كشفت صحيفة «هآرتس» عن معطيات أكدت من جديد وجهة السياسة المعتمدة لدى تل أبيب إزاء تصدير السلاح إلى أنظمة قمعية ديكتاتورية، ودول تشهد حروباً داخلية، مشيرة إلى أن إسرائيل تقف في مقدمة الدول العشر المتورطة في تزويد دول كهذه، تشهد قتالاً وحروباً أهلية.

وذكرت «هآرتس» أن إسرائيل الرسمية لا تشرك نفسها بصورة مباشرة في صفقات تصدير السلاح، إلا عبر شركة واحدة هي شركة «رفائيل» للصناعات العسكرية، لكنها في المقابل تشهد نشاطاً كبيراً لأكثر من 1000 شركة خاصة يملكها ويديرها ضباط إسرائيليون سابقون، يعملون تحت مظلة ورعاية من وزارة الأمن، وهذه الصفقات «تجري بصورة سرية غير معلنة، يغتني منها كبار الجنرالات في الجيش الإسرائيلي».

وأكدت الصحيفة أن وزارة الأمن الإسرائيلية هي التي تدير وتوزع الصفقات بناءً على الطلبات الواردة من دول وجهات معنية بالسلاح الإسرائيلي، والوزارة «هي التي تقسم الكعكة وفقاً لمصلحة موظفيها وكبار الضباط العسكريين السابقين الذين يديرون شركات التصدير الخاصة».

وزارة الأمن تدير وتوزع الصفقات بناءً على الطلبات الواردة من جهات معنية بالسلاح الإسرائيلي
معظم الشخصيات المتورطة في تصدير السلاح هم من «اليسار الإسرائيلي»
ولفتت «هآرتس» إلى أن الرقابة على الصفقات تكاد تكون غير موجودة، فقد أوكلت الوزارة إلى موظفين اثنين فقط، من أصل 30 في قسم مراقبة التصدير العسكري، دراسة الطلبات التي بلغت حتى الآن 400 ألف طلب وترخيص، للتأكد من أنها لا تنتهك الشروط الرسمية. وقالت إن بإمكان أي جنرال إسرائيلي سابق أن يلتقط الهاتف ويتصل بـ«شخص ما» في وزارة الأمن، لتسهيل المصادقة على الصفقات.
كذلك تحدثت الصحيفة عن صفقات صادقت عليها وزارة الأمن من دون استصدار تراخيص، وذلك عبر ما يسمى الوسيط الثالث، تماماً كما هو الاتهام الذي ساقه رئيس الحكومة الأسبق إيهود أولمرت، بحق وزير الأمن الأسبق إيهود باراك، لأن شركات السمسرة والوساطة تعفى من عملية إصدار تراخيص، وتتمكن من تحقيق أرباح بسرعة وسهولة.
مع ذلك، أكدت «هآرتس» أن الحكومات الإسرائيلية هي التي تملي السياسات العامة التي تتحرك عبرها وزارة الأمن في إعطاء وحجب التصريحات، وبما يشمل أيضاً نقل الخبرات والتدريبات وأساليب القتال و«العقائد القتالية»، التي تدخل جميعها في تصنيف «التصدير الأمني»، مشيرةً إلى أن معظم الشخصيات المتورطة في تصدير السلاح هم من «اليسار الإسرائيلي»؛ فعلى سبيل المثال «كانت إسرائيل متورطة في عهد حكومة إسحاق رابين في تشيلي والأرجنتين ورواندا والبوسنة، وهي دول شهدت صراعات ومجازر رهيبة بحق المدنيين».
وأشارت الصحيفة إلى أن صفقات إسرائيلية تجري مع دول في الخارج، تحت عنوان الزراعة و«الري بالتنقيط»، لكنها مجرد مقدمة وتغطية لصفقات أسلحة... «هناك أناس في إسرائيل باتوا أغنياء جداً من تجارة السلاح مع دول قمعية، لكن الرأي العام يظن أنهم يعملون في الزراعة، ونقل التقنيات الزراعية إلى الخارج»!
«كيف أصبحت إسرائيل دولة عظمى في تصدير السلاح»؟ تشير «هآرتس» إلى أن إسرائيل التي كانت في مدة حرب «يوم الغفران» عام 1973 على حافة الدمار مع أزمة اقتصادية كبيرة ونقص في النقد الأجنبي، تحولت مع مرور الوقت إلى مصدر للسلاح بعد قرار الحكومة تعزيز الصناعات العسكرية. وبما أن إسرائيل لا يمكنها أن تنافس دولاً مثل الولايات المتحدة، فهي قررت العمل على مناطق النزاعات، وهذه ميزة إسرائيلية عن أميركا وغيرها، لأنها تعرف جيداً كيف تتعامل مع إدارة سكان واقعين تحت الاحتلال، وكذلك مع المسلحين.
بناءً على هذه الخلفية، توجهت إسرائيل إلى أميركا الجنوبية، ولاحقاً إلى أميركا الوسطى، كما حدث مع غواتيمالا، حيث أدرك حكامها من الجنرالات أنهم يكافحون سكاناً هنوداً يشبه وضعهم ما يحدث في إسرائيل (مع الفلسطينيين). وكذلك الأمر في أفريقيا الوسطى، حيث اندلعت حرب أهلية (2004 ــ 2007)، بل هناك أدلة على أن إسرائيل باعت أسلحة خلال عمليات الإبادة الجماعية في رواندا، رغم أن وزارة الأمن نفت ذلك.
وفي جنوب السودان، تشهد التقارير الواردة من منظمات دولية وناشطين في حقوق الإنسان أن إسرائيل انتهكت الحظر وباعت أسلحة لهذه الدولة أثناء الحرب الأهلية الدائرة هناك، وثمة «قوات جنوب سودانية دربها إسرائيليون، وأيضاً جهات إسرائيلية تبني هناك أجهزة مراقبة بالتعاون مع الاستخبارات، تماماً كما حدث مع تشيلي في عهد الديكتاتور (أوغستو) بينوشيه، حيث قامت إسرائيل بتدريب عناصر استخباراته، الذين مارسوا أقسى أنواع التعذيب في هذا البلد».
وتشير معطيات الصحيفة إلى أن الصادرات العسكرية الإسرائيلية شهدت قفزة كبيرة جداً عام 2008، وبأضعاف ما كانت عليه في المدة التي سبقت هذا العام، من ثلاثة مليارات دولار إلى ثمانية مليارات.
وصحيح أن إسرائيل تحتل المرتبة السادسة أو السابعة في ترتيب الدول المصدرة للسلاح، لكن بما يتناسب مع حجم إسرائيل فـ«نحن في المرتبة الأولى عالمياً»، تقول «هآرتس»، كذلك فإن إسرائيل تصدّر السلاح إلى 130 دولة حول العالم، وضمن ذلك قائمة «دول خاصة» لا توجد علاقات دبلوماسية معلنة معها، يجري التكتم عليها، خشية التسبب في حرج دولي لإسرائيل.
وكانت تقارير قد أشارت إلى أن إسرائيل باعت سلاحاً لليبيريا وساحل العاج، خلال الحرب الأهلية التي عصفت بالدولتين، كذلك فإن أصل علاقات إسرائيل مع عدد من دول العالم تتمحور تحديداً حول الصفقات العسكرية وتوريد الأسلحة؛ فالزيارات التي قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي السابق، أفيغدور ليبرمان، لأفريقيا (2009 ــ 2014)، ضمت أيضاً ممثلين عن شركات إسرائيلية لتصدير السلاح.
وفي رد على المعطيات، بعد اتصال من «هآرتس»، قالت وزارة الأمن الإسرائيلية إنها تتصرف بموجب القانون في إعطاء رخص التصدير الأمني إلى الخارج، وذلك وفقاً للمصالح السياسية والأمنية والاستراتيجية لإسرائيل. وأضافت الوزارة أن سياسة التصدير الأمني تدار باحتراف، عبر القانون، وأن إصدار التراخيص يأتي بعد عمل واسع ومهني يقوم به موظفو الوزارة، مع مشاركة من مصادر مهنية في وزارة الخارجية.
وفيما أكدت الوزارة بصورة غير مباشرة وجود «مخالفات»، فإنها أشارت إلى أن قسم التصدير في الوزارة يفرض غرامات وعقوبات على المصدرين، في حال مخالفتهم الضوابط، ومن بينها إلغاء الترخيص وعقوبات جزائية.