على غير عادته في بدء كل حديث، لم يسأل عن جديد الأخبار، ودخل إلى ما كان يشغله في ذلك الصباح من نهايات عام ٢٠١٥. كانت قد مضت عشرون سنة على محاضرة ألقاها في باريس يوم الخميس ٧ كانون الأول/ ديسمبر ١٩٩٥، وموضوعها: «أزمة العرب ومستقبلهم».

خامَرَته فكرة أن يراجع ما كتب في ضوء التحولات والانقلابات والحرائق التي حلّت بالعالم العربي. إلى أي حد كان تشخيص الأزمة سليماً والتوقعات قريبة مما حدث؟ دعاني لأن أشرع في قراءة النص، وأنا جالس أمامه، قبل أن ندخل في حوار مستفيض، فـ«أمامنا وقت متسع ولا توجد مواعيد أخرى اليوم».

كأي كاتب، أو مفكر، ينظر في المستقبل وما قد يحدث فيه، فإنّه محكوم بالمعلومات الأساسية، التي توافرت له عن دخائل الأمور، أو بقدر ما اطلع على الاتجاه العام للتفكير في مراكز صناعة القرار، ثم بمدى إلمامه بالتاريخ ووقائعه ودروسه فـ«لا شيء يتحرك خارج سياقه». ما الذي دعاه إلى مراجعة فريدة من نوعها لما توقع قبل عشرين سنة؟
عدد السنين ورمزيتها في حسابات البشر داعٍ أول، وهو من الذين اعتادوا الإنصات لوقع الزمن والانتباه إلى ما يتكشف من وثائق لم تكن معروفة. فكرة المراجعة بذاتها داعٍ ثانٍ، وربما فكر أن يقوم بها أمام الرأي العام على شاشات الفضائيات، كيف حالنا الآن بعد عشرين سنة... وإلى أين من هنا؟
فضلاً عن أن نبوءاته المستقبلية وافقت الحوادث التالية بأكثر مما تصور عندما تحدث من فوق منصة قاعة مؤتمرات «متحف جيميه» بالعاصمة الفرنسية. كان ذلك داعياً ثالثاً.
غير أن المرض الشديد، الذي داهمه مطلع الشهر التالي (كانون الثاني/ يناير ٢٠١٦) وأفضى إلى رحيله، حجب تلك التجربة غير المسبوقة من أن تخرج للناس.

(1)


«أخشى أن أصدم السامعين، والقارئين، إذا قلت صراحة إنني: أولاً، لا أرى حلاً سهلاً أو قريباً أو طبيعياً للأزمة لأن تعقيداتها تجاوزت بكثير ما قد يطرح نفسه من بدائل يصح الاختيار بينها. وثانياً، لا أرى حلاً عربياً شاملاً لهذه الأزمة لأنّ العالم العربي لم يعد منطقة أزمة عامة، وإنما أصبح منطقة أزمات مختلفة، متعددة وربما متباعدة!».
رغم الطابع الاحترازي للكلام، فإنّه يكتسب صدقيته من أنّ الأيام أثبتت صحته. الاحتراز ضروري لكلّ من يطلب قراءة المستقبل، كما أنه طبيعة التفكير العقلاني. فـ«المستقبل ليس طرقاً معبدة تعرف آخرها وتقودك فيها علامات وإشارات على الطريق، ترشد الحركة، وتحدد أين أنت بالضبط كلما قطعت مسافة فيه، وتخبرك ما تبقى منه». ثم مضى خطوة ثانية على شيء أقلّ من التحرز بفحص «مجموعة الاحتمالات الواردة، أو التي يمكن أن ترد من محيط معارفنا وتجاربنا».

في نهاية 2015، خامَرَته
فكرة أن يراجع ما كتب في ضوء التحولات والانقلابات والحرائق التي حلّت بالعالم العربي، لكن ما الذي دعاه إلى مراجعة فريدة من نوعها لما توقعه قبل عشرين سنة؟


«هناك احتمال يظن أصحابه أنّ مسيرة العصر في حد ذاتها قادرة على شدّ كل الأطراف وراءها… وأسمح لنفسي بأن أقول إن جذب العصر يؤثر على العرب في حالة واحدة، هي أن يكونوا مستعدين للحاق به وإن متعبين، لكنهم إذا زادت قوة اندفاع العصر إلى الأمام ولم يكن العرب على استعداد، فإن العصر لن يشدهم للتقدم معه أو وراءه، وإنما الأرجح أن يتحول الشد إلى سحل!».
كانت تلك رؤية لاحتمال يتنازل مسبقاً عن الفعل الإرادي، وما يحدث الآن هو سحل للعالم العربي.
كاحتمال ثانٍ يلخصه سؤال: «هل يمكن أن يجيء الحلّ من التطور الطبيعي للأوضاع الراهنة في أي بلد عربي عند منتصف تسعينيات القرن الماضي؟». كانت إجابته: «إن ذلك فوق ما تحتمله الحقائق، بل إن من الصعب عليّ أن أرى مستقبلاً يولد من الواقع العربي الراهن، أو ينشأ على اتصال به، فالواضح أننا في معظم بلدان العالم العربي أمام نُظُم أضاعت سندها الشرعي ولم تعثر على مشروعاتها المستقبلية، وقصارى ما فعلته معظم النظم ــ وما زالت تفعله بظن مجاراة العصر ــ قيامها بخصخصة بعض الشركات في مقابل تأمين كل السلطات».
وكاحتمال ثالث يلخصه سؤال آخر: «هل يمكن أن يجيء الحل من الدعوة التي تعلو أحياناً مستجيرة بما يسمى العمل العربي المشترك؟». كانت إجابته: «المشهود أمامنا أن بيت العرب أصبح من نوع تلك القصور العتيقة المسكونة، يدخل إليه الناس بالخطأ ويخرجون منه بالهرب».
واحتمال رابع يلخصه سؤال جديد: «هل يمكن أن يجيء الحل من رجل تبعث به المقادير منقذاً ومخلصاً في ساعة أزمة؟» وكانت إجابته قاطعة: «إن أوان الرجل المخلص فات».
«في العالم العربي كما هو الآن ــ منتصف العقد الأخير من القرن السابق ــ فإن من الصعب تصور ظهور مفاجئ لرجل واحد إلا من داخل إطار الجيوش. ومؤدى ذلك أن الظاهرة البونابرتية المحتملة: عسكري لم تلده الثورة الفرنسية ولم تقم بتربيته حضانات الرقي الفكري والحضاري في أوروبا بعد عصور التنوير والنهضة».
وكاحتمال أخير: «هل يمكن أن يجيء الحل من إعادة ضخ فكرة القومية العربية إلى الدورة الدموية للجسم العربي مرة أخرى؟». «إنّ الإلحاح على الفكرة القومية الآن يزيد في غير موضعه لأن ظاهر الأمور ــ بصرف النظر عن حقائقها ــ يفسح المجال لشكوك لا تبددها كثرة الإلحاح. كانت الفكرة القومية العربية مرفوعة على أربعة قوائم: إنها ثقافة واحدة، وإنه تاريخ واحد، وإنه أمن واحد، وهو بعد ذلك مصير واحد... والقوائم الأربعة الآن معطلة، على أقلّ تقدير!».
إلى أين يمكن أن يمضي المستقبل إذاً؟
... وهكذا مضى إلى خطوة جديدة.


(2)


«يظن البعض في إقليم شبه الجزيرة العربية، وهو يضم مجموعة دول الخليج زائداً عليها اليمن وفي شمال أفريقيا، من تونس إلى الدار البيضاء، أن التحالفات والصداقات ضمان واقٍ من التهديدات الإقليمية والضغوط الداخلية، ومطالب الإصلاح الاجتماعي والسياسي، وعنف التيارات الأصولية، وكذلك بقوة الجذب ورابطة الاتصال بالقلب العربي». بصياغة أخرى، «إن موازنة قوة الجذب وتعطيل رابطة الاتصال بالقلب العربي مؤكدة بختم إسرائيلي على الصك الأمريكي». وقد رجح، بالنظر إلى التصورات الحاكمة وأوضاع قلب العالم العربي، أن تفضي تلك التصورات إلى أزمات إضافية وليس إلى حلول لأزمات أصلية، ثمّ إنّها عطلة عن المستقبل أكثر مما هي موصلة إليه.


ما جرى على مدى عشرين سنة أكد الأزمة لا الانفراج، وإخفاق الرهانات على حفظ المصالح. لا القلب في مصر استعاد شيئاً من عافيته ولا العالم العربي كله بقي على حاله، والتدهور وصل إلى حدود ما بعد الكوابيس في إقليم ثالث ــ الهلال الخصيب: سوريا والعراق والأردن ولبنان وفلسطين (وإسرائيل بحكم الواقع والوقعية).
عند منتصف تسعينيات القرن الماضي، قال كأنه يقرأ في كتاب مفتوح: «هو الإقليم الذي أشعر بالخطر الشديد عليه، وأخشى أنه الآن مفتوح لخريطة جديدة ترسم له استعداداً للقرن الحادي والعشرين، وفي الأغلب قبل انقضاء الربع الأول من ذلك القرن».
الكلام بنصّه هو ما يحدث فعلاً ومصائر المشرق العربي على حد السكين، قبل أن ينتهي الربع الأول من هذا القرن.
استناداً إلى نبوءاته، فإنّ موقفه كان حاسماً من الأزمة السورية منذ بدايتها. لم تكن القضية «بشار الأسد» ومستقبل نظامه، بقدر ما كانت سوريا نفسها التي يصعب أن تعود إلى ما كانت عليه.
في تقديره أن الأمن القومي المصري يبدأ من المشرق العربي، فإذا ما انهارت دولة، فإنّ مصر تُضرَب بمقتل.
«واستأذنكم في أن أقول، وبقدر معقول من الاطمئنان إلى صحة القول بأن الاستراتيجية العليا في إسرائيل تطلق العنان لتصوّرات تحوم حول مشاريع قد يستهولها بعضنا ويحسبها عصية على التنفيذ.
فإسرائيل تتوقع مشاكل مع السلطة الوطنية الفلسطينية عندما يجيء دور المرحلة النهائية من اتفاقية الحكم الذاتي، وحين تطرح القضايا الكبرى مثل القدس واللاجئين والحدود النهائية والاستيطان، وتتوقع إسرائيل أن السلطة سوف تدخل في مواجهة معها، أو تدخل في مواجهة مع شعبها. وفي الحالتين، فهي على طريق صدام عنيف لأنه سوف يقع في الغالب على صخرة القدس». ذلك ما يحدث الآن.
هكذا النتائج على الأرض، وقد وافقت الروح العامة لتوقعاته، بل أكثر سوءاً مما تنبأ. «وكانت التصورات الإسرائيلية أنّ المنطقة مقبلة على سنوات ساخنة من حالة الفوران يرتدّ العالم العربي فيها إلى الداخل، وخصوصاً إذا كانت دائرة التسوية قد استكملت خطها ورسمت دائرتها المقفلة، منتظرة أن يزداد الاحتكاك بين المجتمعات العربية والسلطات الحاكمة فيها، وبين الفقراء والأغنياء، ما يترتب عليه صعود في قوة التيارات المتمردة، سواء بالأصولية الدينية، أو بالمستحقات الاجتماعية، أو غيرها من مولدات الرفض».
هذا كله مبتدأ لمشاريع، أما خبرها فقد توقع أن يكون بينها «إغراء واحد من الملوك الهاشميين في غدٍ قريب، أو غدٍ تالٍ له بعرش في العراق بعد الخلاص من النظام القائم فيه الآن. وإذا أمكن ذلك، فإن هذا الملك ــ في ظن إسرائيل ــ قد يُصبح في وضع أفضل للتعامل مع الفلسطينيين في الأردن، ومن ثم يصبح لهم ــ وهم أغلبية بين سكانه ــ كيان فدرالي متحد في إطار مملكة هاشمية أردنية عراقية».
على مدى سنوات تالية، حاور رجال دولة أردنيين من أصول فلسطينية متصلين بصناعة القرار في هذا السيناريو تحت عنوان أعرض: «البديل الأردني»، ولم يكن الذين حاورهم مستريحين للسيناريو الخطر الذي يفرغ القضية الفلسطينية من مضمونها، كشعب تحت الاحتلال يطلب حقه في دولة على أراضيه، فضلاً عن أنه يهدد بنية الدولة الأردنية ومستقبلها. هذا السيناريو لم يحدث حتى الآن، لكنه يظل محتملاً لأوقات طويلة مقبلة.
ما هو أسوأ أنّ شمال سيناء طرح على نحو موسع في ما تسمى «صفقة القرن» وطناً بديلاً جديداً على حساب وحدة الأراضي المصرية.
مثل ذلك الطرح الملحّ والمتكرر يفترض:
«إذا أصبح الفلسطينيون شركاء في اتحاد أكثر اتساعاً، فإن عرب إسرائيل ــ وعددهم الآن يقارب المليون وهم أكثر غداً وبعد غدٍ ــ لهم أن يبحثوا لأنفسهم عن موطن هناك في وديان دجلة والفرات وما حولهما، وليس في وادي الأردن وحوله.
*تكون الدولة العبرية قد أخذت كامل التراب الفلسطيني.
*ويكون السلام بالأمر الواقع قد احتوى العراق ووصل إلى حدود إيران.
*وربما يكون النظام الإسلامي وقتها قد انزاح عن إيران وحل محله وضع فارسي مغلق يمكن لإسرائيل أن تصادقه، كما حدث ذات يوم بالأمس القريب.
*وربما، أيضاً، تسمح الظروف ــ ولو في جزء من شمال العراق مؤقتاً ــ بقيام دولة كردية تظن إسرائيل أنها تستطيع التعامل معها!
*خريطة جديدة بهذا الشكل تصبح ضغطاً محسوساً على دول الخليج يحجز جنوب شبه الجزيرة العربية عن شماله في الهلال الخصيب!
*وخريطة بهذه الخطوط يمكنها أن تحتوي الكثير من حقول النفط أو تقترب منها، كما تحتوي بعضاً من خطوط موانئ وأنابيب نقله أو تقترب منها.
*وكذلك فإن مؤدى هذه الخطوط يصل إلى تطويق سوريا وإحكام الحصار حولها، ومن ثم يصبح مستقبلها هي نفسها قضية مطروحة للبحث».
عند رسم الخرائط بعد الحرب مع «داعش»، قد يحدث ما يفوق ما خططت له إسرائيل، وتصور هو أنه قابل للتنفيذ في غدٍ قريب، أو غدٍ تالٍ له.


(3)


تتبقى بعد ذلك المنطقة الأكبر والأهم في العالم العربي. فـ«مصر بوزنها السكاني، ثلث العالم العربي، ثم هي بموقعها الجغرافي، قلبه، وهي بدورها الحضاري، محركه التقليدي».
كان توقعه الرئيسي أن الذين يعكفون على رسم الخرائط الجديدة في الهلال الخصيب ــ لا يريدون مصر بذاتها، أو بصفتها ويطلبون أن تنكفئ على نفسها. وطرح سؤالاً كان وقتها يشغل المجال العام المصري: «هل صحيح أن الإسلام هو الحل؟». كانت إجابته: «إنّ الإسلام ليس هو الحل، وإنما الإسلام هو النور والهداية التي يمكن أن ترشد إلى مواطن الحل».
بعدما حدد المجرى الرئيسي لتفكيره، أشار إلى أكثر من نقطة لافتة: «الأولى، إنّ الظروف ــ بحركة الفعل ورد الفعل ــ جاءت معها بزوابع شديدة غطت على الأفكار والنيات، وعلى المواقف والرجال جميعاً، وخلّفت في كثير من الأحيان حطاماً وركاماً ملطخاً ببقع دم». شيء من ذلك حدث على نحو أكبر بعد «٣٠ يونيو»، فبقع الدم أصبحت بركاً والزوابع الشديدة فيضانات وزلازل، وقد تسببت نزعة العنف في بنية الأفكار بخسارة الحاضر وتقويض المستقبل بصورة لا تحتمل ترميماً قبل مُضيّ عقود.
«(النقطة) الثانية، بكلّ صدام في العصرين الملكي والجمهوري بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين الجذر الأساسي للحركة الإسلامية السياسية الحديثة، كانت الدولة الطرف الأقوى». هذه قاعدة أكدت نفسها في ما بعد «٣٠ يونيو».
«و(النقطة) الثالثة، أن الحركات الإسلامية في العالم العربي، التي نشأت تحت عباءة الجماعة، اكتسبت لنفسها خصائص محلية، ثم إنها أعطت نفسها حرية في الحركة بحيث أصبحت تؤثر في المركز أكثر مما تتأثر به».
وكان استنتاجه أن الحلول الإسلامية لم تعد حلاً واحداً، بل طرزاً وأشكالاً مختلفة متعددة، وأحياناً طرزاً وأشكالاً متنافرة ومتخاصمة. وهو استنتاج أثبت صحته بالنظر إلى النزوع الواضح للحركات الإسلامية في تونس والمغرب ودول أخرى نحو الطلاق السياسي والتنظيمي مع الجماعة الأم.
«هكذا، فإنّه ــ لا الإسلام هو الحل، ولا عنف الحالة الإسلامية أو العنف ضدها، يفتح ولو ثقب إبرة إلى مثل هذا الحل». وهكذا بدت الطرق أمامه مسدودة بلا حل سهل أو قريب... والسبب «إننا نبحث عن شيء لم يوجد بعد، ولم يولد بعد، ثم إن حالة إجهاض سابقة ما زالت تمنع، بنزيفها المستمر، فرصة حمل جديد».
بهذا الاعتقاد، انحاز إلى ثورة «يناير ٢٠١١» في مصر أملاً في تجاوز الإجهاض إلى الميلاد. وقد كان مثيراً أنه تنبأ ــ بعدما استغلقت الأزمة على أيّ حلول ــ بحدث كبير وجوهري مفاجئ وخارج السياق والتوقعات.
«إنّ لحظة الفيض والجلاء في هذه الحالة ليست إلهاماً من وراء الطبيعة، لكنها عملية تحوّل حقيقي ونقلات تتوالى وتتراكم من خلال حركة الفكر وتداعياتها وبالاحتكاك مع الضرورات والظروف ــ وحينئذ قد يلمع شعاع».
أرجو تذكر أن هذا الكلام ألقي عام ١٩٩٥.
كتب ما نصه:
«... إنني أتحدث عن الجيوش والشباب.

وعلى نحو ما، فإنه يبدو أن بعض الجيوش العربية مستنفر بأكثر من اللازم نحو مشاكل الداخل ــ بعيداً عن الأمن الوطني والقومي ــ وهو صميم اختصاصه. وعلى نحو ما، فإنه يبدو ــ في الوقت نفسه ــ أنّ كتلاً كبيرة من الشباب العربي مستغرق بأكثر من اللازم في ما لا علاقة له بالمستقبل، وهو بالتأكيد حياته ومجال فعله».
وهو يتوقع شيئاً من الفيض والجلاء من خارج سياق طرح أسئلة جوهرية طلب الإجابة عنها حتى لا يكون هناك إجهاض جديد.
«*إلى أين تصل بنا مسيرة السلام الجارية الآن، وخصوصاً أنّ كل ما حدث في هذه المسيرة حتى هذه اللحظة يظهر أننا وصلنا بالكاد إلى الساحة الخارجية للمعابد التي تسكنها الآلهة الغاضبة، لكننا لم نعبر فوق العتبات الفاصلة بعد؟ وفيما يبدو إنّ العالم العربي ما زال يقف منتظراً عبوراً إسرائيلياً ما لتلك العتبات.
*ما هي حدود الارتباطات والتعهدات والترتيبات التي قامت وتقوم بين قمم السلطة والنخب المحيطة بها ــ مع أطراف غير عربية، إقليمية ودولية؟ وعلى سبيل المثال، فقد أزعم أنني أعرف يقيناً ما جرى في عدد من العواصم العربية عندما وقع ذلك المنحنى على الطريق أواخر عام ١٩٧٣، وحتى الآن حين أصبح المنحنى انقلاباً كاملاً في كل شيء.
إن عدداً من الحكام العرب وهم يدركون بحواسهم مخاطر ما هم مقبلون عليه طالبوا ــ وحصلوا ــ من الولايات المتحدة الأميركية على ضمانات متعددة المستويات:
(أ) مسؤولية أميركية عن الأمن الشخصي حتى يمكن إعادة تدريب مختصين محليين على أحدث أساليب الحماية الشخصية.
(ب) مساعدة أميركية على تأمين الحكم ضد أي جهات عربية قد تعترض أو تعارض ــ بل إنه في بعض الحالات جرى تحديد هذه الجهات المحتملة للمعارضة بالاسم.
(جـ) كفالة أميركية بصد أي محاولات دولية تقوم بها أطراف كبرى لا تعجبها، أو لا تناسبها تقاطيع وملامح السياسات الجديدة».
«ما نوعية قواعد التدخل والاشتباك لدى القوات العسكرية الأميركية المرابطة الآن في المنطقة؟ ذلك أنه على السواحل العربية، وفي العمق العربي، تتمركز الآن مجموعة ست فرق كاملة منتشرة ما بين الخليج والمحيط تعززها قوة طيران تصل إلى خمسة عشر سرباً إلى جانب ١٨٠ قطعة بحرية». فيما رجح أن تستخدم تلك القوة في داخل دول بالإقليم ضد أعداء مجهولين، فاجأته الحوادث باستخدامها بعد ثماني سنوات في احتلال العراق.

إذا سألني أحد عن شكل
المستقبل العربي، أقول ببساطة إن على الكل أن يبدأ في الاستعداد لمفاجآت لأن المناخ في غرفة الإنعاش خطر جداً... وسوف يستدعي أمامه كلّ من يقدر على الحركة

«إنّ صورة الحالة النفسية للأمة دخل عليها خلل أفقدها التوازن في تقدير ما حلّ بها، وقد فتحت مصر أوراقها ولعلها في بعض الأحيان مزقتها، وبالتالي فإن حجم مسؤوليتها عن الأزمة لم يظهر فقط، لكنه تعرض أيضاً لعملية تركيز عليه أساءت له إلى حد التشويه، في حين أن بقية المسؤوليات العربية الأخرى عن الأزمة وضعت أوراقها في خزائن الصمت».
وهكذا بدأ نوع من البحث عن «حلول للأزمة عن طريق العمل السلمي، وليس عن طريق الانقلاب المسلح، وهي تتلمس الطرق إلى ذلك، وتجد الأفق ظلاماً، أو غياماً إذا شئنا التفاؤل.
إنها تعرف طبائع الحكم في أوطانها، وهي غير راضية عما تراه، لكنها تدرك بالغريزة أن الحكم مدجج بالسلاح، وهي لا تريد أن تقاتله. ثم تجد نفسها في حرب معه. وهي تريد، لكنها لا تعرف كيف تحاوره أو تحاسبه. وهي في حاجة إلى قيادات تعبر وتوجه وتقدم، لكن القيادات التي تعرض نفسها ليست أفضل بكثير مما هو مسلط عليها بالفعل. ومن واجب الجميع بغير استثناء أن يساعدوا على فتح هذا الطريق السلمي إلى المستقبل».
لم يكن هناك مثل هذا الطريق السلمي، ودخلت دول عدة في ثورات وانتفاضات شابتها فوضى سلاح وفوضى سياسة وفوضى مستقبل.

(4)


«أحسب أن مخاوفكم ومخاوفي أن تسنح الفرصة، وليس هناك طبيب مؤهل ــ وليس مشعوذاً، أو مغامراً ــ قرب الحالة العربية، وهنا تقع المحظورات التي يلزم توقّيها بأي ثمن:
*أولاً، محظور ضياع الفرصة والاستسلام لعملية نحر وتآكل لا يعرف أحد إلى أين تصل؟
*والثاني، محظور الاندفاع إلى الفوضى الشاملة، ولفترة قد تطول، حتى تبرز في الداخل قوة تقدر على ضبط الأمور، أو تجيء من الخارج قوة تتولى هذه المهمة؟
وأضيف أن هذه الفوضى الشاملة قد تسحب معها ــ وفي الغالب أنها سوف تسحب ــ زلازل عنيفة على شقوق وانفلاقات جاهزة للزلازل، وهذا هو أخطر الاحتمالات على أي مستقبل عربي وسط كل الإمكانات الهائلة الزاحفة مع القرن الواحد والعشرين».
بعد اثنتي عشرة سنة قال في عام ٢٠٠٧: «إذا سألني أحد حول شكل المستقبل العربي؟... أقول ــ ببساطة ــ إن على الكل أن يبدأ في الاستعداد لمفاجآت ــ لأن هذا المناخ في غرفة الإنعاش خطر جداً... وسوف يستدعي أمامه كلّ من يقدر على الحركة وكل من يستطيع».
وبعد ثماني سنوات تالية، فكر في ٢٠١٥ أن يُخضع نبوءاته التي تضمنتها «محاضرة باريس» للمراجعة تحت اختبار الزمن. غير أنه ضنّ علينا بتلك المراجعة.
*كاتب وصحافي مصري