غزة | لم يكن الفيلم القصير الذي أنتجه تنظيم «ولاية سيناء» ضد حركة «حماس» الشهر الماضي، وهو في غالبيته خطابي، سوى نزر يسير يطفو على سطح الحرب الدائرة بين الحركة وامتدادات «داعش» في غزة، أو على حدودها مع مصر، أي شمالي سيناء، وهي حرب على نمطين مباشر وغير مباشر، وعلى أصعدة ميدانية وأخرى أمنية.


لم يكتسب الفيلم أهمية كبيرة سوى لأنه انتهى بإعدام شاب يدعى موسى أبو زماط، قال «ولاية سيناء» إنه كان من أعضائه واكتشف أنه يساعد في تمرير العتاد والسلاح إلى «حماس» عبر ما بقي من أنفاق بين سيناء وغزة، علماً بأن الشخصين الرئيسيين في الفيلم، المتحدث (حمزة الزاملي) ومنفذ الإعدام (محمد الدجني)، هما من غزة، والأخير ابن أحد قياديي «حماس» في مخيم الشاطئ، غربي مدينة غزة. وهو ما ردّ عليه سريعاً جهاز «الأمن الداخلي» بفيلم قصير آخر أورد فيه اعترافات سابقة للزاملي وهو يقرّ بارتكابه جنايات (سرقة) داخل القطاع قبل هربه منه، إضافة إلى اعترافات «عائدين» من «داعش».


أبو زماط ثامن
شخص يعدمه «ولاية سيناء» بتهمة «مساعدة حماس»


كل ذلك كان رماداً فوق الجمر المشتعل، إذ تسببت انهزامات «داعش» المتتالية في العراق وسوريا، وكذلك ليبيا، في عودة عشرات من الغزيين الذين التحقوا بالتنظيم إلى سيناء، المكان الأقرب إلى موطنهم الذي خرجوا منه، والساحة التي لا تزال واسعة ومفتوحة أمام العمل والاحتمالات، خاصة أنه منذ مقتل الشاب مثقال السالمي في تشرين الثاني 2016 على أيدي سلفيين تبرّأت منهم «كتائب القسام»، الذراع العسكرية لحركة «حماس»، والحملة التي شنتها الأخيرة داخلها وأيضاً على السلفيين في غزة جراء تلك الحادثة، أدت كلها إلى بدء مواجهة مفتوحة مع أتباع «داعش» بسبب ما كشفته الحركة من مخططات ومقدرات لهم كانت معدّة للعمل داخل القطاع. ولمساندة «الدواعش» في غزة، عمل «ولاية سيناء» منذ نهاية 2016 على منع العمل على الأنفاق، إلى حدّ شن حرب بينه وبين القبائل في رفح والشيخ زويد والعريش جراء ذلك.
وفي ظل التغييرات التي طرأت على عمل «داعش» في السنتين الأخيرتين، لجهة بنيته التنظيمية وطرق عمله، وردت معلومات إلى «حماس» والمقاومة في غزة عامة تفيد بأن أكثر من 45 عنصراً وقيادياً ميدانياً غزياً كانوا في التنظيم وصلوا بالفعل من سوريا والعراق عبر تركيا إلى سيناء خلال الشهور الماضية، إلى جانب عشرات آخرين من جنسيات أخرى. ومع وفود هذا «التكتل الغزاوي» إلى منطقة قريبة من المكان الذي انطلق منه، أعيدت صياغة أولوليات العمل. تقول المصادر إنه رغم أن التنظيم كان يصنّف الفصائل في غزة من «المرتدين»، فإنه لم يكن قد قرر محاربة أي منها، بل كانت هناك علاقات بين دواعش وأعضاء في هذه الفصائل، على شكل حالة انتفاع متبادلة، إذ يغضّ «ولاية سيناء» النظر عن وصول السلاح والإمدادات إلى القطاع عبر الأنفاق، فيما تغضّ «حماس» النظر عن حركتهم وخروجهم للمشاركة في حروب «داعش».
الوضع تغيّر بعد الحملات الأمنية التي نفذتها «حماس» في غزة ضد المرتبطين بـ«داعش»، وهم من تسميهم في بياناتها «المنحرفين فكرياً»، خاصة تنظيم «أحفاد الصحابة» الذي كان يطلق صواريخ بين فينة وأخرى على مستوطنات غلاف غزة، ما يؤدي إلى استغلال العدو الإسرائيلي تلك الحوادث لقصف أهداف للجناح تتبع لـ«كتائب القسام» وفصائل أخرى، وهو ما زاد بدوره عمل «ولاية سيناء» على محاربة كل من له علاقة بـ«حماس» في سيناء، وإعدام من يمسكهم في هذا الإطار.
احتدت الأزمة بعد الاتفاق الأمني بين «حماس» ومصر في تموز الماضي على ضبط الحدود مع غزة وإقامة منطقة أمنية عازلة بعمق 100 متر من الجانبين، وهو ما أشعر «ولاية سيناء» بأن «حماس» صارت على الصف المعادي كلياً، وأنها «حليفة للنظام المصري»، خاصة أن المنطقة الأمنية تعني منع أي من عناصره من الهرب إلى غزة في أي حملة للجيش المصري هناك. وجراء ذلك، حاول التنظيم اختطاف فلسطينيين على علاقة بـ«حماس» نهاية 2017 من منطقة الأنفاق، لكن الأشخاص الذين اختطفهم تبيّن أنهم عمال فلسطينيون يسعون خلف رزقهم وليس لهم أي علاقة بالحركة.
بالعودة إلى «فيديو داعش»، لخّص الأخير أسباب الحرب ضد «طائفة الكفر في غزة» بتعاون «حماس» مع أجهزة اﻷمن المصرية، وتصالحها مع السلطة الفلسطينية، فضلاً عن تعاملها مع إيران. ووفق معلومات من مصادر أمنية، فإن الشاب الذي أعدم في نهاية الفيلم، أبو زماط، ليس الأول الذي يعدمه «ولاية سيناء» على خلفية التعامل مع «حماس»، بل أعدم قبله سبعة أشخاص من سكان سيناء بالتهمة نفسها. وقبل أشهر، حاول التنظيم السيطرة على عمليات التهريب كلياً بنشره عدداً من عناصر «الحسبة» الذين صادروا مواد غذائية بكميات كبيرة كانت متجهة إلى غزة.
تكمل المصادر نفسها أن «عدد الفلسطينيين الذين يقاتلون مع ولاية سيناء، وهم الآن داخل الأراضي المصرية، لا يتعدون 50 شخصاً، فيما عاد عشرات قاتلوا سابقاً مع داعش في أكثر من مكان إلى القطاع وسلّموا أنفسهم للأجهزة الأمنية بعدما اكتشفوا حقيقة التنظيم». وهؤلاء عملياً لا يمثلون سوى 10% من عداد التنظيم، في حين أن البقية مقسمون بين مصريين 50%، وعرب 40% من دول المغرب العربي بقوا في سيناء لأنهم لم يتمكنوا من المواصلة إلى سوريا والعراق، فضلاً عن العائدين من جميع الجنسيات من الدولتين الأخيرتين. كذلك وصل عدد آخر في نهاية 2016 بعد طرد «داعش» من مدينة سرت الليبية.
أما عن الذين يقودون «الغزيين الدواعش»، فقالت مصادر أخرى إن أحد الخارجين من غزة، ويدعى راسم أبو جزر، لا يزال على قيد الحياة، وهو من يدير العمل هناك، رغم أنه سبق إعلان مقتله في سوريا في نهاية كانون الأول الماضي، مع ستة آخرين من غزة، خلال «غارة للتحالف الدولي». كذلك تشير هذه المصادر إلى أن أكثر من 17 قيادياً في «ولاية سيناء» قتلوا باغتيالات إسرائيلية صامتة في سيناء، خاصة من الذين كان لهم عمل في التنظيمات الفلسطينية سابقاً، لكن هذا أدى إلى «تولي شخصيات صغيرة في العمر وذات طابع تشددي أكثر من تلك التي سبقتها قيادة ولاية سيناء».
وكان لافتاً حدوث انشقاقات في «ولاية سيناء»، بسبب قضية المشاركة في حصار غزة، إذ أعلن تنظيم جديد يدعى «جند الإسلام» أنه يحمل فكر تنظيم «القاعدة»، ويتهم «ولاية سيناء» بأنه يشارك الاحتلال الإسرائيلي في حصار القطاع، بل نشر فيلماً آخر يتحدث عن مشاركة «تائبين» من الولاية في صفوفه.
أما على صعيد الحرب المستمرة بين «ولاية سيناء» والقبائل هناك، فتقول المصادر الأمنية إن التنظيم «عمل على تغيير الواقع الديمغرافي في المناطق التي يوجد فيها، وذلك بتفرقة القبائل مثل السواركة والترابين، وهما أكبر قبيلتين في سيناء، بعدما استهدفهم عدة مرات بعمليات انتحارية... أوقع التنظيم خسائر كبيرة في قبيلة السواركة خلال مذبحة قرية الروضة في تشرين الثاني الماضي، عندما قتل 305 من سكان القرية التابعة لمدينة بئر العبد». والمشكلة، كما توضح المصادر، أن التنظيم لا تزال لديه سيطرة ميدانية كبيرة في شمال سيناء، إذ يتنقل عناصره بسيارات دفع رباعي ويقيمون حواجز متنقلة يومياً حتى داخل المدن، وخاصة العريش، فيما يتحصّن الجيش المصري داخل مواقعه ولا يتحرك إلا بدوريات عسكرية مؤمنة. وبذلك، يكمل التنظيم في سياساته ضد السيناويين وغزة المبررات اللازمة لاستمرار الجيش المصري في تمديد المنطقة العازلة مع غزة التي وصلت الآن إلى مرحلتها الرابعة.