الجزائر | تتفق معظم أطياف المعارضة في الجزائر، بحساسياتها المختلفة، على ضرورة الانتقال نحو الجمهورية الثانية التي تعني التأسيس لدولة «تمتلك مؤسسات شرعية، تُصان فيها المبادئ الديموقراطية». إلا أنّ الاختلاف يكمن في كيفية الوصول إلى هذه الغاية التي تبقى مجرد حلم، طالما أن السلطة ترفض أي اعتراف بوجود أزمة سياسية تستدعي مثل هذا الانتقال.


تبرز فكرة الدعوة إلى انتخاب «مجلس تأسيسي» كأحد أهم الحلول التي تقترحها أحزاب سياسية، من أجل «بناء مؤسسات للدولة، تستمدّ شرعية شعبية حقيقية»، وتقوم على أساس دستور توافقي يشارك ممثلو الشعب بكل أطيافه في صياغته، وذلك للتخلص نهائياً مما تقول هذه الأحزاب إنّها «هيمنة نظام غير ديموقراطي يتخذ من التزوير في الانتخابات وسيلة لاستمرار وجوده»، وفق ما يُسمى في الجزائر اصطلاحاً «ديموقراطية الواجهة». ويؤمن كثير من أحزاب المعارضة بأنّ الجزائر لا تزال تخضع لنظام الحزب الواحد الذي استمرّ من الاستقلال (تموز/ جويلية 1962) إلى غاية 1989، ولكن بشكل مختلف فقط.
وتتكرر فكرة «المجلس التأسيسي» في كل مرّة تكون فيها الجزائر في مواجهة ظرف سياسي خاص. فقد طرحت في فترة التسعينيات بعد توقيف المسار الانتخابي عام 1992، إثر فوز «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» بمعظم مقاعد البرلمان في الدور الأول من الانتخابات، وعادت لتظهر أيضاً مع مشروع التعديل الدستوري الذي أقرّه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، عام 2012. وهي اليوم تعود من جديد، بسبب الوضع السياسي الذي يصفه بعض السياسيين بالمأزوم على خلفية غياب الرئيس بوتفليقة عن المشهد، وأيضاً نتيجة الوضع الاجتماعي المضطرب الذي فرضته الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد.
وعلى الرغم من أنّ هذه الفكرة تبدو مستبعدة تماماً من ذهن السلطة، فإنّ أحزاب المعارضة لا تيأس من طرحها في كل مناسبة. وفي هذا السياق، وجه «حزب العمّال» المحسوب على التيار اليساري في الجزائر، دعوة إلى الرئيس بوتفليقة، من أجل تنظيم انتخابات «لتشكيل مجلس تأسيسي، يُنظّم عملية إنقاذ البلاد». وطرح هذا الحزب الذي تقوده المرشحة الرئاسية السابقة، لويزة حنون، فكرته على شكل مبادرة سياسية تقوم على جمع التوقيعات من المواطنين لمصلحة عريضة تحوي العديد من المطالب.
وترمي المبادرة، وفق أصحابها، إلى «استدعاء انتخابات لمجلس وطني تأسيسي يتمّ بموجبه إرساء قواعد تجديد سياسي مؤسساتي حقيقي قادر على إنقاذ الدولة وتحصين بلدنا». وقالت إنّه ينبغي أن «تُعطى الكلمة للشعب لكي يقوم بنفسه بتحديد شكل ومضمون المؤسسات التي يحتاج إليها لممارسة سيادته الكاملة، وهي مؤسسات تكون ذات صدقية فعلياً قادرة على إعداد سياسات مطابقة للديموقراطية بمحتواها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي».
وسيكون لهذا المجلس التأسيسي الذي دعت إليه مبادرة «حزب العمال»، 11 مطلباً تتنوع بين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية، لعلّ من أهمها إخراج البلاد من الانكماش الاقتصادي عن طريق وقف العمل بسياسة التقشف التي تسحق أغلبية الشعب، وإقرار السُّلم المتحرك للأجور والمعاشات لتتماشى مع كلفة العيش، وإنقاذ المستشفيات والجامعات من التحطم، وإنقاذ الشباب الذين يدفعهم اليأس نحو الهجرة غير الشرعية. بالإضافة إلى «تحرير العدالة» بغية وضع حد لافتراس الأموال والممتلكات العامة، ومحاربة الفساد فعلياً، وتطهير القطاع الاقتصادي من المافيا وحماية الملكية الجماعية للأمة بمنع كل أشكال الخصخصة، وإقرار ضريبة على الثروة، ورفع كل القيود على الحريات، وتحرير الإعلام من كل أشكال التحرش.


الموالاة غير مبالية بهذه الدعوات
وتعتقد بأن لا أزمة سياسية في البلاد


وينطلق «حزب العمّال» في معظم الدعوات المذكورة من افتراض وجود «شرخ» بين الرئيس وبين الحكومة التي عيّنها، إذ يتصرف بعض الوزراء في اعتقاده انطلاقاً من حساباتهم الخاصة وبعيداً عن توجيهات الرئيس. ويقول رمضان تعزيبت، وهو نائب عن هذا الحزب، في تصريح إلى «الأخبار»، إنّ مبادرة حزبه هدفها التعبئة حول مسائل سياسية اجتماعية واقتصادية مهمة وحساسة لمستقبل البلاد، يمكنها أن تقود الجزائر إلى «عهد الجمهورية الثانية». ويشير إلى أنّ التوجه إلى الرئيس يأتي اعتباراً من كونه صاحب السلطة والصلاحيات الدستورية في الدعوة إلى مجلس تأسيسي، ولأنّه أظهر في الآونة الأخيرة تجاوُباً مع مطالب شعبية وثقافية مهمة للجزائريين، على غرار ترقية اللغة الأمازيغية وإقرار الاحتفال برأس السنة الأمازيغية كيوم وطني، إلى جانب أنّ الرئيس تدخّل أيضاً لوقف عمليات خصخصة، هي في أصلها نهب للمؤسسات العامة، كان الوزير الأول (رئيس الحكومة) أحمد أويحيى بصدد إتمامها. وهذا ما يُبيِّن، وفقاً له، «وجود تناقضات حقيقية بين إرادة الرئيس وبين قرارات الحكومة».
غير أن فرضية وجود هكذا تناقضات أو خلاف، ليست محلّ إجماع بين أحزاب المعارضة المؤمنة بضرورة انتخاب مجلس تأسيسي. ويعتبر «حزب جبهة القوى الاشتراكية»، وهو أحد أقدم الداعين في الساحة إلى هذا المشروع، أنّ النظام السياسي، سواء بالرئيس أو بحكومته، أو ببقية المؤسسات، «كتلة واحدة تسير على نسق غير ديموقراطي»، وتحتاج إلى «بناء شرعيتها من جديد عبر إعادة الكلمة للشعب». ويتحدث الحزب الذي أسسه الزعيم التاريخي الراحل حسين آيت آحمد، في نصوصه السياسية المنبثقة عن مجالسه الوطنية المنعقدة في الفترة الأخيرة، عن أنّه حريص على مواصلة العمل من أجل تحقيق أوسع توافق وطني ممكن من أجل تجسيد جمهورية ثانية تقوم على دولة القانون والسيادة الوطنية والشعبية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية، ويدعو إلى الالتفاف حول مشروعه السياسي الداعي إلى تحقيق «الإجماع الوطني» حول هذه المسائل.
وفي موقف أكثر وضوحاً، يرى «حزب جيل جديد» أنّ بداية تأسيس الجمهورية الثانية يتكون بتفعيل المادة الدستورية الخاصة «بعزل الرئيس بوتفليقة نظراً إلى عدم قدرته على القيام بمهماته الدستورية بسبب أوضاعه الصحية». ويقول الحزب الذي يقوده المعارض جيلالي سفيان، إنّ «رحيل السيد بوتفليقة سيكون بداية الحل»، ويُقدِّم تصوّره لمرحلة ما بعد بوتفليقة، بالقول إنّ الرئيس الجديد يجب عليه إطلاق مسار تأسيسي، يأخذ شكل حوار واسع مع الطبقة السياسية والمجتمع المدني (أي ليس عبر انتخاب مجلس تأسيسي)، ويُتوّج ذلك في ما بعد بتأسيس ندوة وطنية لمدة 6 أشهر إلى 12 شهراً، يكون هدفها صياغة دستور توافقي جديد، ويُستدعى الشعبُ بعد ذلك إلى المصادقة عليه عبر استفتاء، فيعطي بذلك الأسس الأولى لجمهورية ثانية. ويرافع هذا الحزب من أجل أن يحمل هذا المشروع مرشحاً واحداً للمعارضة في الانتخابات الرئاسية.
من جهة أخرى، تبدو أحزاب الموالاة غير مبالية بهذه الدعوات، لأنها تعتقد أنّ الجزائر لا تعيش أي أزمة سياسية: المواعيد الانتخابية تجرى في وقتها، والمؤسسات المنتخبة تقوم بعملها وتمارس صلاحياتها الدستورية على أكمل وجه. ويذهب الأمين العام لـ«جبهة التحرير الوطني» جمال ولد عباس، إلى أنّ الجزائر تعيش فعلاً عهد الجمهورية الثانية بفعل التعديل الدستوري الواسع الذي تمّ اعتماده في شباط/ فيفري 2016. وفي هذا ما يُظهر حجم الفارق الشاسع في النظرة إلى الأوضاع في الجزائر المُقبِلة على انتخابات رئاسية ربيع العام المقبل.




«تابو المجلس التأسيسي»

تعتبر لويزة آيت حمادوش، وهي أستاذة العلوم السياسية في «جامعة الجزائر»، أنّ النظام الحاكم يرفض التعاطي مع فكرة انتخاب مجلس تأسيسي، لأنّها تمثل بالنسبة إليه أحد «التابوهات» لعدة اعتبارات تاريخية وسياسية. وتوضح أنّ فكرة المجلس التأسيسي ارتبطت بمرحلة التحضير للاستقلال الوطني من المستعمر الفرنسي، إذ كانت تحكمُ الجزائر وقتها حكومة مؤقتة جرى الانقلاب عليها في ما يُعرف بأزمة صيف عام 1962، من طرف جيش الحدود الذي كان يقوده الهواري بومدين، وهو ما انتهى إلى إرساء نظام الحزب الواحد.
وتشرح أنّ الدعوة إلى المجلس التأسيسي بعد ذلك الانقلاب، مثّلت الطرح الذي يُناضِل من أجله «حزب جبهة القوى الاشتراكية» الذي أسسه الزعيم التاريخي حسين آيت أحمد (الصورة)، المنشق عن «حزب جبهة التحرير الوطني»، بسبب رفضه فكرة الحزب الواحد، وانتهى الخلاف بين الحزبين إلى تمرد مسلّح لـ«جبهة القوى الاشتراكية» عام 1963. ووفق آيت حمادوش، فهذا من بين الخلفيات التي ساهمت في شيطنة فكرة المجلس التأسيسي وفي جعلها مرفوضة تماماً بالنسبة إلى النظام السياسي.
من جانب آخر، تشير أستاذة العلوم السياسية إلى أنّ ردّ فعل النظام السياسي السلبي بخصوص المجلس التأسيسي والذهاب إلى الجمهورية الثانية، يكمن في أن هذا المشروع يُنظر إليه على أنه «إعادة نظر كلية في الدولة الجزائرية بحد ذاتها، وليس فقط وسيلة لإصلاح ما هو موجود في الساحة السياسية». وبغض النظر عن التعاطي السلبي للنظام السياسي مع هذا المشروع، تذكُرُ آيت حمادوش أنّ مشروع «التأسيسي» في حد ذاته، يتطلب عدّة شروط يجب أن تتوافر أولاً قبل الحديث عنه، وذلك كي يُمثِّل حلاً سياسياً. ومن باب المقارنة، تضرب أستاذة العلوم السياسية، مثالاً عن التجربة التونسية التي قالت إنها نجحت لأن المجلس التأسيسي (2011 ــ 2014) قام على أساس انتخابات نزيهة كانت تمثيلية أولاً، ثم أدى مهمته في إعداد دستور للبلاد، لأنّ القوى السياسية التي انتُخبت فيه كان لها النضج الكافي للتفاوض والتوافق.