تونس | تحمل الانتخابات البلدية المرتقبة بعد أقلّ من ثلاثة أشهر مستجدات كثيرة معها، لم تكن الاستحقاقات الانتخابية المُقامة منذ عام 2011 (وهي ثلاثة: الانتخابات التأسيسيّة في عام 2011 نفسه، والتشريعيّة والرئاسيّة في نهاية عام 2014)، قد شهدت مثيلاً لها. على سبيل المثال، يُصوِّت المقترعون في السادس من أيار/ماي، فيما سوف يسبقهم إلى ذلك، بأسبوع واحد، الأمنيّون والعسكريّون الذين يُشاركون في الاقتراع للمرة الأولى في تاريخ البلاد.


وإذا كانت مسألة مشاركة «القوات الحاملة للسلاح» قد أنتجت نقاشات حادة، وشدّاً وجذباً، بين مختلف الكُتل داخل البرلمان قبل أن تُقرّ بغالبيّة الأصوات، فإنّ مسائل «عمليّة» باتت تُمثِّلُ عقبةً جديّةً في وجه تأليف الأحزاب الصغيرة والمستقلين، بصفة خاصة، لقوائمهم الانتخابيّة.

تشكيل القوائم: «أسلحة ذات حدّين»

يستوجب تشكيل القوائم الانتخابيّة المتنافسة في ما بينها، خلال الاستحقاق المرتقب، التزام تركيبتها بالتناصف بين الجنسين. وعلى الرغم من أنّ التناصف مبدأ قديم شمل الانتخابات السابقة، إلاّ أنّه صار الآن أكثر تشدّداً بإقرار مجلس نواب الشعب (البرلمان)، في عام 2016، التناصف الأفقيّ والعموديّ، وذلك بعدما كان المجلس التأسيسيّ قد رفض التناصف الأفقي سابقاً. هذا يعني، بالضرورة، أنّ تترأس نساء نصف القوائم الحزبيّة أو الائتلافية، فيما يترأس رجال النصف الآخر. ويسري مبدأ التناصف عموديّاً أيضاً، ما يعني أنّه إذا كان على رأس القائمة رجل، فيجب حينذاك أن تتلوه مباشرة امرأة، والعكس صحيح، على امتداد القائمة. إذا شكّل هذا المبدأ انتصاراً مهمّاً للمرأة، وهو غير موجود في غالبية «الديموقراطيات الراسخة»، فإنّ أحزاباً ــ حتى اليساريّة والأكثر تقدميّة ــ تنظر إليه على أنّه «سلاح ذو حدين».


اختارت «النهضة»
فتح نصف قوائمها إبعاداً لتُهمة
الجمود الفكريّ

هذا النوع من الإجراءات يتجاوز المرأة نحو الشباب، إذ يُشترط وجود مُرشح شاب تحت سن الخامسة والثلاثين من العمر في المراتب الثلاث الأولى في القائمة، ثم في كلّ ستة مراكز لاحقة، وهو شرط يُسقِط القائمة في حال الإخلال به. يُشترط أيضاً وجود مرشح من ذوي الاحتياجات الخاصة في المراتب العشر الأولى في القائمة، وهو شرط غير إلزاميّ، لكن تُحرَمُ القائمة في حال الإخلال به من التمتّع بالتمويل العموميّ (الذي صار يُصرف بعد إعلان النتائج النهائيّة، بعدما كان في ما مضى يُصرف قبل فترة الحملة الانتخابيّة).
هذه الشروط (مثل جنس المترشح، أو سنّه، أو وضعه الجسدي)، يرى البعض أنّها قد تصبح أهمّ من الكفاءة والالتزام بخدمة المصلحة العامة، إضافة إلى امكانيّة «استغلال الأحزاب لذوي الاحتياجات الخصوصيّة» بطريقة أو بأخرى، وذلك وفق تعبير شوقي الطبيب، وهو رئيس «الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد». إلا أنّ سليم خراط، وهو رئيس جمعيّة «البوصلة» المختصّة في متابعة أعمال البرلمان والعمل المحليّ، يرى في حديث إلى «الأخبار» أنّ الشروط الجديدة لتكوين القوائم الانتخابيّة «إيجابيّة لأنّها تفرض على الأحزاب إشراك المرأة والشباب والمعوّقين الذين لم تنجح الشروط السابقة في تمكينهم كما يجب». أما في ما يتعلق بصعوبة تنفيذها، فإنّه يستدرك قائلاً: «إنّ الأحزاب الكبيرة نفسها تعاني من صعوبة في تشكيل قوائمها، وليس فقط الأحزاب الصغيرة والمستقلون»، مضيفاً أنّه «لا يمكن تقييم ذلك إلاّ بعد الانتخابات، ففي حينه فقط يمكن التأكد من النتيجة».

الموعد ثابت... رغم «التحديات»؟

ممّا يُفاقم التحديات التنظيمية للاستحقاق المرتقب، هو التشتّت الجغرافيّ للبلديات وارتفاع عددها وعدد المقاعد المتنافس عليها. فقبل إقرار الدستور الجديد عام 2014، لم تكن البلديات منتشرة على امتداد البلاد، حيث شمل التقسيم سابقاً مراكز بلديّة في المدن ومجالس قرويّة في الأرياف. أما الآن، فقد عُمّمت البلديات وارتفع عددها إلى 350 بلدية، يتراوح عدد مقاعد المجلس البلديّ في كلّ منها، اعتماداً على عدد سكانها، بين 10 و60 مقعداً.
رغم حجم التحديات التنظيميّة هذه، جرى تثبيت موعد الانتخابات البلدية بعدما كانت قد تأجلت لمرتين، وذلك بسبب ارتفاع الضغوط السياسيّة، الداخليّة والخارجيّة، وبفعل استمرار عجز هياكل التسيير المحليّ المؤقتة. لكن جدير بالذكر أنّه جرى تثبيت الموعد رغم عدم إقرار المشروع الجديد لـ«مجلة الجماعات المحليّة»، ما يعني بقاء المجلة القديمة التي تعود إلى عام 1975 كإطار قانونيّ قائم بحكم الأمر الواقع. ولهذه «المجلة» أهمية بالغة على صعيد تنظيم «خريطة الحكم والسلطة ــ من المحلي إلى المركزي» في «تونس ما بعد الثورة». وبخصوصها، تقول الباحثة التونسية هالة اليوسفي (في دراسة أخيرة لها، نُشِرت بنسختها العربية، كمقالة مختصرة، على موقع «السفير العربي») إنّ: «الجدالات بشأن مجلة الجماعات المحلية الجديدة هي بالتأكيد النقطة التي تتبلور حولها التوترات التي تُميّز المسار المتواصل لإعادة صياغة العلاقة بالسلطة في تونس والمفترض به القطع مع النظام القديم، (وإنّ) هذه الجدالات تُظهر عدداً من الشكوك التي تتعلق بالهندسة المؤسساتية الجديدة وبالطريقة التي سيتم بها تفعيلها».
بانتظار إقرار المشروع الجديد لـ«مجلة الجماعات المحليّة»، تلفت الباحثة ومديرة فرع تونس لمنظمة «انترناشيونال ألرت»، ألفة لملوم، في حديث إلى «الأخبار»، إلى نقطة لا تقلّ أهمية، وهي أنّ المعايير التي قام عليها التقسيم البلديّ الجديد «غير مفهومة في بعض المناطق»، ومن بين ذلك مثلاً الفصل بين حيّي التضامن والمنيهلة في العاصمة، بحيث «تكون لكلّ واحد منهما بلديّة خاصة». وفي توضيح انعكاسات ذلك، فإنّ لملوم التي سبق لها إجراء دراسة اجتماعية حول هذه المنطقة، تقول إنّ هذا «التقسيم الجديد ترك حيّ التضامن الذي يتجاوز عدد سكانه 84 ألف ساكن، يتوزّعون على مساحة 3 كيلومترات ونصف كيلومتر مربعة، من دون مساحة شاغرة كافية لإنشاء مناطق خضراء أو مؤسسات عموميّة يفتقدها الحيّ المهمش، وذلك إلى جانب حرمان بلديّته من موارد جبائيّة مهمّة».
من جهة أخرى، يُمكن للأمور أن تنحدر في طريق أكثر سوءاً: إذا كان للانتخابات البلديّة دور في تدعيم مؤسسات الدولة التي تسبب ضعفها بعد الثورة في «صدامات عشائريّة» في الريف أدت إلى سقوط بعض القتلى وعشرات الجرحى، فإنّه يمكنها أيضاً أن تحمل أثراً عكسيّاً، إذ يُشير ضعف الوجود الحزبيّ هناك وتشتّت السكان على مساحات متباعدة داخل الدائرة البلديّة الواحدة، إلى احتمال تحوّل بعض القوائم الانتخابيّة إلى «ائتلافات عشائريّة ومناطقيّة»، ما يتهدد دور الدولة عبر جعلها جزءاً من الصراعات الأهليّة، بدل أن تكون وسيطاً.

أين الأحزاب؟

تعني زيادة عدد البلديات إلى الحد المشار إليه أعلاه أنّ العدد التقريبيّ للمرشحين، إذا ما أراد حزب أو ائتلاف الترشح في جميع البلديات، سوف يتجاوز 7 آلاف مرشح، يُضاف إليهم حوالى 3 آلاف مرشح في قوائم تكميليّة توضع تحسّباً لانسحاب مرشح أو أكثر من القائمة الرسميّة. هنا أيضاً يُطرح السؤال حول قدرة الأحزاب التونسية على الترشيح بهذا الكمّ بغية المشاركة على امتداد البلاد.
في تفاصيل المشهد، فإنّ غالبية الأحزاب عبّرت عن مشاركتها في بعض الدوائر البلديّة دون أخرى، فيما قررت فئة ثانية فتح قوائمها أمام مرشحين من خارجها، وثالثة اتخذت خيار الائتلاف. وباستثناء «الجبهة الشعبيّة»، وهي التحالف اليساري الأكبر في البلاد، لم يتشكل ائتلاف حزبيّ آخر سوى «الاتحاد المدنيّ» الذي قرر تشكيل قوائم موحدة في عدد من المناطق البلديّة، ويضم الائتلاف 11 حزباً وعدداً من الجمعيات والشخصيات المستقلة.
في ما يخص أكبر حزبين (حتى الآن) في البلاد، وهما «نداء تونس» بزعامة الرئيس الباجي قائد السبسي و«حركة النهضة» بزعامة راشد الغنوشي، فقد قررت الأولى التقدّم بقوائم خاصة بها سوف يتم إثراؤها بعدد من المرشحين المستقلين المقرّبين منها. أما الثانية، فقد اختارت فتح نصف قوائمها أمام مرشحين مستقلين، وهو قرار أثار الكثير من الجدل داخلها، نظراً لما اعتبره عدد من أعضائها «إيثاراً للغرباء على المناضلين الحزبيّين». لكنّ لقيادة «النهضة» أهدافاً أخرى وراء خطوة «استيعاب الكفاءات المستقلة» التي طبّقتها جزئيّاً خلال الانتخابات التشريعيّة في 2014، من بينها مثلاً إبعادُ تُهمة الجمود الفكريّ وتأسيس حزام داعم للحركة من خارجها يكون سنداً لها، ويتحمّل معها جزءاً من المسؤولية.
إلا أنّه بالنسبة إلى هذين الحزبين «المهيمنَين»، من شأن هذا الاستحقاق أن يضعهما، وهما ركيزة الائتلاف الحاكم، «على المحك، وذلك لناحية عدد الأصوات المحتمل، ونسبة الامتناع عن التصويت وإمكانية بروز قوى سياسية جديدة»، وفق ما يشير إليه تقرير حديث نشرته الشهر الماضي «مجموعة الأزمات الدولية». التقرير نفسه يلفت أيضاً إلى أنّه «من الناحية السياسية، تُمثِّل الانتخابات المحلية رهاناً حقيقياً، وهو ما يفسّر الصراعات التي تُفرزها في المستويات العليا؛ فعلاوة على دورها في تعميق الممارسة الديموقراطية محلياً... قد تؤدي إلى تغيير سلطة التفاوض لدى أعضاء الائتلاف بشكل ملحوظ، إذ في حال فوز النهضة بعدد كبير من البلديات، فمن المحتمل أن تطالب بتغيير وزاري يتماشى أكثر مع وزنها الانتخابي الجديد»، علماً بأنّ ثمة مؤشرات عدة باتت تُرجّح احتمال أن تقود الانتخابات البلدية إلى تفكك العلاقة بين «النداء» و«النهضة».




خطوة نحو اللامركزية

في إطار جهودها لتحصيل تمويلات للتقسيم اللامركزيّ الجديد للسلطة، والذي تُمثِّل الانتخابات البلدية حلقته الأولى، على أن يتم لاحقاً تكوين «مجالس ولايات» ثم «مجالس حكم جهويّة»، فقد عقدت تونس اتفاقيّة قرض مع «البنك الدولي». وُقِّعت وثائق القرض يوم 8 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2014، وهو يضمن حصول تونس على 217 مليون يورو تمثّل دفعة أولى تشمل 84 في المئة من قيمة المشروع الإجماليّة. ويهدف القرض، وفق وثائق «البنك الدولي»، إلى دعم إمكانات «الجماعات المحليّة» الفتيّة، أي البلديات، من ناحية مصاريف التأسيس والمعدات، إلى جانب تحسين البنية التحتيّة للأحياء المهمّشة.
في الجهة المقابلة، تذهب الأصوات الأكثر راديكاليّة إلى أنّ مشروع اللامركزيّة يهدف إلى إضعاف تونس من خلال تشتيت السلطة وخلق مراكز قوى محليّة، وتقول إنّ قرض «البنك الدوليّ» ودعمه للمشروع، يصُبّ في مصلحة هذا التوجه «التفتيتيّ».





انتقادات... وخشية من «شبكات بن علي»



يقوم نظام الحكم المحليّ في تونس على تراتبيّة إداريّة تتبع «التقسيم الترابيّ». استناداً إليها، تُقسّم البلاد إلى 24 ولاية يُسيِّر كلّاً منها «والٍ» يترأس مجلس الولاية (يجمع مديري المؤسسات العموميّة الحيويّة في الجهة، من الأمن إلى الكهرباء والماء)، ثم تقسّم كلّ ولاية إلى معتمديّات، يُسيِّر كلّاً منها «معتمد». بدورها، تُقسم كل معتمدية إلى عمادات في كلّ واحد منها «عمدة». يمثّل كلّ هؤلاء الإدارة، وتعيّنهم بالتالي السلطة التنفيذيّة. وفي موازاة ذلك، توجد البلديات التي تنتخب مجالسها، فيما يُنتظر مستقبلاً أن يشمل الانتخاب هياكل حكم محليّ نصّ عليها الدستور الجديد (2014)، وهي مجالس الولايات والمجالس الجهويّة، والتي يبقى تصوّر تركيبتها وأدوارها ضبابيّاً إلى حد الآن.
ومن التحفظات التي عبّرت عنها بعض الأحزاب في ما يتعلق بالانتخابات البلديّة، قرار الحكومة تكليف «المعتمدين»، برفقة مديري المؤسسات المحليّة الحيويّة في مجالهم الترابيّ، بتسيير البلديات، وذلك إثر حلّ «النيابات الخصوصيّة» (هياكل بلديّة مؤقتة) تحضيراً للانتخابات المرتقبة. ويقول المنتقدون إنّ «المعتمدين» الذين ينتمي جزء كبير منهم إلى أحزاب الائتلاف الحاكم، يفتقدون الحياد الضروريّ لتولّي تلك المهمّة.
من جهة أخرى، تتوجه سهام النقد أيضاً إلى سلك «العمد» الذي لم يعرف منذ سقوط نظام بن علي تغييرات جذريّة، سواء من ناحية تركيبته البشريّة أو أدواره. ويهدد وجود «العمد» بتعزيز حضور شبكات نظام بن علي الزبائنيّة في الانتخابات البلديّة المرتقبة، إذ لعب هؤلاء تاريخيّاً دوراً مهماً في الربط بين المواطنين من جهة والحزب الحاكم والأمن ومؤسسات الدولة الأخرى من جهة ثانية. استغل العمد وظيفتهم، خاصة في صفوف فقراء الأرياف، لترسيخ نظام مكافآت للمواطنين «الجيّدين» وعقوبات لـ«المنشقين». ولقد تمّ ذلك من خلال إشرافهم على تقديم «شهادات الحاجة» الضروريّة لتلقّي المساعدات والمساكن الاجتماعيّة وطيف واسع من «الشهادات» الأخرى، إضافة إلى مساهمتهم في لجان التجنيد العسكري التي حُوِّلت إلى آلية عقابيّة في حقّ الشباب «الزائدين عن الحاجة»، وانتهاءً بكتابة التقارير الأمنيّة والسياسيّة... وقد تكون الانتخابات البلدية بمثابة «بروفا» لتلك الشبكات أيضاً.