بعد قرابة ثلاثة أعوام من إقرار البرلمان الباكستاني، بالإجماع، «التزامَ الحياد» في الصراع الدائر في اليمن، ورفضَ طلب الرياض إرسال قوات باكستانية إلى المملكة للمشاركة في عمليات «عاصفة الحزم»، أعلنت إسلام آباد، قبل أيام، إرسال ألفَي جندي إضافي إلى السعودية، في «مهمة تدريبية واستشارية». إعلانٌ أثار الكثير من علامات الاستفهام بشأن خلفياته وتداعياته، خصوصاً أنه يأتي في وقت تتزاحم فيه المؤشرات إلى مساعٍ تبذلها المملكة لإحداث تبدلات على الساحة السياسية الباكستانية بما يخدم مصالحها.


وعلى الرغم من أن القرار الجديد استدعى موجة اعتراضات داخل البرلمان وخارجه، إلا أنه من المستبعد أن يتم التراجع عنه، في ظل اندفاع «حزب الرابطة الإسلامية» الحاكم، ومعه المؤسسة العسكرية، إلى تعزيز علاقتهما بالرياض.
هذا الاندفاع تجلى، خلال الفترة القصيرة الماضية، في سلسلة تحركات على خط الرياض - إسلام آباد، أوحت بأن ثمة رؤية سعودية لـ«الحليف الباكستاني» تتم بلورتها على أكثر من مستوى. بدأ الأمر منذ أواخر شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، مع زيارة لرئيس الوزراء الباكستاني، شاهد خاقان عباسي، إلى العاصمة السعودية، التقى خلالها الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده محمد. وقد بدا لافتاً، حينها، أن عباسي اصطحب معه رئيس أركان الجيش، قمر الدين جاويد باجوا، ومدير عام الاستخبارات، نويد مختار. تلت ذلك، في أقل من شهرين، زيارة لباجوا إلى السعودية في الأول من الشهر الجاري أجرى خلالها مباحثات تناولت «العلاقات الثنائية، خاصة في المجالات العسكرية». وما بين الزيارتين، كان القرار الأميركي، أوائل شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، تعليق مساعدات عسكرية لباكستان بقيمة 255 مليون دولار، ومن ثم مساعدات أمنية بقيمة مليارَي دولار، لتعقب القرارَ مناوراتٌ بحرية سعودية - باكستانية مشتركة باسم «نسيم البحر - 11» اختُتمت في الـ16 من شباط/ فبراير الحالي. سياقٌ يمكن من خلاله فهم القرار الباكستاني الجديد على أنه استجابة لضغوطات سعودية على إسلام آباد، شكّل إعلان العقوبات الأميركية الفرصة الأنسب لتصعيدها.
هذه الضغوطات تمظهرت، كذلك، في صور أخرى غلب عليها الطابعُ الترغيبي، مثلما تخلل الزيارةَ الأخيرة لوزير التجارة والاستثمار السعودي، ماجد القصبي، إلى إسلام آباد، أوساط شهر كانون الثاني/ يناير الماضي. حينها، أُعلن عن توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم للتعاون التجاري والاقتصادي بين البلدين، إضافة إلى الاتفاق على بحث الفرص الاستثمارية في مجالَي النفط والغاز، في وقت تحدثت فيه تقارير عن قيام السلطات الباكستانية بدعوة الشركات النفطية والغازية السعودية إلى إنشاء مصافٍ على أراضيها. دعوة تلخّص حاجة باكستان الماسة إلى رافد خارجي لاقتصادها، وهي التي تستعد لخصخصة شركات وطنية في مجالات الطيران والطاقة والنشاط المصرفي باتت تستنزف خزينة الدولة، في ظل تهديدات أميركية لها بإدراجها على القائمة الدولية لمراقبة تمويل الإرهاب، مع ما ينطوي عليه الأمر من مخاطر على القطاعين المالي والمصرفي في البلاد (على الرغم من إعلان إسلام آباد أمس تعليق قرار الإدراج لثلاثة أشهر إضافية، إلا أن التهديدات الأميركية في هذا الإطار تظلّ قائمة).


تواجه باكستان
تهديدات خارجية تفرض
عليها مراعاة أصدقائها



إلى جانب ذلك البعد الاقتصادي، ثمة بعد سياسي متصل بطموحات رئيس حزب «الرابطة الإسلامية»، رئيس الوزراء السابق، نواز شريف، الذي عُزل من منصبه عام 2017 بعد إدانته في قضايا فساد. يتطلع شريف، حالياً، إلى تجاوز الأزمة التي ولّدها له الحكم المذكور، والعودة إلى الساحة السياسية من بوابة الانتخابات العامة المرتقب إجراؤها في آذار/ مارس من العام الجاري. تطلّعٌ يبدو أنه يحظى بمباركة من قبل السعودية، التي كثرت إليها في الآونة الأخيرة زيارات آل شريف. أواخر شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، حطّ نواز شريف في الرياض، حيث التقى ولي العهد، محمد بن سلمان. سبق تلك الزيارة بأيام توجه شقيق نواز، رئيس حكومة إقليم البنجاب، شهباز شريف، والذي يتوقع أن يرشحه حزب «الرابطة» لرئاسة الوزراء، على متن طائرة سعودية خاصة إلى المملكة، حيث التقى ابن سلمان ومسؤولين آخرين. وقائع تؤشر إلى استقرار معتقد لدى نواز وأقربائه بأن مستقبل السعودية لآل سلمان، وبالتالي فمن مصلحتهم تمتين روابطهم بهذه العائلة لتخطي مشكلاتهم. وفي المقابل، لا تخرج سياسات ابن سلمان عن الرؤية السعودية العامة للعلاقة «الحيوية» مع باكستان، ولكن التمسك بمفاتيح آل شريف يشي بتعويله الكبير عليهم في تقوية النفوذ السعودي داخل هذا البلد. إلا أن دون تطلعات نواز وابن سلمان عقبات عدة تجلى آخرها يوم أمس في إصدار المحكمة العليا الباكستانية قراراً بعزل شريف من رئاسة حزب «الرابطة»، واعتبار جميع القرارات التي اتخذها بهذه الصفة و«كأنها لم تكن»، ما يهدّد مستقبل الشخصيات التي رشحها نواز للانتخابات.
ما علاقة الروابط بين ابن سلمان وبين شريف بالقرار الباكستاني الأخير؟ أوائل شهر كانون الثاني/ يناير من العام 2017، أكدت باكستان تعيين رئيس الأركان السابق لجيشها، راحيل شريف (الذي تربطه صلة وثيقة بنواز)، رئيساً لأركان «التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب» الذي أعلنته السعودية عام 2015. إعلان أوحى بأن الرياض تريد ممارسة تأثير أكبر على الجيش الباكستاني الذي تعتقد أنه هو الذي عرقل قرار مشاركة إسلام آباد في عمليات «عاصفة الحزم»، نتيجة مخاوف من انقسام تركيبته التي تضم عناصر من طوائف دينية متعددة. سبق ذلك الإعلان تصاعد الحديث عن تحسن العلاقة بين حزب «الرابطة» وبين الجيش، خصوصاً وأن رئيس الأركان الحالي، باجوا، تم تعيينه في منصبه أواخر عام 2016، بتزكية من نواز شريف نفسه. وعليه، فمن غير المستبعد أن يكون القرار الجديد، الذي أعلنه الناطق باسم الجيش بنفسه، واحدة من «ثمرات» التطور المشار إليه. لكن ما يجدر التنبه إليه أيضاً أن للمؤسسة العسكرية، هي الأخرى، حساباتها، غير المتصلة بالضرورة بحسابات السلطة. ولعلّ من حظ ابن سلمان اليوم التقاء تلك الحسابات جميعها على ضرورة التزلف إليه والاستفادة منه.
في خلاصة المعطيات، يتطلع كل من الأطراف المقررين على الساحة الباكستانية إلى غاية من وراء قرار إرسال القوات الذي جاء برضاء الجيش ووزير الدفاع ورئيس الوزراء، فيما تستهدف السعودية بالدرجة الأولى توصيل رسالة إلى إيران التي كانت أبدت امتعاضها من تعيين راحيل شريف رئيساً لأركان «التحالف الإسلامي»، وبالدرجة الثانية التأثير على موقف إسلام آباد من الأزمة الخليجية بعدما قررت الوقوف على الحياد، وبالدرجة الثالثة ربما - وهذا ما لا يؤكده أي معطى حتى الآن - تعزيز عمليات «التحالف العربي» في اليمن. وعلى الرغم من توارد أنباء عن أن باكستان أبلغت إيران وقطر، مسبقاً، بقرارها الأخير، وعلى الرغم أيضاً من طمأنة وزير الدفاع الباكستاني، خورام داستاغير، برلمانيي بلاده، إلى أن «القوات الباكستانية لن تنتشر خارج أراضي السعودية أو في اليمن»، وإلى أن إسلام آباد «ستظل محايدة في أي نزاع في الشرق الأوسط»، إلا أن انتهاج سياسة «السير على الحبال» في الوقت الحالي يبدو محفوفاً بالمخاطر لعدة أسباب لعل أهمها اثنان: أولهما أن ثمة حساسية زائدة داخل باكستان، سواء على مستوى المؤسسات أو على مستوى الشارع، إزاء أي قرار متصل بالسعودية، وهو ما يهدد بتصاعد التوتر على الساحة السياسية الباكستانية، خصوصاً بعدما تحول الاحتجاج على إرسال القوات إلى فعل شعبي بدأت أولى مظاهره يوم الأحد الماضي بتظاهرة في إسلام آباد. وثانيهما أن باكستان تواجه حالياً تهديدات خارجية تفرض عليها مراعاة أصدقائها التقليديين (في مقدمتهم إيران) الذين يمكن أن يشكلوا لها ظهيراً حقيقياً في مواجهة تلك التهديدات، خصوصاً أن ثمة، في الوقت الراهن، توجهاً لدى إدارة دونالد ترامب لتقوية شوكة الهند (الخصم التقليدي لباكستان)، وانفتاحاً إيرانياً لافتاً على الأخيرة، واندفاعاً هندياً وكذلك إيرانياً إلى تقوية العلاقات مع أفغانستان (الجار المُقلِق لباكستان).





تحذيرات معارِضة من الانجرار لـ«المستنقع»

يقرّ مسؤول العلاقات الخارجية في «مجلس وحدة المسلمين في باكستان» المعارِض، شفقت شيرازي، في حديث إلى «الأخبار»، بأن قرار السلطات إرسال قوات إضافية إلى السعودية لا يتعارض، في ظاهره، مع قرار البرلمان الصادر عام 2015، معتبراً ذلك «معوّقاً أمامنا، كمعارضة، في الاحتجاج على الخطوة»، التي يتم تبريرها بأنها «تأتي في إطار التعاون الثنائي، وضمن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الموقعة عام 1984 إبان حكم الجنرال ضياء الحق، والتي تنص على تقديم باكستان كل قدراتها من أجل حماية المملكة في حال تعرضها لأي خطر». ويرى أن «نواز شريف يحاول عبر هذه الخطوات تخفيف الضغوط الأميركية على باكستان، من خلال استرضاء السعودية لتتوسط لدى الولايات المتحدة». وكان الأمين العام لـ«المجلس»، راجا ناصر عباس، أعلن، في مؤتمر صحافي، رفض حزبه القرار الأخير، معتبراً إياه استجابة لإرادة الرياض تعاون إسلام آباد معها في «حربها الانفرادية على الشعب اليمني». وشدد على ضرورة أن «لا توقع الحكومة البلاد في هذا المستنقع»، داعياً إياها إلى أن «تقوم بدور الوسيط» بدلاً من ذلك.
(الأخبار)







الصماد: استدعاء الأفغان والباكستانيين لن يجدي

رأى رئيس «المجلس السياسي الأعلى» في صنعاء، صالح الصماد، أن «تحالف العدوان يدشن مرحلة جديدة باستدعائه الأفغان والباكستانيين»، مؤكداً «(أننا) سندشن في المقابل مرحلة جديدة»، عنوانها «استدعاء أخوتنا وأبنائنا من أفراد القوات المسلحة وضباطها»، قائلاً «(إننا) لسنا بحاجة لاستدعاء أي أحد من خارج الوطن»، لأن «لدينا خبراء ورجال جاهزين من أبناء القوات المسلحة والقبائل». وشدد، خلال اجتماع موسع ضم عدداً كبيراً من مسؤولي «أنصار الله» و«المؤتمر الشعبي العام» أمس، على ضرورة أن «يواجَه هذا التصعيد بتصعيد أكبر»، مضيفاً أن «الأيام المقبلة ستشهد أننا أقوى عوداً وأذكى ناراً، فلدينا مفاجآت أكثر من الماضي». بدوره، أكد نائب رئيس هيئة الأركان العامة في قوات الجيش واللجان الشعبية، علي الموشكي، جاهزية قواته لأي تصعيد، مشيراً إلى أن «حجم التدفق إلى الجبهات لم يسبق له مثيل»، وأن «المتقدمين إلى الكليات العسكرية فوق القدرة الاستيعابية».
(الأخبار)