لا تهدأ مساعي السلطات السعودية لإزالة الشكوك عن «حملة مكافحة الفساد» التي أطلقها ولي العهد، محمد بن سلمان، في أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. ما بين الفعاليات الدعائية، والاجتماعات السرية، والزيارات الرسمية المرتقبة... يسعى ابن سلمان إلى القول إن حملته لا تعني حرباً على رجال الأعمال وأرباب القطاع الخاص، وإن بلاده منفتحة على أي نوع من الأنشطة التجارية.


أول من أمس، نُشرت صور للملياردير الوليد بن طلال، ووزير الحرس الوطني السابق متعب بن عبد الله، اللذين طالتهما حملة ابن سلمان قبل أن يُطلَق سراحهما بموجب تسويتين تم التوصل إليهما، وهما يؤديان «رقصة العرضة» جنباً إلى جنب الملك سلمان بن عبد العزيز، ضمن فعاليات «المهرجان الوطني للتراث والثقافة» (الجنادرية 32). صور قُرئت، على نطاق واسع، على أنها محاولة من قبل السلطات للإيحاء بأن جواً «تصالحياً» يسود المملكة، وبالتالي أن لا مخاطر على البيئة الاستثمارية، التي تزعزعت ثقة المستثمرين الأجانب والمحليين بها بفعل السرية والصبغة السياسية اللتين وسمتا «اعتقالات الريتز».


سيحمل ولي العهد
في زياراته المقبلة
رسائل طمأنة

هذه القراءة تعززها جملة مؤشرات ظهرت خلال الفترة القصيرة الماضية، مُثبتة الصعوبات التي تعترض ابن سلمان في طريقه إلى استعادة تلك الثقة المهزوزة. قبل أيام، أميط اللثام عن اجتماعات سرية عقدها ولي العهد بكبار رجال الأعمال في شهر كانون الأول/ يناير الفائت، بهدف طمأنتهم إلى أن «حملة مكافحة الفساد» أُقفلت أبوابها، وإلى أن بإمكانهم ممارسة أعمالهم «بأمان»، وفق ما ذكرت مصادر سعودية وغربية حضرت الاجتماع. وأشارت المصادر إلى أن السلطات أرادت، من خلال الاجتماعات التي انعقدت في عدة أماكن من بينها الرياض وجدة، إيصال رسالة بأنها لا تنوي تنفيذ عمليات احتجاز أخرى، وبأن تعريفها للفساد «ضيق نسبياً». ونقل أحد المصادر عن المسؤولين قولهم لرجال الأعمال: «واصلوا أعمالكم كالمعتاد واستثمروا في الاقتصاد»، مقابل وعود بتحسين الممارسات في قطاع الأعمال في المملكة. ووفقاً للمصادر نفسها، فإن تلك الاجتماعات أسهمت في تهدئة مخاوف بعض المستثمرين، إلا أنها لم تؤت ثمارها لدى آخرين، لا يزالون يخشون «أن يُعتقلوا في أي وقت».
وإلى جانب اللقاءات غير المعلنة، يجتهد المسؤولون السعوديون في تلميع «حملة الريتز» عبر الفعاليات العامة أيضاً. هذا ما شهده «المنتدى الاقتصادي العالمي» الذي انعقد في مدينة دافوس السويسرية أواخر الشهر الماضي. حينها، بدا أن الهم الأكبر لمسؤولي سلطة ابن سلمان المشاركين في المنتدى التسويق لـ«إيجابيات» مفترضة في إجراءات ولي العهد، وإيجاد نقاط مشتركة ما بينها وبين «الإجراءات السليمة المتبعة في النموذج الغربي»، بهدف تبديد المخاوف بشأن «نزاهتها وشفافيتها»، ومن ثم تحفيز المستثمرين على تخطّي هواجسهم. ولعلّ ما جاء في كلمة وزير التجارة والاستثمار، ماجد عبد الله القصبي، يجلي بوضوح تلك المحاولات حيث قال: «حقاً يمكن أن نرتكب أخطاء هنا وهناك. السعودية ليست منزهة عن الخطأ، شأنها في ذلك شأن أي دولة أخرى. ولكن... السبيل للنجاح غير ممهد، وقوة الدفع في السعودية تسير في هذا الاتجاه».
رسالة لن تغاير ما سيلح عليه ابن سلمان خلال زياراته المرتقبة لعدد من العواصم الغربية (لندن وباريس وواشنطن)، والتي سيحمل خلالها، وفقاً لما تتداوله وسائل إعلام أجنبية، للمسؤولين الغربيين، «جملة من الأسرار والتفاصيل الخاصة بكواليس حملة مكافحة الفساد»، وخصوصاً منها المفاوضات التي دارت في فندق «ريتز كارلتون». لكن خبراء ومستثمرين يعتقدون أن «من السابق لأوانه تحديد أثر» حملة العلاقات العامة هذه على «معنويات المستثمرين». وبحسب هؤلاء، فإن «الأمر سيستغرق بعض الوقت، حتى يتمكن المجتمع الدولي من مراقبة ما يجري في السعودية، ثم الانخراط، ثم الاستثمار، لتصبح الأمور منطقية بصورة أكبر».
(الأخبار)