ظلت أبواب «القيامة» موصدة لثلاثة أيام متواصلة، بقرار أُعدَّ سابقة خطيرة. الإغلاق جاء في سياق الاحتجاج على إعلان اللجنة الوزارية الإسرائيلية لشؤون التشريع أنها بصدد مناقشة قانون لفرض ضرائب على أملاك الكنائس وما بيع من أوقافها حتى عام 2010 بأثر رجعي. لكن مع حلول المساء، خرج رئيس «التجمع الوطني المسيحي في الأراضي المقدسة»، ديمتري دلياني، ليعلن أن «الكنائس انتصرت في هذه المعركة، التي تُدار في إطار الحرب الاسرائيلية ضد كل من هو غير يهودي».


إعلان دلياني كان ليعتبر «انتصاراً حقيقاً»، كما تشرح مصادر «الأخبار»، لولا أنه أتى في سياق ما اعتبر «مسرحية فاشلة» بطلها البطريرك ثيوفيليوس؛ فبالإضافة إلى كون رئيس «التجمع المسيحي» محسوب على البطريرك المشبوه، هو أيضاً صديق المتورط في صفقات تسريب عقارات وبيوت عربية في القدس، القيادي المفصول من حركة «فتح» محمد دحلان وأتباعه. وبكلمتين مفتاحيتين على الشبكة العنكبوتية، تحملان أسمي دحلان ودلياني، يمكن إيجاد كم هائل من المعلومات، أو التقارير التي دافع فيها الاخير عن الأول ومناصريه.
أخيراً، جمّدت بلدية الاحتلال كل إجراءات جباية ضرائب الأرنونا (الاملاك) التي فرضتها على الكنائس في القدس المحتلة. وأعلن رئيس البلدية الاحتلالية، نير بركات، إقامة «طاقم مهني برئاسة الوزير تساحي هنغبي وبمشاركة كل الجهات المعنية من أجل إيجاد حل لقضية الأرنونا المفروضة على مناطق بملكية الكنائس، ليست أماكن عبادة».

قصة الإجراءات الأخيرة


قيمة الضرائب عن 887 عقاراً كنسياً بأثر رجعي منذ 2010 بلغت 190 مليون دولار

«كنيسة القبر (القيامة)، ودور العبادة التابعة لكل الكنائس معفاة من الأرنونا (ضريبة الأملاك)، لا يوجد تغيير في الوضع القائم، وهكذا سيستمر». التصريح لنير بركات، قبل أن يستدرك، متسائلاً: «لكن، هل من المنطقي أن تُعفى الأماكن التجارية مثل الفنادق وقاعات الاجتماعات من الأرنونا فقط لأنها تابعة للكنيسة؟ لماذا إذاً فندق ماميلا يدفع ضريبة الأرنونا، وفندق نوتردام يُعفى من الضرائب؟». علماً أن فندق ماميلا كان تابعاً للأملاك الأرثوذوكسية، قبل أن يبيعه البطريرك ثيوفيليوس الثالث كغيره للجمعيات الاستيطانية، ويصنف بموجب ذلك ضمن عقارات «مدينة داوود»!
بركات أضاف أنه «على مدى سنين، الدولة لم تسمح للبلدية بجباية هذه المستحقات عن المساحات التجارية، التي وصلت إلى 650 مليون شيقل (أكثر من 190 مليون دولار أميركي)... هذا غير قانوني وغير منطقي. فإما أن ترجع الدولة هذه الأموال إلينا من أجل تطوير المدينة، أو فإننا سنستمر في جباية الضرائب من الكنائس كما ينص القانون. لن أوافق بعد الآن على أن يدفع سكان القدس كل هذه المبالغ الضخمة».
عقب تصريحات رئيس البلدية، قرر بطاركة الكنائس الثلاث (الروم واللاتين والأرمن) إغلاق كنيسة القيامة، في خطوة صُنفت ضمن الاحتجاج السلمي. الإغلاق الذي استمر لثلاثة أيام، جاء رداً على اعتبار إسرائيل أن المؤسسات الكنسية تدير مؤسسات تجارية لا تستخدَم كدور للعبادة أو تعليم مرتبط بالعبادة. وعليه فإن قيمة الضرائب عن 887 عقاراً كنسياً، تمثل مساحة 30% من مدينة القدس، بأثر رجعي منذ 2010 بلغت 190 مليون دولار.
مطالبة المؤسسات الكنسية بدفع هذه الضرائب عُدَّت «خرقاً سافراً» لـ«الستاتيكو» المعمول به منذ العهد العثماني، الذي بموجبه تُعفى دور العبادة، سواء أكانت مسيحية أم إسلامية، من دفع الضرائب. ولذلك إن إغلاق كنيسة القيامة، الذي أتى بعد الحجز على بعض حسابات الكنائس بملايين الشواقل، عُدّ «خطوة في الاتجاه الصحيح».

«خرق الستاتيكو» للمدافعة عن البطريرك؟

صوّر الأمر وكأن هناك مراهنة للاحتلال تعتمد بالأساس على أن القرار قد يسهم في بيع تلك المؤسسات الكنسية لمصلحته بأسعار زهيدة. والخيار الثاني هو حجز كافة حساباتها وعقاراتها بسبب عدم القدرة على تسديد الضرائب المطلوبة، وبالتالي طرحها في مزاد علني بأسعار رخيصة، ما قد يسهّل وصولها إلى أيدي الجمعيات التلمودية والتوراتية الاستيطانية، من طريق التسريب بالبيع أو التأجير لفترة طويلة الأجل.
لكن، على الرغم من أن الإغلاق هو تأكيد أن مكانة كنيسة القيامة لا تقل أهمية عن الحرم القدسي، للنواحي التاريخية والحضارية والدينية، إلا أن توقيع البطريركية اليونانية متمثلة بثوفيليوس الثالث على القرار، يطرح تساؤلات عديدة، أهمها: هل استغل البطريرك القرار من أجل تبييض صفحته، ومعه كل من باع وسرّب أو أجّر أملاك الكنيسة العربية الأرثوذكسية للمؤسسات والجمعيات الاستيطانية بأسعار زهيدة جداً؟ على السؤال تجيب قائدة «حراك الحقيقة»، نيفين أبو رحمون، شارحةً لـ«الأخبار» أن «ثيوفيليوس والمجمع الكنسي المرتبط به من أخوة القبر المقدس أنفسهم يجب أن يبقوا الرموز والعناوين للفساد والتفريط بالأراضي والممتلكات الكنسية». وتؤكد أن «شيئاً لن يغير من حقيقة تفريطهم بالأملاك الأرثوذكسية التي تقريباً لم يبقَ منها شيء».
وتساءلت أبو رحمون، التي يقود حراكها أكثر من نشاط في هذا الاتجاه: «لماذا تصرّ البطريركية على عدم فتح الملفات أمام المهنيين والحقوقيين لدراستها ومحاسبة المفرطين بقضية وطنية كهذه؟».
من جهة ثانية، قال رئيس «الهيئة الشعبية العالمية لعدالة وسلام القدس»، الأب مانويل مسلم: «لنتفق على أن المسيحيين هم مكوّن أساسي من مكوّنات الشعب الفلسطيني، وما يحصل في القدس يبدو مكملاً للمشهد القائم في المنطقة». مسلم شرح لـ«لأخبار» أن الهدف الأساسي «يندرج ضمن محاولات سلخ المسيحيين عن امتدادهم وهويتهم العربية... الأوقاف والكنائس وكافة المقدسات بالنسبة إلى المسيحي ليست مجرد أبنية تاريخية أو دينية، بل هي دليل على علاقته وحقه التاريخي في هذه الأرض». من وجهة نظر الأب مسلم، إن «إجراءات الاحتلال أعادت إلى الواجهة حقيقة كون المسيحيين جزءاً لا يتجزأ من هذا الصراع الممتد منذ عقود». أمّا بالنسبة إلى مخاوف الطائفة، فهي لا تنحصر فقط بتجريدهم من حقوقهم التاريخية، بل «تمتد إلى حد أصبحت فيه القدس بدلاً من كونها مدينة تستقبل منذ آلاف السنين المبشرين بالسلام والمحبة، باتت تستقبل أقدام الجنود المبشرين بالخراب والعنف واحتقار الإنسان».
تكمن خطوة الاحتلال في اتجاهين: الأول، أنها تأتي ضمن السياق العام لتغيير معالم القدس خدمة للاستيطان والتهويد، وللنيل من مكانة المدينة وهويتها العربية الفلسطينية. كذلك فإنه لا ينفصل عن السياسة الممنهجة لفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على كافة مفاصل الحياة؛ بدءاً من مصادرة الأرض والأوقاف وهدم البيوت، مروراً بإلزام المدارس بمنهاج تعليمي إسرائيلي كشرط لحصولها على ميزانية، وليس نهاية بالاعتراف الأميركي بها كعاصمة لدولة الاحتلال، ونقل سفارته إليها لاحقاً.
أمّا الاتجاه الثاني فيأتي في سياق الأزمة التي تعيشها الكنيسة المقدسيّة الشرقية، فبينما يحاول مسيحيو فلسطين من أبناء الطائفة الأرثوذكسية تعريب الكنيسة، واستعادتها من الهيمنة اليونانية، يستغل بطريرك المدينة المقدسة وسائر فلسطين وسوريا العربية والأردن وقانا الجليل، ثيوفيليوس الثالث، القرار الإسرائيلي، ليظهر بثوب البطل المناضل!