الجزائر | أقرَّ المجلس الدستوري الفرنسي، أمس، بحق الضحايا غير الفرنسيين لـ«حرب الجزائر» بالحصول على تعويضات، فيما يفتح هذا القرار الباب أمام الجزائريين المتضررين من الأعمال الاستعمارية في فترة حرب التحرير للمطالبة بالتعويض، بعدما كان القانون لا يخوّلهم هذا الحق. وبهذا القرار، فصل «الدستوري الفرنسي» في إحدى القضايا الشائكة المرتبطة بالوجود الاستعماري الفرنسي في الجزائر.


وأبرز المجلس أن كافة ضحايا «حرب الجزائر» (1954 ــ 1962) سيكون بإمكانهم التقدّم للحصول على التعويضات، وذلك بعد حذف عبارة «أصحاب الجنسية الفرنسية» من القانون، التي كانت تمنع غير الفرنسيين من حق التعويض. وجاء قرار مَن يُعرفون في فرنسا بـ«الحكماء»، استناداً إلى مبدأ «مساواة الجميع أمام القانون»، الذي ينصّ عليه الدستور الفرنسي، وذلك بعد دراسة الإخطار «الذي تقدّم به عبد القادر ك.»، وهو أحد ضحايا «أعمال العنف» خلال الثورة الجزائرية، وقد كان عمره في ذلك الوقت ثماني سنوات، حيث أصيب بجراح ولم يتم تعويضه لأنه غير فرنسي الجنسية.


يتركز طلب تعويض رئيسي حول التجارب النووية الفرنسية
في البلاد

في التفاصيل، فإنّ الضحية تقدّم بطعن لدى المجلس الدستوري الفرنسي، في دستورية المادة 13 من القانون الصادر في 31 تموز/جويلية 1963، الذي وضع نظاماً للتعويضات للحاملين للجنسية الفرنسية ممن تعرضوا لأضرار جسدية في الجزائر خلال الفترة ما بين 31 تشرين الأول/أكتوبر 1954 و29 أيلول/سبتمبر 1962، وهما عملياً يشيران إلى بداية ونهاية الحرب الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي، علماً بأنّ التواريخ الرسمية لاندلاع الثورة التحريرية في الجزائر هي 1 تشرين الثاني/نوفمبر 1954، فيما الاستقلال في 5 تموز/جويلية 1962.
وأشار المجلس الدستوري إلى أن مضمون الطعن الذي تلقاه يتعلق بضمان تعويض الأشخاص الذين تضرروا جسدياً من أعمال وقعت على إقليم فرنسي في ذلك الوقت. وأوضح في مستند قراره أن المشرّع الذي وضع هذا القانون قد خالف مبدأً دستورياً، لأنه عامل بالتمييز ضحايا فرنسيين وغير فرنسيين كانوا على نفس الإقليم الفرنسي. ولا يسري التعويض إلا على الأشخاص المتضررين، بينما لا يحق لورثتهم وباقي أصحاب الحقوق الاستفادة منه.
ويُعتبر موضوع التعويضات عن الأضرار التي تسبّبت فيها الفترة الاستعمارية للجزائريين من أهم الملفات التي يعود الحديث عنها في كل مرة، خلال القمم التي تجمع الجانبين الجزائري والفرنسي. غير أن القوانين الفرنسية عموماً، التي تعالج الفترة الاستعمارية، يتم تكييفها بحيث يشمل التعويض فقط الضحايا الفرنسيين دون الجزائريين.
ويتركز طلب التعويض من السلطات الجزائرية في الغالب حول التجارب النووية الفرنسية التي أُجريت في الصحراء الجزائرية، وتسبّبت في تلويث مناطق واسعة بالإشعاعات التي لا تزال إلى يومنا تتسبّب في إصابة جزائريين بأمراض خطيرة. وكان وزير المجاهدين في الجزائر الطيب زيتوني قد ذكر في 28 كانون الثاني/يناير الماضي أنّ الجزائر تقدّمت رسمياً إلى السلطات الفرنسية باقتراحات تتعلق بـ«تعويض الجماعات والأفراد المتضررين من الإشعاعات النووية، الذين أعدّوا ملفات وسلّموها للجانب الفرنسي، إضافة إلى تعويضات عن المحيط»، لافتاً إلى أن الأراضي المتضررة من الإشعاعات «تفوق 100 كلم مربع».
وتأتي المقترحات الجزائرية، وفق وزير المجاهدين، بعد اليأس من تطبيق ما يُعرف بـ«قانون موران» الذي صدر سنة 2010 (نسبة إلى وزير الدفاع الفرنسي السابق ادغار موران)، إذ لم يُعطِ هذا القانون نتيجة بالنسبة إلى الضحايا الجزائريين «ولم ولن يستفيد منه أي جزائري». ويحدد هذا القانون الفترة من 13 شباط/فيفري 1960 إلى 31 كانون الأول/ديسمبر 1961، بالنسبة إلى تعويض ضحايا صحراء رقان (منطقة في الجنوب الجزائري)، والفترة ما بين 7 تشرين الثاني/نوفمبر 1961 إلى غاية 31 كانون الأول/ديسمبر 1967 بالنسبة إلى تعويض ضحايا تمنراست، وهو ما يتطابق فقط مع حالات الجنود الفرنسيين الذين أجروا التجارب النووية، بينما يُستثنى من ذلك ضحايا الإشعاعات المستمرة إلى اليوم، من الجزائريين.
ويُعدُّ قرار المجلس الدستوري الفرنسي، في حال لم يتم الالتفاف عليه عبر شروط قانونية تعجيزية، أشمل من ناحية إمكانية تعويض ضحايا جزائريين ما زالوا على قيد الحياة، إذ يُقدَّر عدد المصابين بعاهات جراء القصف الفرنسي أو الألغام المزروعة أو التعذيب الجسدي بالآلاف. وتخصّص الدولة الجزائرية موازنة ضخمة سنوياً، تذهب كمنح وتعويضات لمجاهدي الثورة التحريرية والمصابين بعاهات جسدية خلال تلك الفترة.