رام الله ــ الأخبار

مفارقة جديدة تسجلها الأحداث المتسارعة في الضفة المحتلة، إذ تستعد عائلة الشهيد مهند الحلبي، الذي نفذ أولى عمليات «انتفاضة القدس» الجارية، للخروج من منزلها الثاني الذي اشترته بعدما هدم العدو الإسرائيلي بيتها الأساسي عقاباً لها، وذلك بعد قرار محكمة الصلح الفلسطينية في رام الله حجز المنزل لعدم سداد ثمنه كاملاً، إذ جاء القرار بناءً على قضية شكوى تقدم بها أصحاب المنزل.

وفي بداية كانون الثاني 2016، هدمت آليات العدو منزل عائلة الحلبي المُكوَّن من طابقين بعد اقتحامها ضاحية الريحان شمال رام الله في منتصف الليل، فيما انطلقت في اليوم التالي حملة شعبية واسعة لإعادة بناء منزلٍ للعائلة كان إقبال المواطنين على دعمها جيداً ومن مختلف الفئات الاجتماعية.
تقول مصادر محلية لـ«الأخبار» إن العدو منع عائلة الشهيد من إعادة بناء منزلها مكان البيت المهدوم بعد أن صَرفت الحملة الشعبية مبلغاً لتكاليف الإسمنت ومبالغ إضافية أخرى، فقرّرت العائلة شراء منزلٍ لها في المنطقة نفسها. وفعلاً تمكنت بمساعدة الحملة من شراء المنزل الجديد، وقد بقي من ثمنه 30 ألف دينار أردني (42 ألف دولار تقريباً) أكدت العائلة أن جهات كثيرة «دقّت على صدرها» واعدة بدفعها، لكن هذا ما لم يحدث حتى الآن.
«الحملة الشعبية» اعتبرت أنها أنهت ما عليها من التزامات، وذلك عندما خيّرت عائلة الشهيد بين البناء أو الشراء، فيما قررت العائلة الشراء، وبذلك وضعت الحملة كل ما جمعته لشراء المنزل الجديد. أما العائلة، فوجدت نفسها تسدد التكاليف الباقية من مالها الخاص بعد أن سكنت بالإيجار بـ400$ شهرياً، فيما كان أثاث المنزل القديم موزعاً في منازل الجيران.
بعد عامين فوجئ الوالد الحلبي بمكالمةٍ هاتفية من أصحاب المنزل الجديد يتذمرون من تأخرهم عن دفع المبلغ الباقي من المبلغ الكامل 126 ألف دينار، وأبلغوه بتحويل المسألة مباشرة إلى القضاء الفلسطيني، فيما أخفقت كل محاولات عائلة الشهيد لإقناعهم بتسديد 8000 دينار ونصف كدفعة مستعجلة، على أن يسدد باقي المبلغ لاحقاً، إذ أصرّ أصحاب المنزل على قبض الباقي كاملاً.
وعقب نحو شهرين فقط من شكوى أصحاب المنزل لمحكمة الصلح، أقرت الأخيرة حجز المنزل دون منح أي مهلة للعائلة، إلى جانب عرضه في المزاد العلني، وقد يصل الأمر إلى محاكمة والد الشهيد مهند بالسجن. وبمراجعة عدد من المعنيين، قالوا إن مشكلة عائلة الحلبي تعود إلى عوامل أبرزها غلاء أسعار الشقق السكنية والعقارات في رام الله والبيرة عامة، إضافة إلى غياب الرؤية لدى الحملات الشعبية لإعادة بناء المنازل، لأنها «خطوات ارتجالية» تحاول سدّ غياب الدور الرسمي للسلطة والفصائل، وكذلك بقية المؤسسات الأهلية والخيرية والمجتمعية.


الحملات الشعبية لإعادة الإعمار بقيت قليلة في ظل غياب السلطة عن المساهمات



المصير المجهول حتى اللحظة لبيت عائلة الحلبي يفتح ملف هدم قوات العدو منازل الشهداء والأسرى من منفذي العمليات، ويضم هذا الملف مسائل مختلفة، منها: الضرورة الملحّة لوجود استراتيجية واضحة لإعادة بناء منازل منفذي العمليات، سواء أكانوا أسرى أم شهداء، والابتعاد عن الحملات الشعبية التي رغم أنها تعكس قيماً سامية وتكافلاً اجتماعياً مميزاً وإيجابيات كبيرة، فإنها تورط نفسها في تعويض منازل بمبالغ ليست قادرة عليها، كذلك تعفي السلطة من الضغط عليها لإنجاز واجبها. وينبغي للمساعدين أن يأخذوا بحسبانهم الاحتياطات كافة من الحوادث الطارئة، كفحص الوضع القانوني لأرض المنزل المهدوم للبناء على أنقاضه قبل البدء بأي خطوة حتى لا يعيد العدو تدميره.
أما السلطة و«منظمة التحرير»، فلم يصدف أن دفعا بصورة كاملة لإعادة إعمار هذه البيوت، وإنما قد تكون قدمت مساعدات عبر المحافظين أو حركة «فتح» ومكاتب المنظمة في بعض الأحيان. وتشرح المصادر المحلية أن «حملات إعادة بناء المنازل أصلاً كانت قليلة، وفي مناطق محدودة دون غيرها»، علماً أن الذين قاموا عليها معظمهم من اليساريين الفلسطينيين أو «فتح» أو يتمتعون بعلاقات جيدة مع السلطة، لأن المال وأوجه صرفه بالنسبة إلى الأخيرة «خط أحمر» ويخضع للرقابة المشددة من سلطة النقد وأجهزة الأمن، وهو ما يصعّب على «حماس» أو «الجهاد الإسلامي» المساهمة بصورة فعالة في بناء المنازل.
من الجدير ذكره أن مهند الحلبي (19 عاماً) من بلدة سردا شمال رام الله، وكان يدرس القانون في جامعة القدس في أبو ديس، هو منفذ أول عملية في الهبة الشعبية الأخيرة التي انطلقت عام 2015، بعد مدة قصيرة على استشهاد صديقه ضياء تلاحمة. وقد أدت تلك العملية التي نفذها في القدس إلى مقتل مستوطنين اثنين وإصابة آخرين بعد طعنهم وخطف سلاح أحدهم.