القاهرة ــ الأخبار

أثار القرار المفاجئ للرئيس السوداني، عُمر البشير، بإعادة الفريق أول صلاح عبدالله صالح المُلقب بـ«قوش»، مديراً لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، ترقُبَ الشارع السوداني والعربي، وخاصة أنّ هذا القرار يُظهِر مدى نجاح نظام البشير في التأقلم مع الأزمات الداخلية المتفاقمة إثر تدهور الوضع الاقتصادي وتصاعد الاحتجاجات، تزامُناً مع ارتفاع احتمالات نجاح الخطوات القائمة لرفع اسم السودان من القائمة الأميركية لـ«الدول الراعية للإرهاب» من خلال حلحلة الحركة الإسلامية وتذويبها في «حزب المؤتمر الوطني» الحاكم.

قرار عودة صلاح قوش إلى إدارة جهاز الأمن والمخابرات، يأتي عقب الإخفاقات في إصلاح الوضع الاقتصادي المتدهور، وتذبذب العلاقات بين البشير ورموز المعارضة، وخاصة في ظلّ موجة الغلاء والارتفاع الحاد في الأسعار حالياً، وفي ظلّ تحديات أمنية أخرى على الحدود السودانية، إذ كان النظام قد أعلن الشهر الماضي عن رصده «تهديدات عسكرية» من أريتريا ومصر (التي عاد وبدأ معها قبل أيام اتصالات للتنسيق الأمني).
قبل عام 2011، كان الفريق قوش الرجل الأمني الأكثر نفوذاً داخل السودان، وذلك قبل أن ينقلب على البشير بعد عامين على إزاحة الأخير له من منصبه في عام 2009. وفي الفترة بين هذين العامين، والتي شهدت الكثير من المشاكل الأمنية في أعقاب اتفاق السلام بين الشمال والجنوب، واشتعال الحرب في دارفور، ساعد قوش، البشير في «ملاحقة المتمردين» والتصدي لـ«حركة العدل والمساواة»، وتمّ تعيينه عقبها في إدارة «مستشارية الأمن» ليُنسب له ملف الاتصال بالقوى السياسية المعارضة. إلا أنّ خلافات حادّة نشبت بينه وبين مساعد الرئيس السوداني نافع علي نافع، سببها ظهور نجمه في الكثير من الملفات السياسية بفعل تحوّله إلى أحد أهم الشخصيات العامة على الساحة السودانية، توازياً مع تعدد علاقاته الدولية، سواء بالغرب والولايات المتحدة، أو بالخليج أيضاً، وبعدما أقام العديد من الصفقات التجارية والاقتصادية مع دولة الإمارات. كلّ ذلك كان سبباً وراء إطاحته وإقالته من منصبه وتجريدة من كل المناصب الرسمية والتنظيمية عام 2011.
ولدى قوش تاريخ طويل في العمل الأمني والاستخباري داخل السودان، وذلك منذ انتمائه إلى «الحركة الإسلامية» خلال دراسته في كلية الهندسة في جامعة الخرطوم وتحوّله إلى أحد كوادر العمل السرّي والمعلومات في «منظمة الدعوة الإسلامية». كما كان من تلاميذ الشيخ حسن الترابي، الذي خطط لـ«انقلاب الإنقاذ» على حكومة الصادق المهدي في الثمانينيات. لكنّه، بدوره، انقلب على الترابي لمصلحة البشير خلال أحداث ما سُمي الإنقلاب الدموي على الشيخ حسن الترابي عام 2000.
ومع خروج قوش من جهاز الأمن، لم يهدأ، إذ إنّه خطط للانقلاب على الرئيس البشير في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 خلال رحلة الأخير العلاجية في السعودية. وبرغم ما أصدره القضاء السوداني من اتهامات بحقه، وصلت إلى الحكم عليه بالإعدام للتآمر على الدولة، فقد تمّ إطلاق سراحه بموجب عفو رئاسي في نيسان/ أبريل 2013، في صفقة وصفها المراقبون بأنّها كانت محاولة من البشير لإسكات قوش عن الإفصاح بملفات مهمة، من شأنها إدانة الرئيس السوداني في عدد من القضايا ذات الطبيعة الأمنية.
ومنذ الساعات الأولى للإعلان عن عودة قوش، بدت بعض التيارات السودانية المعارضة في حالة من الترقّب من رجل الأمن الذي اشتهر في عهده ما سمي «بيوت الأشباح»، تعبيراً عن مراكز الاحتجاز والتعذيب والاعتقالات الواسعة. وفي هذا الصدد، قال «حزب المؤتمر الشعبي» (كان يتزعمه الراحل حسن الترابي)، في أول بيان له تعليقاً على القرار: «إذا عاد الحرس القديم، فهذا يعني عودتنا إلى السجن». إلا أنّ سياسيين سودانيين طالبوه بفتح صفحة جديدة مع الإسلاميين المعارضين.
لكنّ مصادر سياسية سودانية، قالت لـ«الأخبار»، إنّه «في ظلّ الانتقادات الدولية والإقليمية، فإنّ فريقاً سياسياً داخل النظام يُحاوِل الدفع بحركة تغيّرات تهدف إلى إنهاء الحركة الإسلامية ككيان مستقل، والدفع بقادتها إلى تولي مناصب، سواء في الإدارة السياسية والحكومة أو في حزب المؤتمر الوطني الحاكم» الذي يُعتبَر الذراع السياسية للحركة الإسلامية في السودان.
المصادر نفسها، أكدت أنّ «تحسين العلاقات والتنسيق الأمني والاستخباري مع واشنطن هو سبب رئيسي أيضاً في عودة قوش إلى جهاز الأمن في هذا التوقيت، وخاصة أنّ الرجل كان قد ساهم في تسليم عدد من الإسلاميين إلى الاستخبارات الأميركية CIA، فضلاً عن علاقاته الجيّدة بالغرب والتي من شأنها خدمة النظام السوداني وخطواته الإجرائية لرفع الخرطوم من قائمة الدول الراعية للإرهاب» وتحسين العلاقات مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
من جهة أخرى، قد يُساهم اختيار قوش أيضاً في الوصول إلى تفاهمات في مجال التنسيق الأمني مع الإقليم العربي، وخاصة مع مصر والإمارات والسعودية، إذ يمتلك قوش في الدولتين الأخيرتين «استثمارات ضخمة» وله علاقات قوية بالنظامين الحاكمين فيهما منذ خروجه من جهاز المخابرات سابقاً. برغم كلّ ما ذُكِر، فإنّ مراقبين للملف السياسي داخل السودان، يعتبرون أنّ «هدف البشير الأوّل» هو «التهدئة في الداخل، حيث تتصاعد حالياً الاحتجاجات، التي من شأنها تهديد بقائه في النظام»، فضلاً عن «محاولاته المستميتة» لتهيئة الأوضاع داخل السودان بشكل يضمن له الحماية من التسليم للمحكمة الجنائية الدولية إذا ما خرج من السلطة عقب الانتخابات المقبلة في 2020.
وفي حديث إلى «فرانس برس»، قال المحلل المتخصص في شؤون السودان في «مجموعة الأزمات الدولية» ماغنوس تايلور، إنّ قوش لا يزال يُعتبر قيادياً قوياً ونافذاً في السودان، مرجحاً أن يكون البشير قد «رأى فيه الرجل القوي القادر على معالجة الموقف السياسي الصعب على وقع التظاهرات الأخيرة» التي أثارها، بشكل خاص، رفع سعر الخبز وقرار الحكومة تكليف القطاع الخاص استيراد الحبوب. لذلك كلّه، قد تُمثِّلُ عودة قوش ضمانةً للبشير، من شأنها تهدئة الأجواء الأمنية وإسكات المعارضين للنظام.