انقضى اليوم الأول من «الهدنة الإنسانية» الروسية في غوطة دمشق الشرقية وفق المتوقع، إذ لم يشهد معبر مخيم الوافدين تدفّقاً لمدنيين من داخل الغوطة، رغم التحضيرات التي كانت حاضرة على الجانب الحكومي من المعبر، لهذا الاحتمال. وكما تم الإعلان من قبل الجانب الروسي، فقد توقفت العمليات العسكرية خلال فترة التهدئة المحددة، لتعاود النشاط بعد انتهائها وتشهد تصعيداً واسعاً في ساعات المساء.


وبينما أعلنت المصادر الحكومية الرسمية أن الفصائل المسلحة استهدفت بقذائف صاروخية محيط «الممر الآمن» المخصص لخروج المدنيين، أشار الجنرال الروسي المشرف على عمل مراقبة التهدئة في الغوطة الشرقية إلى أن هذا الاستهداف هو ما منع المدنيين من مغادرة الجيب الذي تسيطر عليه تلك الفصائل. وفي المقابل، سقطت عدة قذائف صاروخية أطلقها المسلحون على مدينة جرمانا، وأدت إلى إصابة عدد من المدنيين.
موسكو التي رعت هذه الهدنة المؤقتة، أعلنت عبر وزير خارجيتها سيرغي لافروف أنه يجب ممارسة ضغوطات على الفصائل لحثّها على الالتزام بقرارات مجلس الأمن ووقف استهداف دمشق ومحيطها. وقال في مؤتمر صحافي مع نظيره الفرنسي جان ايف لودريان، في موسكو، إنه ينبغي «التحقق بشكل عملي من مدى تطابق التطمينات (التي قدمتها) تلك المجموعات المسلحة باحترامها القرار الأممي، مع نياتها الحقيقية». أما الوزير الفرنسي، فقد رحّب بمبادرة «الهدنة الإنسانية» التي أعلنتها روسيا، على اعتبار أنها «فرصة لاستئناف الحوار». ولفت إلى أن «الفصائل الثلاثة الرئيسة الموجودة في الغوطة الشرقية (فيلق الرحمن وجيش الإسلام وأحرار الشام) أبلغت مجلس الأمن الدولي قبولها بالهدنة.


أفتى «المجلس الإسلامي السوري» المعارض بـ«وجوب قتال قسد»

ومن المهم أن يقول نظام (الرئيس) بشار الأسد هذا الأمر أيضاً». وأوضح أن المبادرة الروسية يجب أن تكون مرحلية، على أن يتم لاحقاً «إفساح المجال أمام عمليات الإجلاء الطبية للحالات الأكثر حرجاً». الإشارة الفرنسية إلى مدة الهدنة وطبيعتها، جاءت في موازاة تأكيدات من قبل الرئاسة الروسية على أن مآل التهدئة «رهن بطريقة تصرف المجموعات الإرهابية، وما إذا كانوا سيواصلون إطلاق النار». ويقود الحديث عن موقف الفصائل إلى تطور بارز حدث أمس، وهو إرسال فصائل «جيش الإسلام» و«فيلق الرحمن» و«أحرار الشام»، إلى جانب «فعاليات مدنية» في الغوطة، رسالة إلى رئاسة مجلس الأمن، تؤكد استعدادها الالتزام بالقرار الأممي للهدنة، والموافقة على ترحيل عناصر «هيئة تحرير الشام» وذويهم من الغوطة الشرقية بإشراف من مكتب المبعوث الأممي خلال 15 يوماً من نفاذ وقف إطلاق النار، وذلك في مقابل جملة من الإجراءات، بينها ضمان مرور المساعدات ونشاط المنظمات الأممية داخل الغوطة وإجلاء الحالات الطبية بشروط خاصة إلى مشافٍ خارج سوريا أو داخلها.
وتظهر عدة نقاط لافتة في الرسالة المشتركة، أهمها أن الفصائل التي اجتمعت وأخرجت صيغتها النهائية، سبق أن خاضت معارك داخلية في الغوطة نفسها. كذلك فإن المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا كان قد طرح، قبل تحرير كامل مدينة حلب، مبادرة مشابهة لإخراج عناصر «جبهة النصرة» من أحيائها الشرقية. وأثارت هذه الرسالة خلافات داخلية بين الفصائل المسلحة وجزء من «هيئة التفاوض» المعارضة و«الائتلاف»، إذ اعتبرت تلك الأطراف السياسية أن تمرير الرسالة إلى المجلس عبر طرف ثالث، من دون علم «الهيئة» أو مشاركتها، هو تخطٍّ لدورها في تمثيل المعارضة. وتحمل تلك النقطة إشارة إلى أن الرسالة وصلت مجلس الأمن عبر أطراف إقليمية أو دولية، وهو ما قد يعني استثمارها لاحقاً في سياق الضغط على موسكو في أيّ مفاوضات حول «الهدنة» التي أقرّها مجلس الأمن. ولم يقتصر موقف الفصائل على الرسالة، بل نفت بشكل كامل أن تكون قد منعت المدنيين من مغادرة الغوطة الشرقية. بدورها، انتقدت «الهيئة» المعارضة «تفسير» روسيا لقرار مجلس الأمن حول الهدنة، معتبرة أنه «لم تعد هناك أية قيمة» للقرار، بعد القرار الروسي. وقال المتحدث الرسمي باسمها، يحيى العريضي، إنه «ليس هناك فرق بين الفيتو في مجلس الأمن والفيتو على الأرض». وعلى الجانب الأممي، أكد الناطق باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية، يانس لاركيه، أنه لا يزال من المبكر الحديث عن أي عمليات إغاثة للمدنيين في ظل تواصل الاشتباكات، مضيفاً أن «الأمم المتحدة حشدت (جهودها) وهي مستعدة لدعم قوافل الإغاثة بشكل فوري لدخول عدة مناطق في الغوطة الشرقية لدى سماح الظروف بذلك». وبينما طلبت الولايات المتحدة الأميركية من روسيا «الضغط» لوقف الهجمات والالتزام بالهدنة في الغوطة، محذرة من «استخدام أسلحة كيميائية»، أطلقت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تحقيقاً حول الادعاءات باستخدام تلك الأسلحة في سوريا. وترافق ذلك بإعلان وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون أن بلاده سوف تبحث المشاركة في أيّ ضربات عسكرية ضد الحكومة السورية، إذا ظهر «دليل يثبت استخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين».
وبعيداً عن الغوطة، نقلت وكالة «الأناضول» عن مسؤول تركي قوله إن اللجنة المعنية باقتراح حلول للمشاكل في العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، سوف تعقد اجتماعها الأول حول الملف السوري في يومي الثامن والتاسع من آذار المقبل، في العاصمة الأميركية واشنطن. وهي لجنة من أصل 3 لجان جرى الاتفاق على تشكيلها خلال زيارة وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون لأنقرة، منتصف شباط. ويأتي هذا التطور فيما تتابع القوات التركية عملياتها في عفرين، ويستمر التصعيد في إدلب ومحيطها، بين «هيئة تحرير الشام» وتحالف «جبهة تحرير سوريا» (أحرار الشام وحركة نور الدين الزنكي). وبدا لافتاً أمس إصدار مجلس الإفتاء في «المجلس الإسلامي السوري» فتوى تقضي بـ«وجوب قتال قوات سوريا الديموقراطية». «المجلس» المحسوب على تركيا، والذي رعى محادثات تشكيل «جبهة تحرير سوريا»، قبل فترة قصيرة، رأى أن «قسد» تملك «تحالفات مشبوهة مع النظام السوري والولايات المتحدة، ولها أهداف في تقسيم البلاد والإضرار بالثورة السورية». وأضاف أنه «لا نرى مانعاً شرعياً من التعاون مع الحكومة التركية في مقاتلة المجرمين من الدواعش وميليشات (قسد) الانفصالية».
(الأخبار)