غزة، القاهرة ــ الأخبار

مرّ أسبوع على وجود وفد حركة «حماس»، برئاسة رئيس المكتب السياسي للحركة، إسماعيل هنية، في القاهرة، من دون أن يسمح له بجولة خارجية، ومن دون أن يلتحق أي من قيادات الخارج به، وخاصة موسى أبو مرزوق الذي أعادته القاهرة إلى الدوحة، بحجة أنه لم ينسق قبل وصوله، فيما قالت مصادر سياسية إن السبب هو لوم أبو مرزوق المصريين على ضغطهم الأحادي على «حماس» من دون «فتح» التي استقبل وفدها قبل ذلك بحفاوة رسمية كبيرة، ويضاف إلى ذلك تقييد حركة أعضاء الوفد الحمساوي واتصالاتهم.

هذا على صعيد الشكل، وهو مع ما له من دلالات ليس أهم من المضمون، إذ إن التركيبة الجديدة لجهاز «المخابرات العامة» بعد إزاحة «عرّاب المصالحة» خالد فوزي، وإحلال كل من عباس كامل قائماً بالأعمال (من «المخابرات الحربية») ومعه في الظل، محمود عبد الفتاح السيسي، يعني تغير المقاربة المصرية، وخاصة أن رجال «الحربية» أقرب إلى وجهة النظر الإسرائيلية، وهم أعداء لدودون لكل مشروع «الإخوان المسلمون». أكثر ما أظهر هذا التضارب هو قرار المخابرات استدعاء الوفد الحمساوي يوم الجمعة الماضي، في الوقت الذي أطلق فيه الجيش عمليته الواسعة في سيناء، وهو ما أحال، وفق مصادر في القاهرة، إلى خلاف كبير بين المخابرات الحربية والعامة، وقيادة الجيش الميداني الثالث التي اضطرت أصلاً إلى تأجيل العمليات ليوم ونصف يوم بسبب فتح معبر رفح مؤقتاً.


وضعت القاهرة
15 آذار تاريخاً لإتمام المصالحة قبل «الحملة» على عباس

أياً يكن، وصل الوفد بسلام، وبينما كان يعدّ أوراقه للحديث في جانبين: الوضع المتردي في غزة، والمصالحة، كان المصريون يعدّون أسئلة من نوع آخر، أوسع في المدى السياسي والجغرافي. قالت المصادر المقربة من الوفد إن المخابرات طرحت عدداً من التساؤلات حول علاقات «حماس» الخارجية، وتحديداً بـ«محور المقاومة»، والسؤال رسمياً عن نيتها المشاركة في حرب متعددة الجبهات ضد إسرائيل، وخاصة أن تعهداً شفهياً سابقاً أبدته «حماس» من باب المناورة تعارض مع إعلان ذراعها العسكرية، «كتائب القسام»، الاستنفار العام، بالتزامن مع إسقاط الدفاعات الجوية للجيش العربي السوري طائرة إسرائيلية مقاتلة. تقول المصادر إن «حماس» ردت على المخابرات المصرية بأنه لا يوجد اتفاق بينها وبين محور المقاومة على الدفاع المشترك أو الحرب المتعددة الجبهات، وأن الاستنفار كان مرده الخشية من «حماقة إسرائيلية جديدة ضد المقاومة، في ظل معطيات تدل على ذلك، وتحسباً للوضع الحدودي في ظل المناورة العسكرية التي كانت جارية».
أكثر من ذلك، يسعى المصريون بالضغط على «حماس» إلى الحصول على تعهد مكتوب بهدنة لمدة خمس سنوات في رزمة كاملة تشمل الاتفاق على صفقة تبادل للأسرى، بما يسهل على الأميركيين الذين رفضوا انفتاح فوزي على «حماس» إمرار رؤيتهم للمنطقة. ومن محاسن المصادفات إشارة المصريين إلى أن رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، لا يزال يعارض الصيغة التي يطرحها الأميركيون بشأن «صفقة القرن» وخاصة لجهة القدس، وأنهم يقدرون أنه بدءاً من 15 آذار المقبل ستقود واشنطن «حملة لمحاصرة عباس وقطع التمويل عن السلطة... ولذلك على حماس أن تسرع في إنجاز المصالحة قبل هذا التاريخ».
الشق الآخر الذي تريد القاهرة تحصيله من الحركة يتعلق بالوضع الأمني في سيناء، إذ طُلب «المزيد من التعاون وتشديد الحماية على الحدود وتضييق الخناق على العناصر الإرهابية»، وهو الأمر الذي أكدته «حماس»، مشيرة إلى أنها عززت حضورها الأمني وأن قواتها مستنفرة على مدار الساعة حتى انتهاء العمليات المصرية، كما طلب منها أن تستمر بالحفاظ على التهدئة القائمة مع إسرائيل.
بشأن المصالحة، كان لافتاً استمرار الإدارة الجديدة لـ«المخابرات العامة» في الطلب من «حماس» إبقاء ملف الأمن في غزة معها، وأن تسلم ما عداه لرام الله، وهو ما قابلته القاهرة بوعد باستيعاب موظفي الحركة المدنيين (عددهم 20 ألفاً، فيما يوجد 20 ألف عسكري)، الأمر الذي أصلاً وافقت عليه السلطة أخيراً. لكن المخابرات قرنت ذلك بتسليم «حماس» الجباية المالية الداخلية في غزة لحكومة «الوفاق الوطني»، الأمر الذي وافقت عليه الحركة في المبدأ، مشترطة تنفيذه بتقديم ضمانات مصرية في قضية دمج الموظفين ودفع سلف مالية لهم.
أما في قضية اللقاء بين وفد «حماس» وتيار القيادي المفصول من «فتح» محمد دحلان، فأكدت المصادر نفسها أن اللقاء جاء بطلب مصري وانحصر في «تقديم تسهيلات إضافية لعمل التيار وجمعياته ومكاتبه في غزة»، على أن يتبع ذلك بزيارة وفد مصري للقطاع.
رغم كل هذا «التنازل» الحمساوي، رفضت السلطات المصرية طلب الحركة السماح لها بالذهاب في جولة خارجية إلى عدد من الدول من دون إبداء الأسباب، لكنها تلقت وعداً بأن تساهم مصر مباشرة في تحسين الأوضاع المعيشية في غزة عبر تسهيل دخول البضائع وتفعيل عمل شركات مصرية هناك، وأن يتبع ذلك بعودة العمل الطبيعي على معبر رفح مع انتهاء العمليات العسكرية في سيناء في بداية أيار المقبل، لكن «وفق القواعد المعمول بها».
يشار إلى أن مجلس الأمن كان قد ناقش أول من أمس، في جلسة دعت إليها بوليفيا والكويت، تدهور الأوضاع الإنسانية في غزة، وذلك عقب تحذيرات الأمم المتحدة من احتمال انهيار الخدمات الإنسانية وحدوث كارثة إنسانية في غزة بسبب أزمة الطاقة، وخاصة أن محطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع أعلنت أمس توقفها عن العمل كلياً بسبب نقص الوقود اللازم لتشغيلها.
من جهة أخرى، قالت «حماس» في بيان أمس، إنها «ترفض جملة وتفصيلاً إقرار مجلس النواب الأميركي مشروع قانون يفرض عقوبات على الحركة بدعوى استخدامها المدنيين دروعاً بشرية»، مضيفة أن هذا القرار «يستهدف حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه... واستكمالاً لخطة ترامب التصفوية للقضية». وبجانب العقوبات، يحث القرار الرئيس دونالد ترامب على توجيه البعثة الأميركية في الأمم المتحدة للعمل على «اتخاذ مشروع قرار أممي من أجل فرض عقوبات دولية على حماس»، لكن يحتاج تشريع القانون إلى إقرار مجلس الشيوخ وتوقيع ترامب من أجل أن يصبح قانوناً.