خرجت السيارة من كاراج السومرية في دمشق، تقل ثلاثة مسافرين فقط. ينتظر سائقو السيارات العمومية ساعات طويلة حتى «يحصلوا على مسافر». تراجع عدد المسافرين إلى بيروت على نحو ملحوظ، بتأثير قرارات الحكومة اللبنانية بالحد من عدد السوريين المغادرين إلى لبنان إلا لمن اضطر مُكرهاً.


يروي عبد الرحمن، وهو أحد المسافرين لـ«الأخبار»، تفاصيل رحلته من دمشق إلى بيروت: «يُجيد سائقو سيارة الأجرة إخفاء حمولتهم المخالفة، فقد خبِروا الطريق والحواجز جيداً. بعضهم لهم صلات وعلاقات مع عساكر تكونت مع مرور الزمن، أربع سنوات كانت كفيلة بنشوء مصالح متبادلة أحياناً». «عند نقطة المصنع على الحدود لا يختلف الأمر كثيراً عن الحدود السورية، ابتسامة ومصافحة سريعة دافئة كفيلة بمرور آمن يحمي البضائع الداخلة إلى لبنان بلا فيزا»، يتابع. استطاع سائق السيارة إدخال صندوق متوسط الحجم لم يعرف المسافرون ما فيه. كان توقفه عند بضع صيدليات بدءاً من شتورة إلى صوفر وبحمدون كفيلاً بإسكات فضولهم. ويضيف: «نزل السائق غير مرة في محطات مختلفة يتحدث إلى الصيدلاني، يفتح صندوق سيارته يعطيه حصته من علب الأدوية التي يكون قد طلب منه إحضارها. يقبض ثمنها ثم يعود إلى السيارة لنتابع رحلتنا إلى بيروت».
التهريب ليس خطراً
لا يُعد تهريب البضائع والأدوية أمراً جديداً، وقد تنامت حركة تهريب الأدوية إلى لبنان لأسباب كثيرة، أبرزها رخص الدواء المُصنع محلياً.
يؤكد فواز العساف، أحد مندوبي شركة عالمية لتصنيع الأدوية في سوريا، لـ«الأخبار» أنّ «تهريب الدواء يؤثر بنحو أساسي على الاقتصاد المحلي، إضافة إلى أنه غير مراقب صحياً، وطرق نقله وحفظه غير نظامية ومخالفة للمواصفات والتعليمات، وقد يكون مزوراً في بلد المنشأ، وبذلك قد لا يكون الدواء فقط مهرباً، بل مزوراً ومهرباً».
تزوير المنتجات الدوائية السورية ظاهرة جديدة نسبياً، وقد انتشرت في ظل غياب الرقابة وصعوبة الوصول إلى مواقع الإنتاج بشكل دوري، ما أسهم في ازدياد عمليات التزوير. ويوضح الصيدلاني العساف أن «المزورين يعتمدون على مواد منتهية الفعالية أو خطرة نتيجة سوء التخزين، وهذا يحدث في سوريا حالياً». ويضيف: «نتيجة توقف معمل دواء عن الإنتاج، وفقدان صنف دوائي مشهور في السوق السورية، لجأ بعض التجار شرقاً إلى معامل الهند والصين للحصول على نفس المنتج بنفس الاسم، لكنه غالباً لا يحمل المواصفات الدوائية ذاتها ولا الفعالية، وهذا التزوير يسيء إلى سمعة الدواء السوري، ويُشكل خطراً على حياة المرضى».

لغة الأرقام

حسب الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة السورية تعدت خسارة الصناعات الكيماوية أربعة مليارات ليرة سورية، وتجاوزت خسارة القطاع الدوائي ثمانية عشر مليار ليرة، وذلك في الوقت الذي كانت تستعد فيه سوريا للوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي بإنتاج أكثر من مئتين وسبعين مستحضراً دوائياً.
واتخذت الحكومة قرارات عدة في محاولة منها لتعويض شح الأدوية، ومنها إنشاء معامل للأدوية في محافظات اللاذقية وطوطوس والسويداء، وقد منحت أكثر من مئتي رخصة لإنشاء معامل أدوية. لكن الصعوبات تبقى قائمة في توفير المواد الأولية بسبب العقوبات الدولية، وأعفت الحكومة أخيراً بعض المواد الأولية من الرسوم الجمركية تسهيلاً لدخولها إلى سوريا من لبنان.
تزداد معاناة السوريين في الحصول على أدويتهم في بلدهم، بينما يُباع، مثلاً، المنتج الدوائي السوري الشهير مرهم «بلسم الآلام» على عربات الباعة المتجولين في لبنان... فيما يبحث السوريون عنه.