الخرطوم | شهدت الخرطوم حالةً من الانفراج السياسي بعدما أعلنت السلطات السودانية مساء أول من أمس، الإفراج عن «جميع المعتقلين السياسيين» في البلاد، في خطوة تَبيّن في وقت لاحق أنّها «ناقصة» لعدم إطلاق سراح الجميع، إضافة إلى التشكيك في جدية الحكومة وصدق نياتها في «الإصلاح والتغيير الحقيقي». ولعلّ اللافت في هذا القرار، أنّه الأول الذي يتخذه المدير العام العائد إلى رئاسة جهاز الأمن والمخابرات صلاح قوش، بعد نحو ثماني سنوات من إزاحته من قبل الرئيس عمر البشير.


مساعد الرئيس السوداني عبد الرحمن الصادق المهدي (في منصبه منذ عام 2011)، توجّه إلى الحشد الذي جاء لاستقبال المفرج عنهم، قائلاً إنّه وفقاً لـ«توجيهات صادقة من الرئيس عمر البشير، تقرر إطلاق سراح جميع المعتقلين والطلاب والسيدات فوراً»، مضيفاً أنّ «الإجراءات مستمرة لإطلاق سراح الجميع... والعمل (مستمر أيضاً) على إزالة الأسباب التي تؤدي إلى الاعتقالات والاحتجاجات». ورأى ابن رئيس الوزراء الأسبق وزعيم «حزب الأمة القومي» الصادق المهدي، أنّ الهدف هو «إزالة الاستقطاب السياسي»، علماً بأنّ ابناً آخر للمهدي كان من بين المعتقلين المُفرج عنهم.

انقسام بين المتابعين

قرار الرئيس السوداني جاء بعد حالة من الاحتقان السياسي داخل البلاد، على إثر تظاهرات خرجت ضد غلاء الأسعار وتردي الأوضاع الاقتصادية. إلا أنّ المتابعين انقسموا بشأنه، إذ منهم من رأى فيه «خطوة جديدة على طريق التغيير والإصلاح»، بينما أدرجه آخرون ضمن خانة «التكتيك لإنهاء الأزمة، وبالتالي هي لا تُمثِّل رؤية استراتيجية لدى النظام الحاكم».
كمال عمر، وهو القيادي البارز في «حزب المؤتمر الشعبي» المعارض (حزب الزعيم الراحل حسن الترابي) يصف القرار بـ«الخطوة المسرحية، وهي بايخة الإخراج». وفي حديث إلى «الأخبار»، يشير إلى أنّ «صلاح قوش يريد القول إنّ عهدي عهد حريات، وإنّ النظام يريد تحسين صورته، ذلك أنّ هناك ضغوطاً خارجية أثّرت في هذا القرار». وبرغم قوله إنّ «الخطوة في حدّ ذاتها جيدة»، فإنّه يضيف: «لا أتوقع سيرة طيبة لهذا النظام في ما يتعلق بالحريات، فحتى إنّ شِق الحريات معطلٌ في الحوار الوطني... ولا أتوقع خطوة في طريق تعديل القوانين وتعديل العقلية الحاكمة»، إذ «يُمكن أن يطلقوا سراح البقية الباقية من المعتقلين، ولكن هذا لا يُغيّر من ذهنية النظام الأمنية». ويختتم قائلاً: «نحن في المعارضة نثمِّن الخطوة، ولكن نعتبرها منقوصة لأنّ القوانين موجودة (في إشارة إلى القوانين المُقيّدة للحريات)، والعقلية الأمنية موجودة، وهناك معتقلون آخرون، فيما لا تزال الصحف عرضة للمصادرة».


سبق أن اُطلق معتقلون بنفس المهرجانات، ولذلك
لا بد من الانتظار


من جهة أخرى، يرى ضياء الدين بلال، وهو رئيس تحرير «صحيفة السوداني» القريبة من النظام والحزب الحاكم (حزب المؤتمر الوطني)، أنّ «الخطوة إيجابية»، لافتاً في سياق حديث إلى «الأخبار»، إلى أنّ «من المفترض أن تُتبع بخطوات إضافية، فتكتمل عملية إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين... وهذا أمر لا بدّ منه». وبينما يتمنى بلال أن «تُمهِّد هذه الخطوة لحوار ولتواصل بين القوى السياسية للاتفاق على المشتركات»، فإنّه يُذكِّر بأنّ البلاد «على مقربة من الانتخابات (في 2020)، ولا بدّ أن يكون هناك حد ما من الاتفاق بشأن شروط والتزامات مشتركة للممارسة السياسية».
وفي موقف قد يُعبّر بصورة أوضح عن وجهة نظر السلطات، يصف نائب رئيس لجنة الإعلام في البرلمان، الطاهر عبود، الخطوة بـ«المباركة»، مضيفاً في حديث إلى «الأخبار» أنّها بداية «تصحيح لمسار قادم في البلاد، وهي عربون قدمته الحكومة للأحزاب السياسية يُفيد بأنّها ترغب في التواصل معها».
جدير بالذكر أنّه بعدما أعلنت السلطات السودانية إطلاق سراح «جميع المعتقلين السياسيين»، فوجئ الداخل السوداني بعدم صحة ذلك. وقد نُشِرَت قوائم لـ45 شخصاً على وسائل التواصل الاجتماعي، تردّد أنّهم لا يزالون «داخل المعتقلات»، فيما اعتصم العشرات من أسر المعتقلين الذين لم يُطلَق سراحهم ضمن قائمة الثمانين معتقلاً التي أفرجت عنهم الحكومة، رافضين مغادرة ساحة «سجن كوبر الاتحادي»، تعبيراً عن استيائهم، ورددوا شعارات تنادي بإطلاق سراحهم وتطالب حتى بـ«رحيل النظام».
وبينما كانت السلطات تتحفظ حتى مساء أمس، على سكرتير «الحزب الشيوعي» محمد مختار الخطيب، والقياديين محيي الدين الجلاد، وأمجد فريد، إضافة إلى رئيس «حزب المؤتمر الشعبي» عمر الدقير، وقيادات أخرى، لا بدّ من التذكير بأنّه إثر إعادة قوش إلى منصبه من قبل البشير يوم الاثنين الماضي، أشارت «الأخبار» إلى أنّ ثمة تقديرات تقول إنّ أحد أهداف قوش تكمن في «حلحلة الحركة الإسلامية وتذويبها في حزب المؤتمر الوطني الحاكم»، وهو أمر قد تتطلبه راهناً العلاقات الإقليمية للخرطوم، وقد يندرج ضمن المطالب الأميركية الحالية أيضاً. إلى جانب ذلك، كان الرجل يدعو إلى الانفتاح في المرحلة الماضية، ويُقال إنّه «استأذن البشير في هذا القرار، بهدف إطلاق مرحلة جديدة تقلل من الاحتقان السياسي بالبلاد».

ماذا بعد؟

برغم التباعد النسبي بين مجمل التصريحات، فإنّها في أقل تقدير، تُجمع على «إيجابية الخطوة» لمصلحة المشهد السياسي الذي تعرفه البلاد منذ مدة. ولكن من جهة أخرى، يبقى السؤال الملحّ متمثلاً في محاولة معرفة ما إذا كانت هذه الخطوة تُمثِّل تكتيكاً يبحث النظام من خلاله عن نهاية للأزمة، وبالتالي تأتي كمقدمة لعملية تخدير جديدة بهدف امتصاص السخط الشعبي؟ أو أنّها تعكس رؤية استراتيجية حقيقية يريد النظام أن ينطلق منها نحو مرحلة جديدة في تحوّل جديد؟

حتى مساء أمس كانت السلطات تتحفظ على سكرتير «الحزب الشيوعي»


الجواب بالنفي، يبدو قاطعاً لدى الصحافية والناشطة أمل هباني، التي دخلت المعتقل وهي تهتف ضد النظام، فيما خرجت بنفس الهتافات أيضاً برغم طول اعتقالها ومرضها. وترى أمل أنّ «الخطوة لا تُمثِّل أي جديد، وهي لا تشير إلى أي نهج جديد». وتؤكد في حديثها إلى «الأخبار»، أنّ الاعتقال حدث من دون أي سند قانوني أو دستوري، وقد استمر لفترة طويلة بما لا يُناسب حدث المسيرات السلمية غير المهددة للأمن القومي. وتذهب أبعد من ذلك، لتقول إنّ النظام وصل إلى «مرحلة الانهيار والتخبط»، وبالتالي إنّ إطلاق سراح معتقلين لا يعكس «إيماناً وقناعة برؤية جديدة».
الموقف الذي يبدو راديكالياً لدى الصحافية والناشطة، يُقالبه موقف أكثر هدوءاً لعثمان ميرغني، وهو رئيس تحرير «صحيفة التيار» المعارضة، إذ إنّه يرى أنّ الخطوة «متقدمة... وبمثابة فك ارتباك المشهد السياسي السوداني وإزالة الانسداد الكبير الذي يعاني منه»، موضحاً في الوقت نفسه بخصوص بقية المعتقلين: «فهمنا من السلطات (أول من أمس) أنّه يُتوقع أن يخرجوا اليوم وربما غداً». وبرغم تأكيد ميرغني أنه لا بد أن تُعزز بخطوات تعكس «سياقاً استراتيجياً مستمراً يُخاطب مستقبل السودان، أكثر من كونه سياقاً تكتيكياً يخاطب الأزمة الحالية»، فإنّه يستدرك قائلاً: «لا تزال هذه الخطوة يتيمة، تكررت عدة مرات من قبل... وسبق أن اُطلق معتقلون بنفس المهرجانات، ولذلك لا بد الآن من أن تكون ثمة رسالة واضحة من الحكومة، تفيد بأنها قررت السماح بحرية العمل السياسي وتنظيم المسيرات السلمية، ما دام ذلك لا يؤثر في الأمن القومي». ويختتم قائلاً: «نحن في انتظار هذه الخطوة الأخرى».




أين الصادق المهدي؟

يشير نائب رئيس «حزب الأمة القومي» صديق إسماعيل، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أنّ أشخاصاً «كثيرين في حزبنا اعتُقلوا خلال التظاهرات الأخيرة (4 منهم لا يزالون داخل المعتقل)، عقب إعلان ميزانية 2018 التي نتج منها غلاء الأسعار بصورة غير مسبوقة، في وقت تستشري فيه حالة من الفساد لم يشهد لها السودان مثيلاً»، لافتاً إلى أنّ الخطوة قد تُمثِّل «ربما، مرحلة من مراحل إصلاح الشأن الوطني، وقد تكون إعادة لترتيب أمور النظام».
وبرغم الأزمات التي يُعاني منها «حزب الأمة القومي» بقيادة الصادق المهدي، نتيجة الانقسامات الكثيرة التي حدثت في صفوفه، تبقى الأنظار شاخصة إليه، إذ إنّه يُمسك بمفاتيح حلول سياسية قد يستفيد منها النظام لو أراد، وهو برغم أي ظرف لا يزال يستحوذ على قاعدة شعبية تُعَدّ الأكبر في السودان بعد الحزب الحاكم.
إلا أنّ إسماعيل يرى أنّ «المجموعة المسيطرة على البلاد، فشلت فشلاً ذريعاً في التجاوب مع تطلعات الشعب ورغباته، كذلك فإنّها أساءت إلى سمعة السودان الإقليمية والإفريقية والدولية». ويضيف أنّه «مثلما فاجأ النظام الناس بمدير جديد لجهاز الأمن، فقد فاجأهم أيضاً بإطلاق سراح المعتقلين»، خاتماً: «إذا أراد النظام أن يجعلها خطوة على طريق التجاوب مع الإرادة الشعبية، فهذا أمر سيجد منا جميعاً التجاوب، أما إذا كانت مجرد خطوة واستمرّ في تعنته، فلن نتوقف وسنواصل احتجاجاتنا».
جدير بالذكر أنّ «حزب الأمة» ينقسم بين أكثر من فرع، يبقى أساسهم «حزب الأمة القومي» بقيادة الصادق المهدي. وفي ما يخصّ منصب ابنه عبد الرحمن، كمساعد للبشير، فلا بدّ من التوضيح أنّه لواء في الجيش، وحين يُسأل الصادق المهدي عن ذلك، يجيب: «ابني آه، بس سياسياً هو حرّ في اختياراته»، علماً بأنّ تفسيرات أخرى تقول إنّ «عين البشير لا تزيح عن التوازنات برغم كلام الصادق المهدي».