تونس | يمكن ألّا يحدّثنا التاريخ عن صنوف من البشر جرى ابتلاعها جزافاً داخل صفحات أحرقها «المغول والتتار» في بغداد، أو قطعها أعداء ابن رشد، من أنصار قطع الرؤوس وشرب الدماء في الأندلس. كما يُمكن أن يُخمد التاريخ صوتاً كان يصرخ «حيّ على العقل والحلم والأمل» بسيف حاد، أو برجم بشع بالحجارة، أو بكاتم للصوت.


يمكن أن يحتوي التاريخ على كل تلك التفاصيل التي لم تصلنا ــ نحن المساكين ــ وسط واقع أشبه بمحرقة قمامة. لكن من المستحيل على التاريخ أن يكتم الحديث عن أشخاص فيهم روح فتية، وحب جارف، وبريق لا يبهت، وعقل قادر على تفسير العالم. هكذا، لا يمكن نسيان شكري بلعيد... الرجل الذي أخرج رأسه من التاريخ صارخاً: سنطعم الجياع ونعلّم الأبناء ونرفع اللواء ونرعى الزهور.
لا أريد الإطالة في سرد الماضي، لكنني أشعر برعشة، عندما أكتب عن يوم لن أنساه، كما لن ينساه رفاقي الصحافيون واليساريون وأصدقاؤنا من أهل الفن والثقافة وكل التونسيين… لقد كان يوم اغتيال الرفيق الشهيد قبل خمسة أعوام.
«حي! حي! شكري ديما حي !»... لئن حمل هذا الشعار ذو الوقع الصدامي في طياته نزعة إنكار للحقيقة المرّة، إلا أنّه صالح لتذكير الجميع بأنّ شكري بلعيد ليس شخصية سياسية فذة وصلبة وذكية فقط، بل إنّ بلعيد فكرة، ولا يختلف عاقلان على أنّ الأفكار لا تموت بموت أجسام أصحابها، وإلا ماتت الماركسية مع ماركس وانتهى غيرها مع من رحلوا. وقد كان هذا الشعار ملاذاً لكاتمي الغيظ والباكين بأدمع حارقة، يوم استشهاد الرفيق ويوم جنازته المهيبة... لقد كان يوماً من أيام تونس الخالدة، ولن يُمحى من ذاكرتها الوطنية، كما كان يوماً من أيام العرب تذكّر فيه الجميع مقولات بلعيد عن التحرّر الوطني والعزّة العربية التي كان يرددها بصوت هدّار.
شعار آخر قد يكون أفقاً للتفكير في الوضع العام برمته، وهو «شكون قتل شكري؟»، ويعني بالعربية الفصحى «من قتل شكري؟». وبالفعل، من قتله؟ إذ تذهب بعض النظريات المؤامراتية إلى أنّ جهات أجنبية هي التي قتلت بلعيد، كما يذهب في ظن آخرين أن القاتل مجرد إرهابي دفعته نزعة الوحشية إلى قتل الرفيق. لكن الأكيد أنّ يد الاغتيال أكبر من ذلك الإرهابي المسعور، وهي يدٌ طاولت جزءاً من الرأي العام التونسي، وطاولت بعض مؤسسات الدولة، فشحنت الناس بزرع بذور التكفير والدعوة إلى القتل و«تقطيع الأطراف من خلاف»، وسحل الناس في الشوارع وقطع الرؤوس وسفك الدماء بشيء من السادية البشعة وبالكره المختلط بالغباء ضد أي عقل مستنير... لقد كان الشهيد السعيد ضحية ذلك.
يتذكر الجميع تلك الأجواء التي سبقت الاغتيال، إذ لم يبقَ مسؤول إسلامي إلا وحرّض، بشكل أو بآخر، على الاعتداء عليه. ولن ينسى التونسيون تصريح القيادي في «حركة النهضة» حبيب اللوز الذي حرض فيه على الشهيد قائلاً: «إنه مشعل الفتن وفي كل مشكلة هو موجود»، كذلك لن ينسى التونسيون تلك الحلقة التي واجه فيها بلعيد وزير الفلاحة (الزراعة) سنة 2012 والتي غادر فيها الشهيد الاستوديو غاضباً لعدم احترام آداب الحوار.
يُقال إنّ بعض المداخلات للرفيق كانت سبباً في اغتياله. قد يكون ذلك ادعاءً صحيحاً، ما دام القاتل لا يبحث عن أي شيء مفيد للناس. إذ يقول الرفيق متحدثاً عن قطعان القتل والتوحش والتطرف: «هؤلاء يشتركون مع زين الدين بن علي (الديكتاتور التونسي السابق) في خاصية أساسية وجوهرية. فكلاهما أعداء للذكاء التونسي، إذ لا يريدون سوى التسطيح وتعميم الجهل». ويضيف: «ما حدث من حرق لقناة «نسمة» (وهي قناة تلفزية أحرقها إسلاميون كرد فعل على بث فيلم سينمائي)، لا يختلف مع ما حدث مع أبي القاسم الشابي عندما كتب الخيال الشعري عند العرب، ولا يختلف عن الصراع الذي خاضه طه حسين مع تلك الجماعات نفسها في الشعر الجاهلي ومستقبل الثقافة في مصر، ولا يختلف عن معركتهم ضد المستنير الطاهر الحداد ولا مع الحلاج، ولا يختلف مع جوهر الصراع في حالة ابن المقفع الذي شوي وقلي بالنار، ولا يختلف عن المحنة التي عاشها المعتزلة في بغداد على أيادي أجدادهم من السلفية…». لا شك في أن من يقول مثل هذا الكلام، يعرّض حياته للخطر في وطن كان ــ وربما لا يزال ــ رازحاً تحت نير أعداء العقل والحب والحق والعدالة والفضيلة والجمال!
كنت صحافياً متفائلاً بما حدث في تونس، إلى أن اغتيل الرفيق شكري. أتذكر ذلك اليوم جيداً. كنت قد توقفت في محطة الحافلات العمومية في منطقة المنزه السابع، وهي منطقة قريبة من مكان الجريمة. سمعت سيارة إسعاف تنطلق بجنون نحو الساعة الثامنة والنصف أو التاسعة صباحاً إلى المصحة القريبة في حي النصر. سمعتُ من أحد رواد المقهى الذي ورائي أنّ «أحد السياسيين قُتل برصاصة في الرأس»، فهرعت إلى المستشفى حيث وجدتُ العشرات من رفاقه في «الوطد» و«الجبهة الشعبية»، في حالة صدمة وذهول. كذلك سمعت بكاء النائب أحمد الصديق، وبكاء الرفيق المحامي كريم قطيب، وبكاء محمد جمور، وزياد الأخضر، ومنجي الرحوي، وزوجة شكري، والجيران والأصدقاء... لقد كان يوماً كئيباً وغائماً وبارداً من أيام فيفري (شباط). يومها بكى اليسار العالمي أحد أفذاذه البررة.
يوم جنازته رأيتُ العالم يبكي. لقد كان الغضب عارماً إلى درجة أنّ الدولة التونسية ككيان ومؤسسات كانت في أكثر لحظاتها ضعفاً وتقهقراً، ولو انطلقت دعوة جدية وصارمة لاستحواذ الجماهير على السلطة في ذلك اليوم لكانت لحظة فارقة في تاريخ تونس والعرب والعالم، لكنّها كانت آخر مسيرة سلمية للشهيد السعيد…