تونس | في مقابلة أخيرة، أجراها عالم الاجتماع آصف بيات، عن تونس*، يقول: «لا تتعلق الثورات بما يحصل في القمة فقط ــ أي على مستوى الدولة... هي تتعلق أيضاً بما يحصل على مستوى القاعدة، ويتصل السؤال بهذا الملمح القاعديّ للثورة التونسيّة... تقوّض الثورات على نحو جديّ، إن لم تفكّك، الدول والسيطرة «البوليسية» القائمة، وتفتح بذلك فضاءً حراً في قاع المجتمع لصالح المجموعات التابعة حتى تؤكد ذواتها، وتقول نحن موجودون، وتطرح مطالبها، في وضع ترفع فيه الثورات من سقف توقعاتها».


في تونس، وفي سياق ما بعد 2011، بدأ الشارع يستفيق على وقع إيقاع شبابيّ غير معهود، ساهم في تحويل طبيعة الفضاء العام إلى مسرح مفتوح لعرض تعبيرات «فنّ الشّارع» ذات الطابع المتمرّد والمستفز للمخيّلة الشعبية، ينثرها الشباب بين شقوق جدران شارع الحبيب بورقيبة وعلى أرصفته، تعبيراً منه عمّا يحمله من مواقف سياسيّة واجتماعيّة، ومحاولاً خلق هوية مختلفة بريشته الخاصة.
عوض أن يغمس إصبعه في حبر أزرق ويشارك في «العرس الانتخابيّ» وينتظر مع الجميع لحظة إعلان نتائج التصويت ليهلِّل فرحاً للفصيل السياسي الفائز، وعوض أن يُقدِّمَ نفسه كبش فداء للأحزاب السياسية ذات الطابع المترهل خدمة لصورتها وتزيّنها أمام الرأي العام، اختارت زُمرٌ من الشباب أن تسلك دربها الخاص في ممارسة فعلها السياسيّ: خرجت عن الأطر الكلاسيكيّة الحزبيّة والجمعياتيّة، واتجهت صوب فضاء الشّارع المفتوح، تلتمس من خلاله استراتيجيات بناء شخصيتها المستقلة عن النسق النمطي لمحيطها، وممارسة تعبيرات سياسيّة وفنيّة دون قيود أو طاعة لـ«لأب القائد».

التعبيرات الفنية

لَئِنْ ضعف الزخم السياسي المباشر في شوارع تونس، فإنّه لم يختف، ويمكن رؤية آثاره في التعبيرات الفنيّة: أصبحت لوحات الغرافيتي إحدى وسائل الشباب للتحاور مع محيطه الاجتماعيّ والسياسيّ ولسان لحاله، مسخِّراً الحائط للتعبير عن مواقفه وأفكاره ومراقبة أداء الفاعل السياسيّ، مضمناً ذلك مجموعة من الرسائل النقديّة.
تَستخدم أغلب الحركات الاحتجاجيّة الشبابيّة، ومجموعات أو أفراد يُفضِّلون البقاء مجهولي الهويّة، رسومات جداريّة ما زالت رغم محاولات السلطة المتكررة لمحوها، مطبوعة، لا فقط في الطرق والأزقة المجاورة لشارع الحبيب بورقيبة، بل تقريباً في كامل أرجاء العاصمة التونسيّة وضواحيها، وفي ذاكرة من قرأها. أما الفرق الموسيقيّة، التي سبق أن تعرّض عدد منها للإيقاف الأمنيّ المتكرر، فعادة ما تختار معزوفات غنائية ذات طابع سياسيّ، تحمل قضايا متنوعة، وتُنشد بلغة مشفّرة ومجازيّة يصعب على قوات الأمن فهمها، ما يُسهِّل عملية تمرير رسائلها وبثّها.
هذه الظواهر، يُمكن إرجاعها إلى متغيرات عدة، أبرزها انعدام التمثيلية السياسية للشباب وتدنّي ثقته في الحكام بسبب الهُوّة الحاصلة بينه وبينهم. ونظراً إلى القيمة المعنوية التي لشارع الحبيب بورقيبة، المترسخة في الذاكرة الجماعيّة التي جعلت منه دلالة وطنية رمزية، فقد صار ملجأً يستغله الشباب لتحقيق البروز والانتشار، ويستلهم من أعماقه تعبيراته الموسيقيّة والمسرحيّة وكتاباته الجداريّة ونصوصه النثريّة التي يعمل من خلالها على إعادة رسم معالم جديدة لواقعه الاجتماعيّ ومعالجة ما يطفو على سطحه من أزمات بأسلوب فنيّ مسيّس.


«من الشارع وإليه»


هؤلاء الشباب، يلعبون دور «المثقف العضويّ» بالمفهوم الغرامشيّ، أي الحامل لقضايا الطبقات الاجتماعيّة المضطهدة، وهو ما يفسّر رفضهم تلقيب أنفسهم بـ«فنانين»، ذلك أنّ المنتمي إلى ثقافة «فن الشارع» النابعة من «تحت الأرض» والقائمة على نزعة مقاومة وتمرّد على الحكم والعادات، لا تهمه الألقاب الفنيّة التجاريّة بقدر ما يهتم بالتسميات الرمزيّة التي تخدم أثر تعبيره.
بالعودة إلى أدبيّات علم اجتماع الفنّ، ثمة تعريفات مختلفة مسندة لـ«فنّ الشّارع»، تتنوّع وفق خصوصيات السياق السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ المنبثق منه. والحقّ أنّ هذا الضرب من التعبير خصوصيّ في حدّ ذاته، ذلك أنّه لم يتخلّق عن المقاربات الثقافية الكلاسيكية المعهودة في إنتاج الأعمال الفنيّة، بل كان وليد الشارع وثقافة «الهيب هوب» التي برزت في ستينيات القرن الماضي في أميركا خلال الحركة التحررية للسود لتطرح تجديداً على مستوى المفهوم والممارسة والأهداف والقضايا التي يعالجها الفنّ والرسالة التي يحملها وقنوات إيصالها.
على الرغم من صعوبة إيجاد تعريف دقيق «لفنّ الشّارع»، فهو إلى جانب معجمه اللغويّ الرمزيّ، وطابعه العفويّ الذي يجعل ممارسيه غير متفقين بدورهم حول بداية حدوده ونهايتها، يتفق الباحثون على اعتباره شكلاً من الأشكال الفنيّة الجديدة التي لم تُدمج بعد، على الأقلّ بصفة كليّة، في شبكة المؤسسات الثقافيّة، حيث يختار أفراده الشّوارع كمعرض للصور ومنصة للعروض «الفرجويّة» الحيّة التي يكون فيها في التواصل مع الجمهور مباشراً دون أيّ حواجز.
ساهمت تعبيرات «فنّ الشّارع» في إكساب شارع الحبيب بورقيبة طابعاً خاصاً يجعله نقيض رواق العرض التشكيليّ المحترف، الخاص أو التابع للدولة، ونقيض الترتيب الرسميّ للفضاء المدينيّ. بالإضافة إلى تحويل أرصفته وجدرانه من مجرد مسالك مخصّصة للعبور، إلى منطوقة فنيّة بتعبيرات شبابيّة ساهمت في إخراج المجتمع من كليّته ووحدته وشموليّته نحو إبانة ثرائه الثقافيّ والاجتماعيّ، وجعله فضاء للتجمهر التلقائيّ تنسج في سياقه علاقات مباشرة يكون للمتلقي فيها حرية التجربة والتفاعل.
وبقدر ما يمنح زوال سلطة الشّارع التقليدية إمكانيةً للشباب للتخلص من سلطة الضّغط الاجتماعيّ، بقدر ما يخضعه لضغوطات جديدة نابعة عن سياسة الرفض التي يجابهها من قبل هياكل السّلطة والمخيال المجتمعيّ الرافضة لشكل ومضمون تعبيرات فنّ الشارع لتمسكها بالمرجعيّات التقليديّة للفعل الفنيّ والسياسيّ بهدف الحفاظ على تماسك المجتمع واستقرار نظامه واستمرارية نسقه.
آصف بيات، يقول في مقابلته نفسها إنّ «الثورات تُحرر طاقة هائلة لدى الناس برؤيتهم أفقاً جديداً مقبلاً، يقع الشباب في محور هذه المسارات، حيث يختبرون أفكاراً وأحاسيس وفضاءات جديدة للتعبير عن ذواتهم». وهكذا، فقد ساهمت تعبيرات «فنّ الشّارع» في السنوات الأخيرة في زعزعة التمثّلات القديمة للوعي الجمعيّ حول المساحات العموميّة، وخاصة شارع الحبيب بورقيبة، وتحويله إلى فضاء تعلم وتدريب ومسرح مليء بالرموز التفاعليّة التي تنفي عنه صفة الجمود وتنزع عنه ثوب القلق والكآبة.
اقتباساً من مقابلة بيات أيضاً، لعلّ من المفيد الاختتام باعتقاده «بأنّ الشباب قد عاش في تونس بعد الثورة خيبة أمل جديّة في ما يرتبط بالسياسة المؤسساتيّة، على غرار التصويت. هذا أمر مؤسف، ولكنّه غير مؤكد... وأظن أنّ الشباب وجّه طاقته ونشاطه إلى مواقع مختلفة: إلى الفنّ، الثقافة، الموسيقى، وربما إلى النشاط في المجتمع المدنيّ، زهذا تطوّر جيّد، يُبطل حالة انفكاك السحر والقنوط».

*أعدّها إحسان الماجدي وحبيب الحاج سالم، وستُنشر قريباً