الجزائر ــ الأخبار

قبل ساعات فقط من وصول الرئيس التركي إلى الجزائر أمس، ظهر خلاف حاد بين قطاع من الجزائريين، حول شخصية رجب طيب أردوغان، بين من يعتبره «ديكتاتوراً لا يستحق الترحاب»، ومن يرى فيه «نموذجاً للنجاح الاقتصادي والفكري الذي يجب الاقتداء به». ولم يكن هذا السجال لينطلق لولا الشرارة التي أطلقها الكاتب كمال داوود (الصورة)، والتي سرت كالنار في الهشيم في ميدان بدا مهيّأً للاشتعال، نظراً إلى أنّ النقاشات والردود تركّزت حول الأيديولوجيات و«الهوية».

ومما كتبه الروائي داوود الذي يتحوّل شيئاً فشيئاً في الجزائر ومحطيها إلى شخصية مثيرة للجدل، أنّ أردوغان يمثل الإسلام السياسي الذي ترفضه الجزائر لأنها دفعت ثمنه غالياً. وجاء في مقالته التي «تُخاطب» أردوغان: «نحن بلد دفع ضريبة الدم والدموع لأولئك الذين أرادوا أن يفرضوا علينا خليفتهم، لأولئك الذين أرادوا تمرير أفكارهم على أجسادنا، لهؤلاء الذين أخذوا أبناءنا كرهائن وقتلوا عقولنا ونخبتنا ومستقبلنا. وهذه العائلة التي تتدحرج بنا باسم الله أو الدين، أنت تنتمي إليها وتموّلها، وتحلم بأن تكون قائدها العالمي».
واتهم داوود أردوغان بالرغبة في إعادة «احتلال الجزائر»، إذ إنّ «الإسلام السياسي الذي يمثل خبزك صنع مآسينا نحن. أنت تقدم الغطاء والأجنحة لأولئك الذين يريدون بلادنا راكعة أمام بابك العالي، لكنك تنسى أنك تمثل نقيض الروح التي تأسست عليها بلادنا. فأنت تكره الحرية والروح المنفتحة، وتحب التلاعب واستعمال الدين كسجل تجاري. أنت تحلم بخليفة على ظهورنا وعودة إلى أراضينا». وتابع متوجّهاً إلى الرئيس التركي في مقالته التي اتخذت شكل الرسالة: «هذا ما تقوم به بنعومة، عبر تمويل الأحزاب الإسلامية في بلادنا، وتقديم الهدايا لهم عبر مؤسساتكم، عبر التغلغل في نسيج الجمعيات، ومراقبة المساجد. إنها أساليب قديمة لإخوانكم المسلمين الذين يظهرون لنا بإحدى أيديهم سماء الله ويحفرون قبورنا بالأخرى».
هذا الكلام العنيف ما كان ليمر من دون أن يجرّ عليه وابلاً من الانتقادات والاتهامات، علماً بأنّ داوود كثيراً ما يُهاجم بسبب سعيه ليكون شخصية غريبة عن قضايا المجتمعات العربية، في مقابل «بيع» الصحف الغربية مقالات مثقلة بنمطيتها عن العالم العربي، بما يمكّن من وصفه بالـ«انعزالي».
أبرز ما يعاب عليه داوود أنّه يناقض نفسه، عندما يرفض زيارة أردوغان، بينما يشرع ذراعيه لاستقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زيارته الأخيرة للجزائر في كانون الأول/ديسمبر الماضي، في حين أنّ الموضوعية تقتضي، وفق ما كتبه ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، «أن يكون الرفض للاثنين معاً، كون فرنسا لم تكن تزرع وروداً في الجزائر».
وبرز من بين الذين توّلوا الرد زعيم أكبر حزب «إخواني» في الجزائر (حركة مجتمع السلم)، عبد الرزاق مقري، الذي هاجم داوود على صفحته على «فايسبوك» من دون أن يذكره بالاسم، قائلاً: «لم أكن أرغب في التدخل في الموضوع، ولكن «مكرة» في الخونة وعملاء الاستعمار والممسوخين حضارياً وثقافياً الذين يعبّرون عن حقدهم على كل ما له علاقة بالإسلام والمسلمين من خلال التهجّم على زيارة أردوغان الجزائر، أقول: مرحبا أردوغان. وألف مرحبا أردوغان». وتابع مستغرباً: «يبتهجون بزيارة ماكرون ويرفضون زيارة أردوغان: المسخ بعينه». وظهرت مئات التعليقات المؤيدة لكلام مقري من أنصاره داخل تيار «الإخوان المسلمين». وقال ناصر حمدادوش، رئيس الكتلة البرلمانية لـ«حركة مجتمع السلم»، في السياق نفسه، إنّ «حساسية البعض من العلاقات الجزائرية ــ التركية لها خلفيات تاريخية وإيديولوجية لأتباع فرنسا في الجزائر، الذين يريدون فرض وصاية عليها، والفوبيا من أي علاقات للجزائر مع بُعدها العربي والإسلامي، كما كرّسها التاريخ والجغرافيا والدين وبيان أول نوفمبر والدستور».
ويرفض تيار في الجزائر اعتبار الوجود العثماني، الذي كان في الجزائر، احتلالاً، لأن ذلك «كان في إطار الخلافة الإسلامية الواسعة، كما أن مجيء الدولة العثمانية كان بطلب من الجزائر لحمايتها من تربص الاستعمار الاسباني». لكن هذا الطرح مرفوض عند تيار آخر يرى أن العثمانيين لا يختلفون في شيء عن الاستعمار الفرنسي. وكتب في هذا الصدد الصحافي في جريدة «الوطن» الناطقة بالفرنسية، علي بوخلاف، في ردّه على عبد الرزاق مقري: «لا تنسَ الدور الذي لعبته تركيا في فترة حرب التحرير الجزائرية. لقد كانت أنقرة عضواً في حلف الناتو (ساعد فرنسا في حربها ضد الثورة الجزائرية). بالنسبة إلى الباقي، أنت حر في دعم رجل ينتمي إلى تيارك الأيديولوجي». وبين الموقفَين، يتخذ جزائريون آخرون موقف السخرية إزاء هذا السجال الذي يقولون إنه لا يعنيهم، خاصة أنّ طرفيه يندرجان ضمن فريق يبحث عن إدراج أي أزمة في الجزائر في إطار الأدلجة، ولذا يمكن القول إنّهما وجهان لعملة واحدة.