الجزائر | «بدأتُ من الصفر، وأنا في الميدان منذ عام 1988 أعمل وأشقى، وأحاول تقديم الأفضل»، هي عبارات يكرّرها رجل الأعمال الجزائري المثير للجدل علي حداد، كلّما رُفعت في وجهه لافتة «من أين لك هذا؟». وفعلاً، بدأ حداد تقريباً من لا شيء، أي إنّها انطلاقةٌ يرى فيها المعنيُّ «دليلاً على تفانيه في عمله» للوصول إلى مرحلة يتربع فيها دون منازع على معظم مشاريع الأشغال العمومية، فيما يرى فيها خصومه دليلاً آخر على أنّ صعوده الصاروخي لا يمكن تفسيره «إلا بقربه من دوائر صُنع القرار» عموماً، ومن مستشار وأخي رئيس الجمهورية، السعيد بوتفليقة، على وجه الخصوص.


يرأس حداد، الحاصل على شهادة في الهندسة المدنية (يقال انه حاصل على مجرد شهادة تقنية)، مجمع الأشغال العمومية «ETRHB» الذي يوُظِّف 15 ألف شخص، فيما يُقارب حجم أعماله مبلغ مليار دولار. ويسعى المجمع، وفق تصريحات مالكه، إلى «تنويع مجالات نشاطاته»، بعدما سيطر على مجالات عدّة، على رأسها شق الطرقات وتعبيدها بالزفت، ويهدف إلى تصدير ما قيمته 3 مليارات دولار من الإسمنت، والحديد، والأنابيب الملحّمة، في عام 2022.
أيضاً، يملك حداد صحيفةً تصدر بالعربية والفرنسية (Le Temps d›Algérie)، وقناتي تلفزيون (دزاير تيفي، ودزاير نيوز)، وأحد أكبر أندية كرة القدم في الجزائر «اتحاد العاصمة». كذلك يترأس «منتدى رؤساء المؤسسات» الذي يجمع سبعة آلاف مؤسسة خاصة توُظِّف نحو 400 ألف موظف بمجموع ما يقارب 45 ملياراً، علماً بأنّ هذا المنتدى تحوّل الشهر الماضي إلى «نقابة».
وبمراجعة سريعة، مثّلت سنوات الحكم الأولى للرئيس عبد العزيز بوتفليقة (في نهاية التسعينيات) مرحلة الانطلاق الحقيقية لحداد الذي راهن على «الفريق الرابح»، خاصةً حين اشتعل الخلاف بين أجنحة الحكم في البلاد، والذي تجسّد في الصراع بين رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة ورئيس حكومته السابق علي بن فليس، في الانتخابات الرئاسية عام 2004. ورجل الأعمال صاحب الأعوام الـ53، يسعى بعد سيطرته على مشاريع الطرقات (برفقة شركات اجنبية)، وأهمها الطريق السيّار (شرق غرب) بطول 1720 كلم، وأيضاً شراكته في المجال الطبي مع «فاريان ميديكال سيستم» الأميركية، وتسويقه حصرياً لسيارات «تويوتا» اليابانية، إضافة إلى مشاريع الفنادق... إلى الدخول شريكاً في كبرى المؤسسات العمومية خلال السنوات المقبلة.

كسر «الوزير الأول»

يعلّق الخبير الاقتصادي فرحات آيت علي، الذي يربط نجاح حداد وبقاءه بوجود الإرادة السياسية، بأنّ الأخير «مرتبط كلياً بالصفقات العمومية التي تُمنح له نظير ولائه السياسي، فهو لا يستطيع أن يتحصل على أيّ صفقة كبيرة خارج الوطن، على عكس المؤسسات القوية الحقيقية». وفعلاً، استطاع حداد التحوّل في المخيلة الجمعية للجزائريين ــ على الأقل ــ من رجل أعمال قوي ومقرّب من دوائر صنع القرار إلى فاعل حقيقي في السلطة، خاصة بعد المواجهة المباشرة التي جمعته مع الوزير الأول (رئيس الحكومة) السابق عبد المجيد تبون، والتي بلغت ذروتها حينما طرده تبون من المدرسة العليا للضمان الاجتماعي، قبل أن تنتهي عملية ليّ الذراع بتنحية الوزير الأول بعد 80 يوماً فقط من تعيينه (منتصف آب/اوت الماضي).
أيام تبون، عاشها حداد على أعصابه، بعدما تهاوت عليه الإنذارات من مؤسسات رسمية ووزارات تُطالبه بتسليم المشاريع العالقة في أقرب الآجال، ليتنبّأ المحللون آنذاك بقرب نهاية إمبراطوريةٍ وصفوها بـ«الورقية» بسبب هشاشتها وارتباطها الكلي بمركز القرار السياسي. لكن ما حدث، هو العكس تماماً.
يرى آيت علي أن إخفاق هجمة تبون سببها استحالة غرق حداد من دون أن يُغرق معه مئات المؤسسات المتوسطة والصغيرة التي لا تملك حلاً آخر للحصول على أجزاء من المشاريع العمومية، سوى قبول العمل بـ«نظام المناولة» مع مجمع علي حداد الذي يفوز بجلّ الصفقات ثم يوزعها على هذه الشركات، وذلك إلى درجة أنّه لم يبقَ منافس لمجمعه في مجال الأشغال العمومية إلا شركة «كوسيدار» العمومية. وفي حال إفلاس مجمع حداد لسبب أو آخر، فستُفلس معه مئات الشركات الصغيرة والمتوسطة، وستحدث اختلالات كبيرة في المصارف التي أقرضته الأموال، بالإضافة إلى مؤسسات أجنبية منحها مشاريع بالطريقة نفسها. «نحن نعلم»، يواصل الخبير الاقتصادي، «أنّ أي مشكلة مع المؤسسات الأجنبية ستنتهي أمام المحاكم الدولية، الشيء الذي سوف يُكلّف الجزائر أموالاً كثيرة في حال خسارة التحكيم، كما سيؤثِّر سلباً في الصورة الاقتصادية في الخارج».

أين ربراب منه؟

«تحوّلنا من احتكار الدولة للمشاريع إلى احتكار الخواص للمشاريع»، يضيف آيت علي، الذي يعتقد بأنّ تجاوز حداد لأزمته مع تبون عجّل بعودة نظام منح الصفقات بالتراضي المعمول به سابقاً، لأن «حداد هو تزاوج بين المال والسياسة»، مستغرباً في الوقت نفسه تكرار بعض وجوه السلطة عبارة: «لا نريد للمال أن يدخل في السياسة... السياسة هي من خلق المال، وكوّنت أثرياء من ورق؛ (لكن) عندما تخلق أثرياء ومؤسسات وإمبراطورية كاملة بقرارات سياسية، من الطبيعي أن تحاول هذه الإمبراطورية التدخل في السياسة، خاصة أن ثروتها قادمة أساساً من الدولة».
وبالمقارنة بين وضعية حداد والملياردير إسعد ربراب، والأخير مالك «مجمع سيفيتال» وقد بلغت ثروته أخيراً 4 مليارات دولار وفق مجلة «فوربس» الأميركية، فإن ربراب لا يهتم بالسياسة، ولا يتدخل في النقاش المتعلق بها. ويوضح الخبير الاقتصادي: «ربراب قال اتركوني أعمل بعد مشكلات بينه وبين وزراء في العام الماضي... هو لا يعيش من المشاريع العمومية، أي على عكس حداد الذي في حال عدم استفادته من المشاريع العمومية، سينتهي».