرفضون مهناً متاحة في بلادهم، من بينها مهن زراعية، وذلك قبل أن يخلُص بهم الأمر في حال نجاح رحلتهم عبر البحر إلى «جني البرتقال والطماطم» في الضفة الأخرى.


إذا كان أويحيى يسعى إلى ثني بعض الجزائريين عن ركوب «مراكب الموت» من خلال عباراته المباشرة والقاسية، والتي قد تحمل في طيّاتها شيئاً من الحقيقة، فإنّه يُغفل كلياً الأسباب الموضوعية التي جعلت بلداً مثل الجزائر يضيق بأبنائه. ورغم أنّه أحد أهم وجوه السلطة الجزائرية منذ قرابة 30 عاماً، فإنّه لم يشأ الاعتراف ولو بجزء بسيط من المسؤولية أمام هذه المأساة التي تهزُّ الضمير الجمعي للجزائريين.
جدير بالذكر أنّه في نهاية الشهر الماضي، أصدرت «الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان» إحصاءها السنوي لظاهرة الهجرة غير الشرعية عبر البحر الأبيض المتوسط، وأكدت أنّه «استناداً إلى إحصاءات قيادة حرس السواحل التابعة للقوات البحرية في الفترة الممتدة بين 1 كانون الثاني/جانفي و31 كانون الأول/ديسمبر 2017»، تمّ «إحباط محاولات هجرة غير شرعية لـ3109 (أشخاص)... من بينهم 186 امرأة و840 قاصراً». ورغم ضخامة العدد، فإنّ البيان استدرك أن «إحصاءات حرس السواحل لا تعكس العدد الحقيقي، إذ إنّ العدد الحقيقي للمهاجرين غير الشرعيين يفوق... 17500 شخص من الذين نجحوا في الهجرة ووصلوا إلى الشواطئ الإسبانية والايطالية ثم توزعوا نحو مختلف الدول الأوروبية، كما أنّ هناك عشرات المفقودين غرقوا في البحر».


أعلن وزير الشؤون الدينية
السابق أنّ «الحرقة» حرام شرعاً

عن سبب عودة هذه الظاهرة بقوة مؤخراً، يرى الباحث في العلوم السياسية عادل أورابح، في حديث إلى «الأخبار»، أنّ «سنوات الرخاء الاقتصادي المرفقة ببرامج التشغيل الموجهة للشباب، كانت قد أسهمت في تراجعها بشكل محسوس في السنوات العشر الأخيرة»، مستدركاً بأنّ «الشح الريعي في العامين الأخيرين قلب الوضعية وعجّل في عودة الظاهرة بشكل غير مسبوق، وذلك بسبب هشاشة الاقتصاد عموماً، وضبابية سوق الشغل التي يحجبها الريع النفطي لفترة قبل أن تتكشف هشاشتها مجدداً عند أول هبوط لأسعار براميل النفط».

الناس «تموت مللاً»

«الناس لا تموت جوعاً في الجزائر»، يقول أويحيى في الكلمة نفسها، لكنّها «تموت مللاً» كلّ يوم، كما يتحدث جزائريون عن واقعهم. تموت «تحت وطأة الملفات البيروقراطية»، واستحالة العمل «دون محسوبية»، فيما تسعى إلى «الهرب من فقر حقيقي» ملموس أكثر فأكثر. حتى الطبقة المتوسطة تزداد صعوباتها في ظل إقرار قوانين مالية (موازنات) تميل نحو التقشف، وبسبب غلاء المعيشة والانسحاب الهادئ والدوري لدعم الدولة لبعض المواد الأساسية. ومهما انساق المرشحون للهجرة غير الشرعية إلى بريق أوروبا دون أن يفهموا ربما أنّ القارة العجوز ليست جنة تنتظر قدومهم، فلا يمكن للسلطة ورموزها التغافل عن حقيقة تصرخ في وجوههم كل يوم: إنّ الشباب الجزائري فقد، بصورة عامة، الثقة بفرص النجاح هنا، ويُلاحَظ من خلال لغة الناس ومصطلحاتها أزمات مواجهة الصعاب اليومية (علماً بأنّ «الرابطة الجزائرية» حذرت في بيانها من تنامي «ظاهرة تجارة البشر في البحر الأبيض المتوسط، حيث يجني المهرّبون نحو 6 مليارات و800 مليون دولار سنوياً، ونحو 60 ألف دولار أسبوعياً... فتذكرة الهجرة غير الشرعية يُقدّر سعرها ما بين ألف إلى 10 آلاف دولار أميركي، ما يجعلها تضاهي مالياً ظاهرة تجارة المخدرات»).
الأمينة العامة لـ«حزب العمال» (اليساري) لويزة حنون، ردّت بدورها على تصريحات أويحيى، محمّلةً سياساته الحكومية «غير الاجتماعية» مسؤولية تفاقم الهجرة غير الشرعية. وقالت: «عرفت هذه الظاهرة ركوداً عامَي 2008 و2009 نظراً إلى قانون المالية التكميلي الذي حمى المكاسب الاجتماعية حينها»، ولكن ذلك كان قبل أن تتغير الأمور، خاصة مع وصول توليفة من الوزراء على رأسهم أويحيى، تجمع فريقاً يحاصِرُ الطابع الاجتماعي للدولة الجزائرية عاماً بعد آخر ويخدم رجال المال والأعمال، وفقاً لحنون.

سياسة «تحريم»

في سياق الردود على أحمد أويحيى، سارع رئيس «حركة مجتمع السلم ــ حمس» الإخوانية، عبد الرزاق مقري، إلى التفنيد، قائلاً: «ليس صحيحاً أنّ الجزائريين يلقون بأنفسهم في قوارب الموت من أجل الزهو... مجمل هؤلاء يفعلون ذلك ظناً منهم أنهم يجدون في البلدان التي يقصدونها لقمة العيش وكرامة الحياة». ويتوجه مقري إلى زميله السابق في التحالف الرئاسي، متسائلاً: «على السيد الوزير الأول أن يتأمل في ظاهرة الهجرة غير الشرعية لعائلات كاملة (الأب والأم والأطفال)، وكذا الهجرة السرية لشخصيات متعلمة وفي سن الكهولة. كيف يفسر هذا؟». أسئلة واقعية يحاول فيها التيار الإسلامي نفي جانب حقيقي آخر يدفع جزائريين، وبخاصة الشباب، إلى «الحرقة». فالعامل الاقتصادي لا يُفسّر وحده انتقال الظاهرة إلى أناس يملكون وضعية معيشية مريحة، إذ إنّ ضغط المجتمع ومراقبته الجمعية لكل أفراده في أدق تفاصيل حياتهم هما أيضاً سبب دفع الكثير إلى الرحيل. وكما تحاول السلطة تقزيم العامل الاقتصادي في تفشّي ظاهرة الهجرة غير الشرعية، يحاول التيار الإسلامي نفي عامل مهم، وهو أنّ لمساعي تغييب الحريات الفردية دوراً مهماً في بحث الشباب عن فضاءات أخرى.
وأمام عجز الدولة عن وضع حدّ لهذه الظاهرة، فضّل وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى، على سبيل المثال، اتهام الأحزاب السياسية المعارضة بتسويد صورة الجزائر ودفع الشباب إلى مغادرة الوطن والمخاطرة بحياتهم في عرض البحر. وإذا كانت تصريحات عيسى تعكس عقدةً متجذرة لدى المسؤولين الجزائريين، تجعلهم لا يفترضون ولو جدلاً أنّ الشاب الجزائري قد يُقبل على قرار مصيري من تلقاء نفسه من دون أن يُحرِّكه أحد «من خلف الستار»، فلا بدّ من الإشارة إلى أنّه مباشرة بعد تصريحات الوزير، قررت مصالح المؤسسات الدينية التحرك، فأعلن «المجلس الإسلامي الأعلى»، الذي يرأسه وزير الشؤون الدينية السابق بوعبدالله غلام الله، أنّ «الحرقة حرام شرعاً»، من دون أن يُنزل المتحدث تحريمه هذا منزلة «الفتوى الشرعية». ولقد قابل الشباب الجزائري على وسائل التواصل الاجتماعي هذا التصريح بتساؤل قد يختزل الهوة بينهم وبين المسؤولين: «إذا كانت الحرقة حرام، فهل إنّ الحقرة (الظلم) حلال؟».
لعلّ مجمل ما ذُكر يدفع عادل أورابح إلى اعتبار أنّ «القراءة الاجتماعية والاقتصادية لا تكفي وحدها لفهم الظاهرة، إذ في الكثير من الأحيان نجد شباباً جامعيين أو منحدرين من الطبقات الوسطى يركبون قوارب الموت». وعند هذه النقطة، فإنّه يشير في سياق حديثه إلى «وجوب الرجوع إلى النسق العام المُحبط؛ فالدولة لا تنحصر مهمتها في توفير الأمن والحد الأدنى من الرفاه، ولكن تتعدى ذلك نحو توفير مورد غير مادي يتمثل في الحلم أو الأفق الذي يجعل المكان صالحاً للعيش». ويختتم بأنّه «رغم كل الريوع النفطية المصروفة، لا يمكن للأسف الحديث عن حلم جزائري في بلد منغلق توقف فيه الزمن».




«رأيتُ الموت... وسأحاول مجدداً»

في حديث إلى «الأخبار»، يروي سمير تجربة عاشها انطلاقاً من الشواطئ الليبية. «اتجهتُ مع رفاقي إلى ليبيا براً. التقينا هناك بشبكة تهريب إلى إيطاليا، دفعنا الأموال اللازمة، التي يجب ألا تقل عن 1500 يورو للشخص الواحد، أو للرأس الواحد، لأنّ الناس هناك تُحسب بالرؤوس. أبحرنا في ما يشبه قارباً بعد يومين... كنا فيه أكثر من 300 شاب وشابة. كانت الأمور عادية لمدة ساعة، قبل أن يهجم علينا قراصنة ليبيون بأسلحة ورشاشات. أمرونا بالتوقف فوراً، وأمام رفض قبطان القارب... أطلقوا الرصاص علينا وأصيب شاب مغربي لا أدري عن مصيره شيئاً. توقفنا مرغمين، لم يتركوا لنا إلا ما كنا نرتديه، سرقوا كل شيء». لم تنتهِ المعاناة هنا: «أعادونا إلى البر بعدما ضاعت كل أموالنا... كنا سجناء في أيادي ميليشيات لا نعرف ولاءها ولا انتماءها. والحق يُقال ان الشيء الوحيد الذي أنقذنا هو جنسيتنا الجزائرية، إذ سلّمتنا هذه الجماعات إلى القوات الحكومية الليبية... احتُجزنا مرة أخرى لأسابيع قبل أن يتم نقلنا إلى الجزائر العاصمة. ويمكنني القول إنّ مصيرنا كان أحسن بكثير من مصير رعايا دول أفريقية أخرى». يختم سمير حديثه مؤكداً محاولته التواصل مجدداً مع المهرب: «يمكن أن يكون متعاملاً مع شبكات القرصنة... لكنني لا أملك حلاً آخر. سأعود من جديد إلى ليبيا، سأمرّ أو أموت».






بعدٌ آخر لهذه الظاهرة يشير إليه أورابح، في سياق حديثه، إذ يرى أنّ «الحرقة تحوّلت إلى ظاهرة سياسية وأمنية عابرة للقارات، وتأتي في صدارة ملفات العلاقات الأورو ــ مغاربية». يضيف أنّه «يكفي النظر فقط إلى السياسات الأمنية المتشددة التي تُفرد لها من طرف سلطات الدول الأوروبية وتلك التي تُفرد كذلك للمهاجرين القانونيين بسببها» لفهم اتساع دائرة التعامل معها. ومما سعّر هذه الظروف هو الأزمات المشتعلة والمحيطة بالجزائر، والتي اشتدت نيرانها بسبب التدخل الخارجي الاستنسابي والمصلحي.