يوم اندلاع الحرب السورية، كان الإعلام الرسمي مادة للتندّر الداخلي والخارجي. محاولات عدّة لمنافسة «الإعلامي المعادي» باءت بالفشل. ظهرت تلفزيونات وصُرفت الملايين، لكن بقي معظم المواطنين في انتظار رسالة من قريب أو صديق في مكان «الحدث».

ثائر العجلاني هو هذا «الصديق» الذي لم يكن أحد ينتظره. حمل كاميراته وانسلّ خفيفاً بين تعقيدات العمل الإعلامي ليوصل الخبر.

ليوصله إلى الجميع، دونما تمييز أو حسابات أو خلفيّات، كما يفعل الأصدقاء في قلب الأتون مع أصدقائهم البعيدين نسبياً. لقد أحسّ بحاجة ماسة إلى أن يشهد: أليس ذلك «الإحساس»، أليست تلك «الحاسة»، ما يميّز الصحافي، ويحدد مهنة الصحافة؟ الصديق والشاهد إذاً، أحس بالحاجة إلى أن يروي... بفيديو قصير، بـ«ستاتوس»، أو مقال. لم ينتظر شاشة لتعرض أو جريدة لتنشر. حمل صدقيّته بالصوت والصورة. يوم معارك مطار دير الزور حطّ على متن مروحية في حرم المطار المحاصر. لقطات قليلة عرّفت الناس على الوقائع. لم ننتظر «مرصد» رامي عبد الرحمن، أو عودة شبكة الاتصالات المقطوعة، كي نعرف، كي نرى ماذا يجري هناك...
لم تسعه الصحف والإذاعات والعالم الافتراضي. يتصلّ من الشام سائلاً عن مادة يريدها في «الأخبار»، لـ«تأخذ حقها». فقرة يومية على إذاعة «شام اف ام»، ومقالات في صحيفة «الوطن» المحلية ومواقع مختلفة... آلاف المتابعين على فيسبوك. لم يعرف المكاتب. كان واقعياً في تهوّره وشجاعته. «كيف نردّ على خبر قناة الجزيرة الكاذب» سأل نفسه مرة، ليجيب: بصورة من «موقِع الكِذبة».
صليات ثائر العجلاني في الميدان لا حصر، ولا حدّ لها. من جبهة إلى جبهة، ومن منبر إلى منبر. رمى، وهو ابن «الإعلام الحربي» كما يعرّف عن نفسه، في غير مكان. لم يكن يتوقّع أنّ «صليات» العدو تصيب أيضاً. إن كان من تحية يمكن أن نوجّهها لزميلنا الذي استشهد أمس في الميدان، على أرض المعركة، فقد تكون باستخلاص العبرة من مسيرته القصيرة، وبتعلّم الدرس الذي أعطانا إيّاه. ناصر وطنه وجيشه من موقع الوضوح... وكان أميناً لشعبه، إذ بذل كل جهده كي يعطيه ما يحتاج إليه أكثر من الرغيف: الحقيقة.
«مدرسة ثائر» لم تنتظر ورقة من تحت إلى فوق ثم بالعكس ليصدر «الخبر المقتضب» (الذي سيسرّب لاحقاً). من يريد مناصراً حقيقياً فليُدخله المعركة، بانتصاراتها وفشلها. خمدت فوهة ثائر، وهي مشتعلة عند أصدقاء من «المدرسة» ذاتها... فالتحية إلى إياد وعمر وإخوانهما... والرحمة لثائر.