في حدث مفاجئ، أُصيب «كاتم أسرار القذافي»، بشير صالح، بالرصاص في جنوب أفريقيا حيث يعيش في المنفى، ونُقِل الى المستشفى، كما ذكر أمس محاميه الفرنسي اريك موتي، لوكالة «فرانس برس».

واسم بشير صالح مدرج في التحقيق الذي يجريه منذ 2013 القضاء الفرنسي حول اتهامات بتمويل ليبي لحملة نيكولا ساركوزي الرئاسية في 2007 عبر زياد تقي الدين ومسؤولين ليبيين سابقين.

وبينما سبق لساركوزي أن نفى هذه الاتهامات، فإنّ صالح يرفض الحديث علناً في هذه المسألة. ولكن في مقالة نشرتها صحيفة «لوموند» الفرنسية في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، بعنوان «بشير صالح، الليبي الذي يعرف الكثير»، قال الرجل: «القذافي قال إنه موّل ساركوزي، والأخير قال إنّه لم يُموَّل، وأنا أصدّق القذافي أكثر ممّا أصدق ساركوزي»، متهماً في الوقت نفسه الرئيس الفرنسي الأسبق بأنّه «دمّر ليبيا». ودعا صالح، كما نُقِل عنه في المقالة نفسها، «القضاء الفرنسي إلى محاكمة ساركوزي، نظراً إلى الشر الذي ألحقه بليبيا، بدلاً من ملاحقتي بقضية التمويل هذه».
إلا أنّ صالح السبعيني، الذي سبق أن تعرّض لهجمات أخرى كما ذكر هو بنفسه، يلعب أدواراً أكبر بكثير من مجرد كونه شاهداً في قضية ساركوزي. ومن الأدلة على ذلك أنّه ذكر لـ«لوموند» أنّه يدفع نحو الإعداد لمؤتمر ليبي في عاصمة أفريقية. فضلاً عن ذلك، جرى يوم أمس تناقل حديث لسفير ليبيا السابق في سلطنة عمان، محمد خليفة العكروت، يقول فيه إنّ لدى صالح «خزنة من المعلومات وكنزاً من الثروات»، مبدياً اعتقاده بأنّ «مافيا المال وراء الهجوم. ليس مافيا المال في ليبيا فقط، بل على مستوى دول أخرى تعلم ما عند بشير، وتريد طمس خيوط الوصول الى ما عنده من كنوز، وتريد بعثرة الاوراق وخلطها ثم حرقها ودفنها».


يرى نفسه يقود مرحلة
انتقالية، ويُنظر إليه على
أنه كنز من المعلومات


وربط الدبلوماسي السابق، وفق ما نُقِل عنه، بين محاولة اغتيال صالح والمشهد السياسي في جنوب أفريقيا الذي قاد الرئيس جاكوب زوما نحو الاستقالة من منصبه كرئيس للبلاد، في منتصف الشهر الجاري. وقال في هذا الصدد، إنّه باغتيال صالح الذي سبق أن صدرت بحقه مذكرة توقيف دولية، «يسهل على (المافيات) تنفيذ الخطط بالوصول إلى ما كان رئيس جنوب أفريقيا زوما يمنعها عنه». أيضاً، ناشد «الدولة الليبية أن تسابق الزمن وتسرع الخطى، وإلاّ... فسيتم إبعاد بشير، وتدفن معه خريطة استخراج الكنز»، من دون مزيد من التفاصيل، علماً بأنّ «لوموند» قالت في مقالتها: إنّ «صالح يرى نفسه يقود مرحلة انتقالية (راهناً)... لكنّه يحب التذكير بما كان والده يقول عنه: ابني مثله مثل الزيت في الماء... لا يغرق».

«أفريقيا القذافي»

عُرِف عن الرجل قربه من القذافي حيث كان مدير مكتبه الخاص، كما أسّس وترأّس حتى نهاية العقد الماضي «محفظة ليبيا أفريقيا للاستثمار»، ولهذه «المحفظة» قصتها. ففي نهاية التسعينيّات، وبعدما «فُقِدَ الأمل في العالم العربيّ الذي لم يقدّر زعامته»، بدأ معمر القذافي بالتفاتته الأفريقيّة، وحينها برز بشير صالح في الصفوف الأولى. وفي حوار أجرته معه النسخة الفرنكوفونيّة من مجلة «فانيتي فير» نهاية عام 2013، يقول صالح المنحدر من قبائل التبّو الموزّعة بين جنوب ليبيا وشمال النيجر، إنّ «القائد» استدعاه عام 1998، وقال له: «ابتداءً من الآن، أريد منك أن تكون إلى جانبي. لديّ مهمّة كبيرة لك: علينا إحداث الولايات المتحدة الأفريقية. اذهب الى الرؤساء الأفارقة مبعوثاً من طرفي، وقل لهم إنّ الأمر مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى أفريقيا».
عام 2009 نُحّي صالح من رئاسة المحفظة، بتأثير «من مقرّبين» من القذافي، وعلى رأسهم نجله سيف الإسلام ورئيس الوزراء البغدادي المحمودي، الأمر الذي دفع به إلى «اعتزال» العمل العام، والانكفاء في منزله الكائن في ضواحي طرابلس. ولم يعد «الدبلوماسي المتمرّس» إلى النشاط إلاّ عام 2011، حين تلقّى يوم 19 آذار، مع بداية تدخل «الأطلسي»، اتصالاً من القذافي يُعلمه فيه بأنّه يحتاج إلى خدماته. طلب منه أن يكون رجل «المرحلة الانتقاليّة»، ولكنه رفض، فأسرّ له القذافي بأنّه «يريد خروجاً منظّماً ولائقاً». وعليه، يقول صالح إنّه حرّك خيوط علاقاته المتينة، فجاب أفريقيا والتقى بعدد من قادتها، وسافر إلى باريس حيث قابل وزير الخارجيّة الفرنسيّ الأسبق آلان جوبيه، ورئيس وزراء قطر حمد بن جاسم. لكن لقاءه الأهم كان مع نيكولا ساركوزي في قصر فرساي، حيث عبّر أمامه عن غضب القذافي باعتبار أنّ ما فعله بالـ«خيانة»، ولكن الأخير أجاب بأنّه هو من تعرّض للغدر، في إشارة إلى تراجع القذافي عن استثمارات عملاقة تراجع عنها الطرف الليبيّ.
وبدفع منه، كما يقول، دخل رئيس وزراء فرنسا الأسبق، دومينيك دوفيلبان، على خطّ الوساطة، وبدأ الإعداد لعقد «مؤتمر مصالحة» تضمن «حصانة للقذافي». جرت التحضيرات على قدم وساق، وعندما كان صالح في مدينة جربة التونسيّة، في صدد الانتقال إلى قطر لإتمام الصفقة، تلقّى اتصالاً من زعيمه أمره فيه بالعودة إلى ليبيا قائلاً: «إذا ذهبت إلى قطر فسنمزّقك إلى ألف قطعة».