مرة جديدة، يتكرر الخلاف بين جهازي «المخابرات العامة» و«الحربية» في مصر، مع قيادة العمليات العسكرية التابعة للجيش في سيناء. فالسيناريو الذي حدث قبل أسبوعين (الجمعة قبل الماضية)، تكرر أمس، إذ ما إن أُعلن فتح معبر رفح لأربعة أيام، وعمل المعبر أول من أمس (الأربعاء)، حتى أعيد إغلاقه فجأة أمس، لتجدد مشكلة العالقين على طرفي المعبر، رفح الفلسطينية ومدن شمال سيناء، وفي مطار القاهرة ومطارات دولية وعربية أخرى.


ويتهم الجيش عناصر «الحربية» الذين يديرون المعبر منذ أكثر من سنتين، بعدما لم يعد هناك وجود لـ«العامة» أو أجهزة وزارة الداخلية مثل «الأمن الوطني» («أمن الدولة» سابقاً)، بأن الاستفادة المالية اليومية من المعبر (تتراوح بين 300 ألف و450 ألف دولار) بسبب التنسيقات الخاصة التي «تطغى» على الاعتبارات الأمنية والميدانية في ظل حملة كبيرة تحدث فيها عمليات دهم واشتباكات، وأن أي إصابات في صفوف المسافرين الفلسطينيين سوف تحرج الجيش.
ووصلت الأمور إلى حد ترويج وسائل إعلام مصرية أن الجيش قرر إغلاق المعبر بعدما وردته معلومات عن نية مسلحي «ولاية سيناء» التعرض للحافلات الفلسطينية. كما حُكي عن أن تعطيل الاتصالات مهم وضروري طوال ساعات اليوم ولا يمكن تقديم استثناء لتشغيل اتصالات المعبر. لكن التضارب وتكراره للمرة الثانية بين المخابرات والجيش يضع رواية كل منهما تحت تساؤلات عن طبيعة اتخاذ القرارات في القاهرة، وخاصة أن مصادر تفيد لـ«الأخبار» بأن تغيير إدارة المخابرات لم يحسم الصراع الدائر، وأن وجوهاً خطيرة من هذا الصراع سوف تظهر مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، فضلاً عن ارتباط قضية المعبر بطبيعة المفاوضات الجارية بين قيادة «حماس» التي اكتمل شملُها في مصر بعد التحاق بقية أعضاء المكتب السياسي للحركة في القاهرة أول من أمس، وبين القيادات الأمنية المصرية، وهو ما لمحت إليه مصادر إعلامية إسرائيلية وصفت إغلاق المعبر بأنه «عقاب وضغط على حماس».


سلطات الاحتلال
أبلغت عائلة الأسير السراديح باستشهاده بعد اعتقاله أمس


لكنّ ما يضع الرواية الإسرائيلية على المحكّ هو ما نقلته مصادر ميدانية في غزة عن حراك فلسطيني على الجانب الثاني من معبر رفح وذلك في الشق التجاري منه، إذ بدأت جهات تابعة لحكومة غزة السابقة بـ«تهيئة ساحات جديدة تمهيداً لإنشاء معبر تجاري جديد يقع إلى الغرب من معبر رفح بقليل»، مضيفة أنه شوهدت «آلات وجرافات تضع خزانات وقود كبيرة في حفر تحت الأرض، كما بدأ عمال بوضع بلاط أرضيات للمعبر الجديد وتهيئة ساحات لنزول البضائع». ويوم أمس، قالت إدارة الطاقة في غزة إن محطة توليد الكهرباء عادت وتوقفت عن العمل بسبب «عدم دخول وقود من مصر جراء الوضع الأمني المستجد... والجدول عاد إلى أكثر من 16 ساعة قطع يومياً».
ووفق ما علمت «الأخبار»، أبدى المصريون استعداداً لتزويد القطاع بكل ما يحتاج إليه، إضافة إلى «نشاط ملموس للشركات المصرية في غزة قريباً». وفي حال لم تسلّم «حماس» الجباية لرام الله، وعمل من بوابة صلاح الدين في معبر رفح تجارياً، سوف تصب هذه الواردات في جيب الحركة. مع ذلك، لا يبدو الدخول المصري الاقتصادي من جهة، والقطري والإماراتي من جانب آخر، بعيداً عن المتابعة الأممية، وخاصة منسق الأمم المتحدة الخاص بالشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف، ووكالة «الأونروا»، وهاتان الجهتان بالتأكيد لن تتجاوزا السلطة الفلسطينية ولا حكومتها.
أما عن الوفد الأمني المصري، فترجح المصادر عودته إلى غزة مطلع الشهر المقبل، لمتابعة دوره في متابعة ملف المصالحة، وخاصة قضية الموظفين، وذلك في وقت تواصل فيه رام الله إحالة عدد آخر من الموظفين على كشوفات التقاعد، فيما لا تزال لجنة دمج موظفي غزة معلقة حتى اللحظة.
في المقابل، تواصل حركة «فتح» والسلطة الفلسطينية، والوفد الخاص بالمصالحة المشكل منهما، لعبة شد الحبال، إذ تصدر تصريحات من قيادات من الطرفين تهاجم «حماس»، فيما تظهر تصريحات أخرى توجهاً إلى تسهيل الأوضاع في غزة، وذلك بعد يوم على هجوم كبير شنته الحركة في غزة على حكومة «الوفاق الوطني» ورئيسها رامي الحمدالله. وقد نقلت وسائل الإعلام المحلية، أمس، حديثاً إذاعياً لعضو «اللجنة المركزية لفتح»، عزام الأحمد، قال فيه إن «استمرار العقوبات المفروضة على غزة مصلحة فلسطينية عليا... هدف العقوبات إعادة الوحدة إلى الوطن وإنهاء الانقسام»، واصفاً قرارات رئيس السلطة محمود عباس، بحق غزة، بأنها «وطنية وللحفاظ على المشروع الوطني ومنع أي أحد بالتفرد بالقرار». وجدد تأكيده أن «رفع العقوبات مرتبط بالتمكين الشامل والكامل للحكومة، ووحدة السلاح والسيطرة الأمنية فوق الأرض وتحتها».
في الجهة المقابلة، نقل موقع «نبأ برس» عن المتحدث باسم «فتح»، أسامة القواسمي، أن «وفداً رفيع المستوى من قيادة فتح في الضفة ووزراء من الوفاق سيتوجهون إلى غزة خلال الأسبوعين المقبلين على أبعد تقدير، وذلك بعد تأجيل زيارة كان من المفترض إجراؤها قبل نحو أسبوعين بسبب المشاحنات الإعلامية من حماس، ولانتظار ما سينتج من المباحثات بين المخابرات المصرية ووفد حماس». وطالب القواسمي «حماس» بـ«التوقف عن الهجوم على الرئيس، بما يتقاطع مع أجندة الاحتلال... يجب أن تتوقف عن بسط سلطتها في غزة، والتمكين يعني الجباية والأمن وأن يعود الوضع إلى ما كان عليه»، مشيراً إلى أن وزير الصحة جواد عواد قرّر «عودة 486 من الموظفين الحرفيين في غزة إلى أماكن عملهم، بدءاً من الأحد المقبل».
وكانت «حماس» قد عقدت جلسة لنوابها في المجلس التشريعي (البرلمان) بحضور نواب يمثلون «التيار الإصلاحي» الذي يقوده المفصول من «فتح»، محمد دحلان، حيث هاجم النواب رام الله، في وقت دعا فيه القيادي الحمساوي محمود الزهار إلى «فتح تحقيق رسمي بالفساد مع رئيس الحكومة رامي الحمدالله والفريق العامل لانتحالهم صفة الحكومة والوزارة، وقيامهم بالتصرف بالمال العام خلافاً للقانون الأساسي والأصول». كما قال النائب أحمد بحر إن «حكومة الحمدالله تحولت إلى حكومة استبدادية عنصرية تتعمد قتل أبناء شعبنا في غزة... نطالب بتشكيل حكومة إنقاذ وطني». كذلك، قال النائب إسماعيل الأشقر، إن «حكومة الحمدالله لا خير فيها وهي والاحتلال وجهان لعملة واحدة ويجب طردها ومحاكمتها»، فيما طالب النائب مروان أبو راس حركته، «حماس»، والفصائل الأخرى بأن «ترفع حكومة رام الله عن كاهل هذا الشعب».
يتطابق هذا الهجوم من «حماس» على «فتح» من جهة، وهجوم الأخيرة على «حماس» والقاهرة من جهة أخرى (لم يتوجه الوفد الفتحاوي بعد إلى مصر)، مع الخيار الثاني الذي وضعه المصريون أمام «حماس»، وهو أنه في حال إخفاق المصالحة يجب تشكيل لجنة إدارة لغزة بمشاركة دحلان، والانفتاح اقتصادياً على مصر التي ستؤمن بالتعاون مع دحلان الغطاء السياسي والاقتصادي لهذه اللجنة، فيما ترى مصادر سياسية أن هدف ذلك «ابتزاز عباس والضغط على السلطة لتقدم تنازلات كما ستقدم حماس بالمثل» (راجع العدد ٣٤٠١ في ٢١ شباط).
إلى ذلك، أفاد «نادي الأسير» بأن سلطات الاحتلال أبلغت عائلة الأسير ياسين عمر السراديح (33 عاماً)، من أريحا، باستشهاده بعد اعتقاله فجر أمس، وذلك جراء «إصابته بتشنّجات وتعرّضه للاختناق بالغاز وفق بلاغ الاحتلال، فيما أكدت العائلة أن ابنها لم يكن يعاني أي أمراض سابقة، لكنها شاهدة على تعذيبه بقسوة خلال اعتقاله.