«قطر كدولة وكقضية صغيرة جداً، فهي ليست بالمسألة المهمة، لدينا قضايا أكبر نهتم بها كالاستقرار في العراق وسوريا وليبيا، وإيران، والقضاء على التطرف والإرهاب». تلك كانت كلمات وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، في خطابه أمام «المؤتمر الدولي لدعم دول الساحل الأفريقي»، في بروكسل، يوم الجمعة الماضي. كلمات أراد منها الجبير التشديد على ما دأبت عواصم المقاطعة، خصوصاً منها الرياض، على تأكيده منذ بلوغ إجراءاتها العقابية ضد الدوحة مستوى لم تحد عنه إلى الآن.


تريد السعودية، بشتى الطرق، أن تقنع الرأي العام بأنها اكتفت بصدّ أبوابها دون قطر، ومواصلة مسيرة «التعاون الخليجي» بعيداً عنها، حتى يقرر النظام القطري الاستجابة لمطالب خصومه، ولْتستمرّ المقاطعة والحال هذه عشرات العقود. كذلك، تجتهد السعودية في تثبيت سردية مفادها بأن أحداً ليس معنياً اليوم بإخراج الدوحة من «عزلتها»، وبأن كل ما يدور الحديث عنه من حين إلى آخر إنما هو «شطحات» من قبل قطر لإبقاء قضيتها حية على الساحتين الإقليمية والدولية. وما الإصرار السعودي على نفي الخيار العسكري نفياً قاطعاً، ولو من باب مجرد التفكير فيه، واعتبار رواجه عملاً قطرياً مقصوداً بهدف كسب التعاطف، إلا وجه من وجوه المحاولات المشار إليها.
كان بالإمكان تصديق الرواية السعودية لو أنه ليست ثمة مؤشرات إلى أن تقويض النظام القطري لا يزال هدفاً قائماً لدول المقاطعة، وأن الإحجام عن «مغامرات» عسكرية لم يكن إلا استجابة لضوء أحمر أميركي، تَعزَّز بالاتفاقية التي تم توقيعها بين الولايات المتحدة وبين قطر في الـ30 من شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، والتي تنصّ على «حماية قطر من أي تهديد خارجي يتهدد أراضيها». تحت هذا السقف، تواصل السعودية، وإلى جانبها الإمارات، «لَعِبها» من خلف الكواليس أملاً في تحقيق هدفين متصلين بالتتابع: أولهما إحداث انقسامات في عائلة آل ثاني الحاكمة في قطر، بما يسمح بتشكيل كتلة معارضة من داخل البيت، الذي يدرك السعوديون والإماراتيون تمسك القطريين به. وثانيهما، تكبير هذه الكتلة المفترضة، ومدّها بالدعم السياسي والإعلامي والدبلوماسي واللوجستي اللازم لتصدير نفسها إلى الرأي العام القطري، والعمل على خلخلة «نظام الحمدين».


تريد السعودية
تشكيل كتلة معارضة
بوجه النظام القطري


لم يكن الشيخ عبد الله بن علي آل ثاني «البيدق» الوحيد بيد دول المقاطعة، بل إلى جانبه أيضاً مجموعة أمراء منشقين عن مجلس العائلة، ومعارضين للشيخ حمد بن خليفة، وفي مقدمهم: مبارك بن خليفة آل ثاني، وسلطان بن سحيم آل ثاني، وفهد بن عبد الله آل ثاني. تم اختيار عبد الله، ابتداءً، ليكون قائداً لهؤلاء، ولما تسمى «المعارضة القطرية» عموماً، لكن «الطبخة شاطت» من قبل أن تبلغ الرياض وأبو ظبي أهدافهما. إذ إن رجل الأعمال القطري، المقيم في لندن، استشعر على ما يبدو خطورة «اللعبة» التي تريد السعودية والإمارات جره إليها، فآثر الانسحاب الذي كلّفه حريته، قبل أن يُفتضح الأمر ويطلق سراحه من مقر احتجازه في أبو ظبي. اليوم، تعوّل الرياض على من تبقى على أراضيها من أسرة آل ثاني، والذين كانت لهم أدوار منذ بدايات الأزمة، إلا أنها لم ترُج كثيراً بفعل تسليط الأضواء على عبد الله دون غيره، خصوصاً في المؤتمر المناهض للنظام القطري، والذي انعقد في العاصمة البريطانية أواسط شهر أيلول/ سبتمبر الماضي.
في الـ19 من شهر كانون الأول/ ديسمبر الفائت، انعقد، بدعوة من الشيخ عبد الله، الاجتماع الأول لمن سُمّوا «شيوخ آل ثاني» بالتزامن مع احتفال قطر بعيدها الوطني. برز يومها سلطان بن سحيم، نجل شقيق الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر الأسبق، متحدثاً عن «ضرورة عودة قطر إلى حضنها الخليجي والعربي»، ومؤكداً أن «أبناء قطر في الداخل والخارج سيعملون معاً من أجل هذه الغاية». كما برز، حينذاك، مبارك بن خليفة، حفيد ثاني بن جاسم بن محمد (نجل جاسم بن محمد، مؤسس الإمارة)، وفهد آل ثاني، حفيد أحمد بن محمد، شقيق المؤسس. كل من هؤلاء يتم، اليوم، تصديره عبر فعاليات ومنابر سعودية وإماراتية وبحرينية، وتسليحه بمحددات هي عينها ما يحكم خطاب دول المقاطعة، خصوصاً فيما يتصل بكون الأمير الحالي، تميم بن حمد، مجرد «واجهة» لـ«المتحكمَين الفعليَين» بالقرار، الأمير السابق حمد بن خليفة، ورئيس الوزراء، وزير الخارجية السابق، حمد بن جاسم.
يتنقل الأمراء الثلاثة ما بين السعودية والإمارات والبحرين، مكثفين لقاءاتهم بزعمائها، وظهورههم في محافلها العامة، في محاولة لتوصيل رسالة مفادها بأن ثمة بديلاً للوجوه الحاكمة في قطر. بديل يبدو أن الرياض تعول، أكثر ما تعول، في صياغة «رؤيته السياسية»، على «كبير» الأمراء، مبارك بن خليفة. لذا يتم تكثيف الترويج الإعلامي لهذا الأخير، وإفراد مساحة واسعة لسرديته في ما يتصل بالديناميات الحاكمة في قطر، وتزخيم وعوده بـ«العودة إلى قطر، والعمل على تنظيفها من العبثية التي تعمل على التفرقة بين دول الخليج، بمساعدة مستشارين من خارج قطر يقيمون على أراضيها»، وفي هذه الإضافة الأخيرة ما يمكن أن يُفهم منه أن «العمل على تنظيف قطر» ليس مجرد شعارات، إنما قد يكون عملاً أمنياً واستخبارياً جارياً بالفعل.
هل ستنجح السعودية في تحقيق ما تتطلع إليه؟ يبدو أن الهدف الأول المتمثل في إحداث انقسامات داخل آل ثاني بدأ بالتحقق فعلاً، بالنظر إلى التراشق الكلامي بين الأمراء الموالين للرياض وبين أقربائهم الموالين للدوحة، إلا أن دون تحقق الهدف الثاني المتمثل في ترجيح كفة معارضي النظام القطري لا تزال دونه عقبات كثيرة، ليست أقلها رابطة الولاء المتينة التي تجمع شرائح قطرية متعددة بالأمير السابق وأسرته.
(الأخبار)