تونس | في مطلع عام 2015، استقال عبد الحميد الجلاصي من منصبه كنائب لرئيس «حركة النهضة». لم يُوضّح الرجل في حينه الأسباب، ولكن الاستقالة تزامنت مع تدشين «سياسة التوافق» بين حركته وبين «نداء تونس». أبقى الجلاصي بعدها على عضويته في «مجلس شورى» الحركة، وتفرّغ لمراجعة أوراق أرشيفه تحضيراً لنشرها بدلاً من الانغماس في النشاط السياسيّ.


وقد سبق لـ«الأخبار» أن نشرت (في العدد ٣٢٨٨)، مراجعةً لكتابه «سرقات لذيذة: قراءات مهربّة حول التجربة السجنيّة للإسلاميّين 1991-2002»، الذي ضمّنه رسائل كتبها من داخل السجن وهُرّبت دون المرور على «عين الرقيب»، فيما تنشر هذه المرة مراجعة عن كتاب «دولة الخوف» (دار "سوتيميديا"، 2018)، الذي يحوي على مقالات وحوارات أجراها بعد إطلاق سراحه عام 2007، نُشِر بعضها سابقاً بينما يكشف عن بعضها الآخر للمرة الأولى.
إثر مطالعة الكتابين، تتضح أكثر أسباب عدم انشقاق الجلاصي عن «النهضة»، على غرار بعض رفاقه الغاضبين، وذلك برغم تصريحاته بوجود تباينات في وجهات النظر تشمل طيفاً واسعاً من المواضيع. كما أنّ مضمون كتاباته والأسلوب، يدلان على أنّ «النهضة» بالنسبة له، هي أكثر من مجرد جسد سياسيّ، فالحركة في نصوص الجلاصي مشروع عُمر. قد تنحرف بعيداً عن تصوّره لها، ولكنّه لن يتخلى عنها.

«الأهم بين نظرائه»: كتابات سياسية

يستغرب كثرٌ من المراقبين صمود «النهضة»، إلى حدٍّ بعيد، أمام موجات الانشقاق التي عرفتها جلّ الأحزاب منذ سبع سنوات، ويُنسى هنا الرابط الوجدانيّ. أغلب أعضاء «النهضة» كهول، وتعرض أغلبهم، إن لم يكن كلهم، للسجن أو النفي القسريّ أو التضييق، لفترات طويلة. ومن الصعب على من قضى سبعة عشر عاماً في السجن، وثلاثاً أخرى من التضييق والمراقبة، هو وعائلته المُوسّعة ــ وهي حال الجلاصي ــ أن ينشقّ بعد انقضاء المصاب. ولو كان الأمر مطروحاً، لتمّ منذ البداية، وهو حال كثيرين انشقوا بداية التسعينيات وتحوّل بعضهم إلى غرماء للحركة، قد يكون أشهرهم على الإطلاق الهاشمي الحامدي.
عبد الحميد الجلاصي ليس أوّل من يكتب من قيادات «النهضة». كتب قبله، ومبكّراً، راشد الغنوشي وعبد المجيد النجار، ولكنّه على عكسهما، لم يكن خارج البلاد، بل كان داخلها؛ في سجونها أغلب الوقت، وكتاباته أقلّ اهتماماً بمسائل الدين، وأكثر تعلقاً بالسياسة المباشرة. وبينما تُعطي هذه النقطة دافعاً مهمّاً لنشر الأرشيف، فلا بدّ من الإشارة إلى أنّه يلوم على «النهضويّين» تقصيرهم داخل السجون في الاضطلاع بمختلف أجناس الكتابة، رغم أنّهم ــ وفق مُعايناته ــ متعلمون في أغلبهم، وأبناء جامعات في جزء كبير منهم.
برغم أنّ نصوص «دولة الخوف» في أغلبها قصيرة وتفتقر إلى التفصيل والتحليل المسهب، إلّا أنّها تُعطي لمحات حول موقف الإسلاميّين، أو جزء منهم، حيال مسألة المُراجعات واستئناف بناء حركتهم بعد «محنتها». ويبقى أنّ الأهم، ربما، هو النصوص التي تناولت المُعاملة السجنيّة والتضييق الأمنيّ بعد الخروج من السجن، خاصّة أنّ الجلاصي أُطلِقَ سراحه ضمن دفعة أخيرة شملت جلّ «النهضويّين» المسجونين. وفي ذلك الوقت، لم تقف سياسة نظام بن علي الهادفة إلى تفكيك الحركة ونزع «إسلاميّة» أعضائها بعد إطلاق سراحهم، فانخرطَ في معركة إعادة اندماج اجتماعيّ حرمَهَم ضمنها من العمل في «الإدارة وقطاعاتها ذات التأثير والوجاهة الاجتماعيّة» وحصرهم في «مواقع بخسة اعتباريّاً»، وصار بالتالي أغلبهم باعة متجولين أو تجاراً صغاراً في أحسن الأحوال. لكن ذلك «انقلب إلى الضدّ» كما تبيّن في الكتاب السابق، إذ ساهم ذلك في تعميق تفاعل أعضاء الحركة مع الفئات الشعبيّة ووجودهم ضمنها وتحسين قدراتهم التواصليّة.

«ازدواجية الخطاب»

تتحدث بعض نصوص الكتاب عن تداول مسألة المراجعات بين أعضاء «النهضة»، وتتناول تجربة مشاركة إسلاميّي موريتانيا في الحكم، وتعرّج، دون توسّع، على مشاركتهم في الجزائر (حركة مجتمع السلم)، وتجاربهم عبر العالم الإسلاميّ. ورغم أنّ تطرّق الجلاصي لمسألة «فصل الدعوة عن السياسة»، على نحو محتشم نسبياً، يشير إلى أنّ التداول بشأنها بدأ داخل هياكل الحركة قبل حوالى عقد من الزمن، إلّا أنّها لم تتحقق سوى في المؤتمر العاشر لـ«حركة النهضة» عام 2016، أي بعد خروجها من الحكم المباشر وازدياد الضغوط الداعية إلى «تونستها» (سيُكرسّ الكاتب إصداراً خاصاً بالمسألة، تحت عنوان «مراجعات في الفكر والسياسة»).
ويُدافع الجلاصي في نصوصه عن فرضيّة أنّ الإسلاميّين «إصلاحيّون»، وهم بالتالي جاهزون للمشاركة في الحُكم متى أتيحت لهم الفرصة، ويبدو الأمر رسالةً موجّهة إلى النظام التونسيّ، حيث يدعو في أكثر من موضع إلى ضرورة التحاور والمصالحة. وفي حوار أُجري معه لمناسبة الذكرى 27 لتأسيس الحركة، يدعو الجلاصي إلى الاستمرار في «التعامل مع السّلطة وفق منهج رشيد... يُغلّب الوفاق والحوار دون السقوط في منطق الاستجداء والتذلل».
ويبدو في الكتاب واضحاً ما يُطلِقُ عليه خصوم النهضة «ازدواجيّة الخطاب»، إذ عند الحديث عن «توحيد المعارضة» (في زمن بن علي)، يتبنى الجلاصي خطاباً تجميعيّاً ومدنيّاً يُركّز على المشترك، بينما يتحوّل عند الحديث إلى «النهضويّين» إلى لغة غارقة في التديّن تجعل السياسة واجباً شرعيّاً هدفه «الإحياء الدينيّ».
في السياق نفسه، لا بدّ من الإشارة إلى أنّه من بين أكثر الأشياء اللافتة في كتاب «دولة الخوف» هو المعجم المستخدم في نصوصه، الذي ينبني على توليفة تكشف تنوّع مصادر التلقي.

الرعيل الأول

سبق لراشد الغنوشي أن قال إنّ حركته استلهمت من «اليسار» التزامه الاجتماعيّ. يؤكد عبد الحميد الجلاصي ذلك في كتاباته، فهو يتحدث عن «العدالة الاجتماعيّة» وعن «قانون التدافع» الذي يبرزُ كبديل عن «الجدل/ الصراع» الماركسيّ، ويستخدم إلى جانب ذلك عبارات مثل «قوى الاستكبار والهيمنة» التي تبدو استعارةً خُمينيّة. وفي السياق، يَذكُرُ الرجلُ عرَضاً مسألة ميّزت «تربية» الرعيل الأوّل من الإسلاميّين التونسيّين، وهي غياب الهاجس الطائفيّ الذي يطغى في المقابل على الوهابيّة وتفرعاتها، حيث تُذكر إلى جانب كتب حسن البنا وزينب الغزالي، كتب أخرى لباقر الصدر، وعلي شريعتي، والطباطبائي، ومحمد حسين فضل الله، وغيرهم. ذلك فيما تبدو مصادر تكوين الجيل الشاب الحالي من «النهضويّين»، وتديّنهم، أقرب لأن يكون: «مزيجاً عجيباً من التسيّب والتشدد»، أو كما يذكر الكاتب على لسان أحد أصدقائه «مزيجاً من قناة اقرأ وروتانا».