(1)


استعاد الرئيس بشار الأسد، تقليداً من فترة الثمانينيات، هو اللقاء، في اللحظات المفصلية، مع قيادات المنظمات الشعبية والأهلية، المعبّرة عن الشرائح الاجتماعية السورية. ولهذا التقليد معنى يرتبط بالمُثُل السوفياتية، حين كانت الاتحادات العمالية والفلاحية والنقابات المهنية (وبالنسبة لسوريا: الغرف الصناعية والتجارية،) هي الممثل الحقيقي للشعب، لا البرلمانات، كما هو الحال في المنظور الليبرالي.

منذ أكثر من سنة، وفي ظروف الحرب... وفي مواجهتها، تحرّك الأمين القطري المساعد لحزب البعث، المناضل الشاب النشيط، هلال هلال، لتفعيل دور الحزب في المنظمات الشعبية؛ فقد كانا معا، الحزب والمنظمات، في حالة ترهل واختراق وغياب، عشية إعلان الحرب الإرهابية على سوريا، العام 2011؛ كان العقد الليبرالي السوري قد همّش البنى الحزبية والمجتمعية، وخلخلها، فلم تكن جاهزة للانخراط في الدفاع عن الجمهورية، كما كان الحال في قمع التمرد الرجعي الإخواني في مطالع العقد الثامن.
استعادة الحزب لقواه وفعاليته، والعودة إلى المفهوم الاجتماعي للتكوين الشعبي، هما، بحد ذاتهما، انجاز جدي في مواجهة الحرب الإرهابية، وأدواتها التكفيرية والطائفية والاتنية؛ فالسوريون، إذاً، ليسوا أبناء طوائف ومناطق، ولا يعرّفون بالهويات الفرعية؛ وإنما بهوياتهم الاجتماعية، عمالا وفلاحين ومهنيين ومثقفين وصناعيين وتجارا. وهذه هي الفئات التي شكلت التحالف الوطني منذ الحركة التصحيحية في العام 1971؛ قبلها كان اليسراويون يريدون حذف البرجوازية الوطنية من ذلك التحالف، وبعد 2005، سعى الليبراليون إلى ضرب التحالف نفسه، والعمل لصالح اخضاع الدولة، لمصالح الكمبرادور والبرجوازية المالية والعقارية؛ هل نعود، الآن، بعد تجربة الحرب القاسية، إلى خط الرئيس حافظ الأسد؟

(2)


وخرج الرئيس عن صمته المديد (بمقياس زمن الحرب،) ليعلن الموقف السوري إزاء مشاريع التسوية الدولية ــــ الإقليمية والمحلية، المطروحة، اليوم، على طاولة البحث. وهو كالتالي: منفتحون على كل المبادرات الخارجية، بشرط أن تتمحور حول أولوية المكافحة الحقيقية للتنظيمات الإرهابية الغازية؛ «فلا سياسة ولا اقتصاد ولا ثقافة... في ظل الإرهاب».
يعكس هذا الموقف، التغيّر الاستراتيجي الحاصل في الموقف الروسي من سوريا، وأعلنه الرئيس فلاديمير بوتين، ، بالانتقال من مقاربة «حل الأزمة»، إلى مقاربة أخرى، مضمونها «دعم كفاح الشعب السوري ــــ وقيادته ــــ في مقاومة الإرهاب»؛ لم نعد، الآن، أمام صيغة «الحكومة والمعارضة» المعتمدة، روسياً، منذ 2011؛ ولكن أمام صيغة «الشعب في مواجهة الإرهاب». وهذا يعني أن ملف الإصلاحات السياسية، بالنسبة للروس، أصبح ثانوياً وداخلياً، بينما الأولوية هي لهزيمة الإرهابيين. ووفقا للتجارب السابقة، يمكننا الافتراض بأن هذا هو موقف الصين، ودول «البريكس»، أيضا، بالإضافة إلى كونه، بالطبع، موقف حزب الله وإيران.
الرسالة الرئاسية واضحة؛ أولا، للسعوديين وسواهم من الساعين إلى مباحثات وتفاهمات، أن الباب مفتوح، فقط، في إطار المبادرة الروسية القائلة بتشكيل حلف إقليمي جديد ضد الإرهاب، وثانياً، للغرب المزدوج المعايير والمنافق، أن «المعركة هي معركة محور متكامل يمثل منهجاً من الاستقلالية والكرامة (.) نحن في مرحلة مصيرية لا حلول وسطاً فيها... لن نكون عبيداً بل أسياداً مستقلين على بلادنا ومقدراتنا وحقوقنا»، وثالثاً، للمعارضة الوطنية، أنها أمام استحقاق مصيري؛ فإما أن تصطف في خندق الشعب، والحوارالسوري ــــ السوري «الصافي» للبحث في المشكلات الداخلية، وإما يلفظها الانقسام الوحيد القائم، إلى خندق الإرهاب؛ فالمتردد، في زمن المواجهة الشاملة، كالخائن، سواء بسواء.

(3)


ورسالة الرئيس، تنطلق من حسابات دقيقة لموازين القوى الحالي؛ فالجيش صامد، ويقاتل، ويحقق انجازات في ظروف صعبة (تتمثل في حجم الدعم الضخم الذي يتلقاه الإرهابيون، بمقابل النقص ــــ المفهوم وقيد المعالجة ــــ في العنصر البشري؛) فيضطر، في سياق خططه وتقديراته، إلى إخلاء مواقع للاحتفاظ بمواقع أهم من الناحية العسكرية. غير أن الجوهري، هنا، هو أن الجيش مقتدر، بتجهيزاته وخططه وإدارته ومقاتليه، ويدير الحرب، بكفاءة، وسيكسبها. ومع اتضاح خندقيّ الحرب، واحتدامها، فقد الإرهابيون والطائفيون و«الليبراليون» المرتبطون بالإستعمار، الحاضنة الاجتماعية، واتسع نطاق المندفعين للالتحاق بصفوف القوات المسلّحة؛ فكان لا بد من الاستجابة وإزالة العقبات القانونية، أمام الجنود الجدد، الآتين للدفاع عن بلدهم، من مواقع التردد أو الانخداع أو الفرار؛ الكتلة الرئيسية من المجتمع السوري، موحدة، اليوم، في جبهة الدولة الوطنية ضد الإرهاب والأطماع والعدوان.

(4)


أنصف الرئيس، أبطال الجيش العربي السوري؛ فهؤلاء هم الذين يقاتلون ويصمدون وينتصرون؛ وكذّب كل ما قيل ويُقال عن مشاركة عسكر إيرانيين في المعارك؛ فلا تستعين سوريا إلا بالخبرات الإيرانية وسواها من الخبرات العسكرية الصديقة، ولا يشاركها في الميدان، سوى مقاومي حزب الله؛ الفرقة اللبنانية من جيش المقاومة.

(5)


بالنسبة للرئيس ــــ الذي طلّ مرتاحاً وواثقاً وحازماً ــــ لا تكمن أهمية الاتفاق النووي بين الغرب وإيران، في ما منحه لهذا الحليف الأساسي من قوة تفيد منها سوريا حتما في كل المجالات، بل ركّز على أهميّة المثال الذي قدّمه الشعب الإيراني، بتضحياته وصموده وصبره، لنيل حقوقه. هذا المثال سيكرره الشعب السوري الذي منح للحلفاء، من دماء أبنائه، الكثير، لكي يقوم «محور الاستقلالية والكرامة»، ولكي تحقق روسيا قفزتها نحو القطبية العالمية، وتنجز إيران موقعها البارز، إقليميا ودوليا.

(6)


ليس سهلا أن يحتلّ رئيسٌ شاب ــــ قوتل، بلا هوادة، منذ العام 2003 وحتى الآن ــــ مقعدَ مؤسس سوريا العربية، معاوية بن أبي سفيان، أو مقعدَ مؤسس سوريا الحديثة، حافظ الأسد؛ لكنما بشّار أصبح ثالثهما؛ الحروب هي التي تصنع الزعماء!