بدأت في بروكسل أمس، محاكمة المتهم الوحيد الباقي على قيد الحياة من بين المجموعة التي نفذت اعتداءات 13 تشرين الثاني 2015 التي شهدتها فرنسا وخلّفت عدد قتلى هو الأكبر منذ الحرب العالميّة الثانية. وعُرِض صلاح عبد السلام على محكمة بلجيكيّة بتهمة إطلاق النّار على الأمن قبل أيام من إيقافه في شهر آذار 2016 في العاصمة البلجيكية بعد أربعة أشهر أمضاها فاراً، فيما تبدو قضيّته الفرنسيّة أكثر تعقيداً، خاصّة مع تشبّثه بالصمت.


ولا تزال «اعتداءات تشرين» بارزة في الذاكرة الفرنسية والأوروبية بصفة عامة، إذ شهدت فرنسا في ذلك التاريخ ثلاث عمليات قادتها ثلاث مجموعات، موقعة 130 قتيلاً وأكثر من 400 جريح. استهدف الاعتداء الأكثر دمويّة حفلة غنائيّة في «مسرح الباتكلان»، فيما استهدف الاعتداء الثاني بقيادة عبد الحميد أباعود، المخطّط الرئيسيّ للهجمات، مقاهي ومطاعم في ضاحية باريسيّة. أما الاعتداء الثالث، فقد حصل في محيط «استاد دو فرانس» خلال مباراة وديّة جمعت المنتخبين الفرنسيّ والألمانيّ كان يحضرها الرئيس السابق فرنسوا هولاند. وقد شهدت عمليّة الملعب أولّ هجوم انتحاريّ في فرنسا في العقود الأخيرة، إذ فجّر ثلاثة مهاجمين أنفسهم، وقُتل في التفجيرات، إضافة إلى المنفذين، شخص واحد، وجرح ما يقارب عشرة آخرين.
تذهب التحقيقات الفرنسيّة إلى أنّ مجموعة الملعب حاولت الدخول واستهداف أكبر عدد ممكن من النّاس، فيما كانت الفوضى والتدافع ستتكفلان بتعميق الخسائر. لم ينجح أيّ من المهاجمين في الدخول، ففجّر ثلاثة منهم أنفسهم في الخارج. أما قائد العمليّة، صلاح عبد السلام، فتقول تحقيقات الشرطة إنّ حزامه لم ينفجر بسبب «خلل ما»، فيما أكد هو أنّه أراد «تفجير نفسه في الملعب»، لكنّه «رجع عن ذلك» في ما بعد.


إلى جانب عبد السلام، يُحاكم مرافقه التونسيّ المولد سفيان عيّاري

إضافة إلى ما سبق، تنسب التحقيقات دوراً رئيسيّاً إليه في التخطيط، إذ تذهب إلى أنّ مهمته كانت تدبير السيارات والمخابئ وتنظيم تنقّل أعضاء في الخليّة عبر أوروبا.
نجح عبد السلام في الهرب من موقع العمليّة والعودة إلى بلجيكا، حيث نجح أيضاً في الاختباء هناك، رغم انتشار صوره في وسائل الإعلام. ورغم تحديد مكانه في مرة أولى، حيث تبادلت قوات الأمن البلجيكيّة النار معه في 15 آذار/ مارس 2016، لم يوقَف إلا بعد ثلاثة أيام من ذلك التاريخ في حيّ «كاتر فان» الواقع في ضاحية مولنبيك بالعاصمة بروكسل.
بعد ذلك، سُجِن صلاح عبد السلام في فرنسا، لكنه رفض خلال التحقيق معه التفاعل مع أسئلة المحقّقين، مختاراً الصمت. اليوم، بعد مضي أكثر من سنتين على الاعتداءات، لم تنطلق المحاكمة في فرنسا بعد، إذ إنّ كلّ ما هو ثابت هو ما يُحاكم به الآن: «إطلاق النار على الشرطة البلجيكيّة».
أمس، خلال أولى جلسات المُحاكمة في بلجيكا، طلب الادعاء الحُكم بأقصى عقوبة، وهي 20 عاماً سجناً، وقد أوضحت ممثلة النيابة الفدرالية كاثلين غروجان، لوكالة «فرانس برس» دوافع الادعاء قائلة: «لقد كان عناصر الشرطة أمام وضع أشبه بساحة حرب فعليّة... وإنّها لمعجزة أنّه لم يسقط قتلى».
من جهة أخرى، حين توجهت القاضية إلى عبد السلام بالقول إنّ المحكمة «تعطيك فرصة للتفسير»، ردّ: «لا أرغب في الإجابة عن أيّ سؤال... لقد طلبتم مني الحضور، فحضرت، بكلّ بساطة». وأمام محاولات القاضية لدفعه إلى الحديث، حاول المُتهم تبرير صمته قائلاً: «أرغب في الحكم عليّ بناء على الأسس التقنيّة والعلميّة التي قد لا تُرضي الرأي العام والإعلام»، مضيفاً: «ما أعرفه هو أنّ المسلمين يُحاكمون ويُعاملون وفقاً لأسوأ الطرق».
وإلى جانب صلاح عبد السلام، يُحاكم في نفس القضيّة مرافقه التونسيّ المولد سفيان عيّاري. وباعتبار أنّ هذا أوّل ظهور للمتهمين، ونظراً للألغاز التي ما زالت تلفّ هجمات «13 نوفمبر 2015» ودور عبد السلام فيها، استقطبت الجلسة، وسط إجراءات أمنيّة مشددة، أكثر من 400 صحافيّ، ما اضطرّ المحكمة إلى تخصيص غرفة خاصّة لهم بجوار قاعة المحاكمة تبثّ فيها المجريات مباشرة عبر شاشات خاصّة.

من «الانحراف» إلى «الإرهاب»

يرى الباحث الفرنسي أوليفيي روا، في كتاباته الأخيرة، أنّه لم يبقَ أمام «المنظمات الإرهابيّة» غير «سقط المتاع» (أي من لا خير فيهم من كلّ شيء)، ويبدو أنّ طرحه ينطبق على حالة صلاح عبد السلام وخليّته. نشأ عبد السلام في حي مولنبيك الفقير في بروكسل، وعُرف بصفته مراهقاً جانحاً. في مقابلة مع جريدة «ليبيراسيون» الفرنسيّة، أكد محاميه البلجيكيّ سفين ماري، أنّ موكله «وغد صغير... من أصحاب الجرائم الصغرى وهو تابع أكثر مما هو قائد. ويتّسم بفراغ بلا قاع». كذلك افتتح عبد السلام عام 2013 برفقة شقيقه إبراهيم، الذي قُتل في أحداث «13 نوفمبر» في فرنسا، حانة باسم «لي بيغين» كانت توفّر لزبائنها، إلى جانب الخمر ولفافات الحشيش، الاستماع إلى «خطابات لـ(تنظيم) الدولة الإسلامية»، وفق شهادات لزبائن سابقين.
(الأخبار)