الجزائر | يبدو أن موعد رئاسيات 2019 وما يحوم حولها من غموض وترقّب، قسّم الأحزاب المعارضة الجزائرية مرة أخرى. فبعدما تعالت أصوات تحثُّ المعارضة على التخندق وراء رجل واحد، وهو مُقترح حزب «جيل جديد»، وبعد انتشار أصوات على وسائل التواصل الاجتماعي تُطالب الحقوقي مصطفى بوشاشي بالترشح، تتجه أحزاب وشخصيات أخرى على رأسها منافس الرئيس عبد العزيز بوتفليقة «التقليدي»، علي بن فليس، بالإضافة إلى «حركة مجتمع السلم» الإخوانية، وبدرجة أقل «التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية» العلماني، إلى تجنب رهن نقاشاتهم حالياً بأجندة الانتاخبات المقبلة.


بن فليس، وهو رئيس حزب «طلائع الحريات»، رفض في مؤتمر عقده داخل مقر حزبه صباح أمس في العاصمة، الإجابة بوضوح عن سؤال بشأن ترشحه، وهو الملدوغ من ذات الاستحقاق مرتين. وألحّ على «وجوب ترتيب الأولويات، (لأن) هناك مشكلات سياسية واجتماعية واقتصادية تنتظر حلولاً عملية»، مضيفاً أن «الجزائر تعيش حالياً حالة غليان اجتماعي في قطاعات عدة، تستدعي كل اهتمامنا». وأضاف رئيس الحكومة الأسبق: «من السابق لأوانه الحديث عن مرشح إجماع للمعارضة أو موضوع الرئاسيات أصلاً، الذي يغذي حالياً حرب تموقع في أعلى هرم السلطة».
هذا الموقف «لا يُعتدُّ به»، كما يرى الأستاذ الجامعي والمُحلل السياسي عبد العالي رزاقي، الذي قال إن إحتمال ترشح بن فليس أكبر بكثير مما يُفهم من كلامه، مبرراً ذلك بأننا «لا نملك في الجزائر شخصيات تكتفي بترشح واحد.


يرى سياسيون كثر أنَّ من المبكر الحديث عن الانتخابات المقبلة الآن
لو كنّا في ممارسة سياسية عادية، فالشخصيات التي تُهزم أكثر من مرة تنسحب وتترك مكانها، لكن العكس هو الجاري عندنا، ومن المُرجح أن يترشح بن فليس».
لكن يبقى القرار بيد بن فليس الذي يعتبر شخصيةً مهمة في البلاد لكونه أحد السياسيين الذين عاشوا في قلب السلطة لعشريات كاملة قبل أن يحوله طموحه الرئاسي إلى أكبر خصم لبوتفليقة، وإلى أكبر «أرنب» رئاسي خَدم الرئيس الحالي، حين ساهم في خلق تنافس «مزعوم» في رئاسيات محسومة سلفاً (رئاسيات 2004 و2014).
الموقف الرافض للخوض في الرئاسيات الآن تتبناه «مجتمع السلم»، التي كتب رئيسها عبد الرزاق مقري، أنه «في الوقت الذي يهتم فيه العديد في الساحة السياسية بالانتخابات الرئاسية ومن يكون رئيس الجمهورية المقبل، يتجه اهتمامنا في حركة مجتمع السلم إلى هذه الآفاق الخطيرة (الأزمة الاقتصادية)». وأضاف مقري: «بدل أن نهتم بمن يكون رئيساً ومن نصارع، ومن نحالف، وكيف ننافس، ومن ننافس، يتركز اهتمامنا في البحث عن سبل إنقاذ البلد وفتح الآفاق المستقبلية الواعدة».
هذا الرد تبناه المحلل عبد العالي رزاقي، الذي يؤكد أن «حمس» ستقدم مرشحاً للرئاسيات، وأن تأجيل الحديث عن الموضوع لا يعني إلغاءه، مضيفاً: «سعيد سعدي، الرئيس السابق للتجمع من أجل الثقافة الديموقراطية، والمنسحب أخيراً من الحياة السياسية، قد يترشح هو أو أحد من فريقه».
تجدر الإشارة إلى أن سعدي قلّل أهمية موعد 2019، كما لم يبد حزب «الأرسيدي» أي تجاوب مع دعوة «جيل جديد» المراد منها البحث عن مرشح إجماع والعمل من أجل توحيد صفوف المعارضة التي تشتّتت كلياً بعد الانتخابات التشريعية الماضية.

مصطفى بوشاشي... ترشيح آتٍ من أسفل؟

يقول عبد العالي رزاقي إن الحدث الوحيد الجدير بالاهتمام في هذا الجدل هو إقدام مجموعة من المواطنين من ولايات عدة على اقتراح اسم الحقوقي مصطفى بوشاشي، من أجل تمثيلهم في الرئاسيات، وهو «مُقترح أزعج كثيرين لأنه خارج عن المألوف، وما يمكن استخلاصه من هذه الخطوة، رغم أنها في بدايتها، أن جزءاً من المواطنين لا يرغبون في انتظار مرشح السلطة ولا التخندق خلف المعارضة».
وعن عدم تأكيد بوشاشي نيته الترشح، يعقب رزاقي: «الأمر يتجاوز شخص بوشاشي، لأن الطلب لم يأتِ من عنده، بل من طرف مواطنين، وهو شيء سيربك السلطة التي ستبحث عن جهة ما تقف وراء هذا الحراك... أعتقد شخصياً أنه قادم من طرف مواطنين لا غير». لكن التحدي أمام هذه الحملة الافتراضية هو المال، فترشح بوشاشي مرتبط بحصوله على تبرعات ملموسة ممن يطالبه بالترشح، إذ لا يمكن أيَّ شخص أن يخوض حملة انتخابية رئاسية من دون تكاليف، خاصة إن كان المرشح وحيداً لا يملك هيئة حزبية أو سلطوية خلفه.