يبدو أن الساحة العراقية ستكون مفتوحة في المرحلة المقبلة على وجوه متعددة من الحضور الأجنبي المتعاظم، تحت شعار «التدريب والمشورة وإعادة بناء» بلاد الرافدين. بعدما نفت الولايات المتحدة أنباءً تم تداولها عن شروعها في تخفيض عديد قواتها في العراق، جاء إعلان وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، يوم أمس، عزم بلاده، وشركائها في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، على «الذهاب لتنفيذ مهمة محكمة في العراق» ليضاعف المخاوف بشأن الوجود الأميركي والأطلسي في هذا البلد.


وجودٌ يظهر أن واشنطن تريد توسيع دائرته، نوعياً، من أجل تعزيز «شرعيته»، في ظل علامات الاستفهام المتزايدة حول مبررات بقاء الأميركيين وغيرهم في العراق، بعد هزم تنظيم «داعش».
ذلك ما أوحت به الضغوط المكثفة التي مارستها الولايات المتحدة، أخيراً، على الـ«ناتو»، بهدف دفعه إلى لعب دور أكبر في العراق، والتي تُوِّجت برسالة رسمية وجهها ماتيس، بهذا الخصوص، إلى الحلف، الشهر الماضي. وعلى الرغم من المخاوف التي تضمرها دول أوروبية، خصوصاً منها فرنسا وألمانيا، إزاء مهمة عسكرية مفتوحة من النوع المشار إليه، إلا أن دول «الأطلسي» أعلنت، أمس، رسمياً، موافقتها على الطلب الأميركي. وقال ماتيس، في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لوزراء دفاع الحلف في بروكسل، إن مهمة الـ«ناتو» ستكون تدريب العسكريين العراقيين على «حماية شعبهم من صعود نوع آخر من المنظمات الإرهابية»، فيما رأى الأمين العام لـ«الأطلسي»، ينس سوتلتنبرغ، أن «الدرس المستفاد من العراق هو أن الرحيل المبكر جداً ينطوي على خطورة، لأننا قد نضطر للعودة إلى العمليات القتالية».


تحت هذه اللافتة، ولافتة أخرى فحواها خطر عودة الأعمال الإرهابية إلى أوروبا، تنعقد، مطلع تموز/يوليو المقبل، قمة لدول «الأطلسي»، يشارك فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بهدف تحديد نطاق المهمة التي ستتولاها بعثة الحلف إلى العراق، والتي شدد مسؤولون دبلوماسيون من الـ«ناتو» على ضرورة أن تتعدّى حدود العاصمة بغداد «كي تكون أكثر فاعلية». كذلك يتعين على دول الحلف تحديد عدد أفراد البعثة التي رجّح المسؤولون الدبلوماسيون أن تتألف من عدة مئات، وكذلك الجهة التي ستتولى توفير الحماية للمدربين الذين «سيبقون بمنأى عن العمليات القتالية»، بحسب التطمينات الأميركية لحكومات الـ«ناتو».
ويأتي الإعلان عن توسيع مهمة «الأطلسي» في العراق، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة انتقادات متزايدة، على خلفية اعتزامها إبقاء قواتها في هذا البلد، إن لم يكن رفع عديدها، بعد انتهاء العمليات ضد «داعش».


أمين عام الحلف: تعلّمنا أنّ الرحيل المبكر جداً ينطوي على خطورة

وعلى الرغم من إقرار الاستخبارات الأميركية (في تقييمها الأخير للتهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي الأميركي، في تقرير قُدِّم مُختصراً أمام الكونغرس في جلسة علنية يوم الثلاثاء) بأن ثمة «خطراً جدياً ومتزايداً» متمثلاً في إمكانية «قيام مجموعات مسلحة بهجمات على أهداف أميركية في العراق، انطلاقاً من إيمانها بأن الوجود الأميركي لم يعد مطلوباً، وسعيها إلى تكريس السيادة العراقية»، تبدو الولايات المتحدة ماضية في الاحتفاظ بوجودها وتعزيزه وتوسيعه تحت عناوين تبدأ من إعادة الإعمار، وقد تنتهي ــ وها هنا ربما الأهم ــ عند «كبح جماح الميليشيات المدعومة من إيران، والتي تشكل تهديداً دائماً للقوات الأميركية»، وفق ما ورد في التقييم المذكور.
الأخطر ممّا تقدم، أنه على هامش الضجة التي يثيرها الوجود الأميركي العسكري الحكومي في بلاد الرافدين، يتم، شيئاً فشيئاً، الدفع بمزيد من المقاولين المدنيين إلى الأراضي العراقية، تحت شعار «تقديم الدعم للقوات الأميركية العاملة في العراق». وكان آخر إعلان عن عديد أولئك المقاولين أواسط الشهر الماضي، عندما أفادت القيادة المركزية الأميركية بارتفاع عددهم بنسبة 37% خلال عام واحد فقط، إذ كان عديدهم في شهر كانون الثاني/يناير 2017 يقارب 3600 فرد، ليصل في الشهر نفسه من عام 2018 إلى حوالى 4900 فرد. ويتّسق توسيع حجم «المقاولة المدنية» في العراق مع رؤية ترامب، الذي يعتقد بوجوب خفض النفقات الحكومية في هذا البلد، وإشراك القطاع الخاص في تحمل جزء منها.
رؤية يستنسخها ترامب كذلك في مجال إعادة الإعمار، ملقياً بهذا الحمل على حلفائه (خصوصاً منهم الخليجيين الذين تصدّروا لائحة المتبرعين للعراق، والذين يراهن ترامب على خشيتهم من النفوذ الإيراني للحصول على ما يبتغيه منهم) وعلى القطاع الخاص، بعدما قلّصت إدارته نفقات وزارة الخارجية، مُلغِية جزءاً كبيراً من المساعدات الأجنبية، ومضاعِفةً ميزانية وزارة الدفاع. هذه الاستراتيجية تجلت آثارها بوضوح في «مؤتمر الكويت لإعادة إعمار العراق» الذي انعقد خلال الأيام الماضية، حيث امتنعت الولايات المتحدة عن التعهد بأي مساعدة حكومية مباشرة، مكتفية بتقديم خط ائتماني بقيمة ثلاثة مليارات دولار. وهو ما انعكس ضآلة في حجم المساعدات التي حصلت عليها بغداد، والتي لم تتجاوز 30 مليار دولار، مقارنة بـ88 ملياراً تطلبها الحكومة العراقية. والجدير ذكره، هنا، أن المناطق التي تعرضت لأضرار بالغة تستلزم إنفاقاً كبيراً هي تلك التي شاركت طائرات «التحالف الدولي» في العمليات ضد تنظيم «داعش» فيها، كالرمادي مثلاً.
(الأخبار)