عقب إلقاء القبض على الفريق سامي عنان، رئيس الأركان المصري الأسبق، بتهمة خرق الأصول العسكرية، من خلال إعلانه الترشّح للانتخابات الرئاسة، من دون موافقة القوات المسلحة، وإنهاء إجراءات استدعائه من الخدمة العسكرية، سرت شائعات عن احتمال امتلاكه أوراق ضغط قد يخرجها ضد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في الوقت المناسب.


هذه الشائعات كرّسها المستشار جنينة، الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، والقيادي البارز في الحملة الانتخابية المُجهضة للفريق عنان، ولاقاه في ذلك مصدر عسكري، تحدّث، في تصريحات صحافية، عن وجود تسجيلات، قد تشكل أداة إدانة شديدة الحساسية لرموز النظام الحاكم، وقد تطاول السيسي نفسه... فإلى أي مدى من الصحة يمكن أن تكون تلك المعلومات؟
المستشار هشام جنينة، الذي أعلن الفريق عنان في خطاب إعلانه الترشح للانتخابات الرئاسية أنه سيكون نائباً له حال فوزه، أفصح في حوار صحافي مصوّر مع موقع «هافبوست»، أن رئيس الأركان الأسبق يمتلك «مستندات ووثائق» عن الأحداث التي جرت منذ 25 كانون الثاني عام 2011 و30 حزيران عام 2013، وتشمل وقائع خطيرة، مثل مواجهات محمد محمود، ومجزرة ماسبيرو، لافتاً إلى أنها ستكشف الكثير من المفاجآت بشأن «الطرف الثالث» الذي طالما حُمِّل مسؤولية العديد الكثير من أعمال العنف والجرائم الفظيعة في فترة ما بعد «ثورة 25 يناير»، كذلك تحتوي على حقائق مُخفاة عن الرأي العام.
ووفقاً لما صرّح به هشام جنينة، فإنّ سامي عنان استبق التطوّرات المحتملة، وهرّب تلك الوثائق المفترضة إلى الخارج، لتظهر في حال تعرضه للاغتيال أو التصفية مثلما حدث مع المشير عبد الحكيم عامر، غداة هزيمة عام 1967، على حد تعبيره.
تلك التصريحات كانت كفيلة بتحرّك القوات المسلحة، لاستصدار أمر قضائي، من النيابة العسكرية، بتوقيف جنينة، من دون أن يعني ذلك انحسار العواصف المتلاحقة، التي باتت ترخي بظلالها على المشهد المعقد داخل النظام المصري، منذ توقيف سامي عنان. وعلى هذا الأساس، نُقلت تسريبات عن أحد الضباط المصريين، ممن «ساءه الصراع بين أجنحة القوات المسلحة»، وفق ما ذكر «هافبوست» نفسه، قال فيها إنّ «المستندات التي أشار إليها المستشار جنينة، ليست وثائق بالمعنى الحرفي، ولكنها عبارة عن مجموعة أشرطة فيديو مصوّرة من قلب غرفة القيادة العامة للقوات المسلحة، استطاع عنان الوصول إليها، والاحتفاظ بها، بحكم منصبه رئيساً للأركان، وتتناول أحاديث عن بعض الخلافات والمشادات بين المجلس العسكري وبعض الأمور المالية الخاصة بالمجلس العسكري، وجزءاً يخص الشق السياسي وخاصة مجزرة ماسبيرو».


رأى البعض في تبرؤ
سامي عنان من كلام جنينة
إنقاذاً لنفسه



وبعد إلقاء القبض على المستشار هشام جنينة، ومواجهته بالفريق سامي عنان، داخل النيابة العسكرية، أنكر الأخير أن يكون قد أخبره أي شيء عن مثل تلك المستندات، وأنكر العديد من المواقف السابقة له، مثل تصريحات يُندد فيها بالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية.
ووفق ما قاله محامي هشام جنينة، الذي حضر التحقيقات، فإن عنان كان أقرب إلى أن ينكر معرفته بجنينة من الأساس، لولا أنه قد أعلن سابقاً اختياره له نائباً للرئيس، حال فوزه في انتخابات رئاسة الجمهورية.
كذلك نشر حساب منسوب إلى الفريق عنان على موقع «تويتر» (تؤكد مصادر لـ«الأخبار» أن رئيس الأركان الأسبق كان مسؤولاً عن هذا الحساب قبل القبض عليه) تغريدة «من داخل محبسه» جاء فيها: «رسالة من الفريق ‎سامي عنان: ليس لديّ ما أخفيه أو أنكره، قلت للمستشار جنينة، ولغيره، وللجميع، رداً على اتهامات بشأن مسؤوليتي عن دماء سالت في أحداث ما بعد الثورة... إنّ من حارب دفاعاً عن وطن، لا يتورط في هذا، ولديّ ما يثبت سلامة موقفي، ولكني لم أشر يوماً إلى مستندات أو أسرار تتصل بعملي العسكري».
البعض قد رأى في تبرؤ عنان من كلام جنينة إنقاذاً لنفسه من تهمتي «الخيانة العُظمى» و«التجسس» على القوات المُسلحة، ولكن هل من الممكن أن تكون لدى عنان بالفعل مستندات مثل هذه؟
مصدر عسكري سابق تحدث إلى «الأخبار» قائلاً: «لقد حضرت الكثير من المؤتمرات والندوات والاجتماعات التي كان يحضرها أعلى الرتب العسكرية المصرية، وكانت أجزاء منها تُسجَّل بالفعل، وعندما يبدأ أحد القادة بالحديث عن أمور سرّية، يُوقَف التسجيل أو التصوير، بأمر من وزير الدفاع أو الضابط ذي أكبر رتبة يكون حاضراً للاجتماع، وكانت كل تلك التسجيلات من اختصاص الشؤون المعنوية، التي يُشرف عليها، ويتدخل فيها مباشرة، وزير الدفاع شخصياً، وأعتقد أن الكلام عن تسجيلات لدى عنان لبعض اجتماعات المجلس العسكري غير صحيح إطلاقاً، إذ لن يُسمح لأحد بالتسجيل أو التصوير، كذلك فإن وزير الدفاع هو من سيكون المشرف الرئيسي لو حدث ذلك، ولن يدع فرصة لخروج أي شيء لأيّ كان، فما بالك لو أن أحدها يحتوي على أسرار قد تُدينه هو شخصياً؟».
وأضاف المصدر: «إذا كان لدى عنان أية أدلة أو وثائق فلن تكون مثلما شاع بأنها تسجيلات أو مقاطع فيديو، كذلك إن الكلام على أنها تُدين بعض الشخصيات العسكرية يعني أنها تُدين عنان بالأساس، خصوصاً أنه كان يشغل ثاني أكبر منصب في القوات المسلحة»، فضلاً عن أن «معظم الأحداث التي يقال إن عنان لديه مستندات بشأنها، هي أحداث مصورة صوتاً وصورة بالفعل، وقد حضرها وشاهدها الملايين، وبرغم ذلك لم يُحقَّق مع أحد بشأنها حتى الآن».
ثمة سؤال آخر يطرح نفسه في هذه الحال، هو أنه «لو أن عنان يمتلك مثل تلك الوثائق والمستندات، فلماذا لم يُخرج ولو جزءاً بسيطاً منها بعد القبض عليه؟».
أغلب الظن أن كلام المستشار جنينة كان أقرب إلى التهديد منه إلى المعلومة، فقد شعر بعد مُحاولة اغتياله بأن حياة الفريق عنان في خطر داخل السجن الحربي، فأراد أن يوصل رسالة تهديد إلى النظام الحاكم، وهو ما عاد عليه بالأذى الشديد، الذي قد ينتهي به إلى فترة سجن طويلة.
الاحتمال الثاني، هو أن يكون جنينة قد نقل ما سمعه من الفريق عنان بالفعل، ولكن على خلفية سعي رئيس الأركان الأسبق، من وراء ذلك، إلى طمأنة القيادي في حملته، وباقي الفريق الرئاسي، بشأن امتلاكه لوسائل ضغط، يمكن اللجوء إليها حال إقدام النظام الحاكم على تصرف مثل الذي حدث بالفعل، حين اعتقاله.
ويبقى الاحتمال الأخير أن يكون عنان ممتلكاً بالفعل مستندات ووثائق ذات أهمية قصوى لدى مراكز القوى داخل المؤسسة العسكرية، وخاصة في ما يتعلق بالشأن المالي للقوات المسلحة، الذي يمكن وصفه بـ«السر الأعظم»، حتى وصل الأمر باللواء محمود نصر، مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية، وعضو المجلس العسكري سابقاً، بالتهديد بشن حرب على من يقترب من اقتصاد المؤسسة العسكرية، حين قال في ندوة عقدت في عام 2011: «سنُقاتل من أجل مشروعاتنا، وهذه معركة لن نتركها. لقد عرقنا لمدة 30 سنة، ولن نترك مشاريع القوات المسلحة لأحد، ولن نسمح للغير، أيّاً كان، بالاقتراب منها».
بطبيعة الحال، كان الفريق عنان مُطلعاً على تلك الأمور جيداً، ولكن هل يملك أن يستخدمها للضغط؟ وكيف يمكن ذلك؟ لقد خرج عشرات التسجيلات والوثائق التي تُدين النظام الحالي بشكل قاطع، وكان من شأنها أن تؤدي إلى إطاحة أي نظام في العالم، كالتسجيلات التي خرجت من مكتب السيسي مدير مكتبه عباس كامل، ولكنها لم تحرك ساكناً في مصر، بالنظر إلى القوة التي وصل إليها النظام الحالي داخل مؤسسات المخابرات والقضاء والشرطة.