تونس ــ الأخبار

مع سقوط نظام زين العابدين بن علي في 2011، وقدوم «حركة النهضة» إلى الحكم على رأس تحالف «الترويكا»، شهدت العلاقات التونسيّة ــ السعوديّة تدهوراً غير مسبوق. فإلى جانب مسألة احتضان الرئيس الهارب، فشلت زيارة حمادي الجبالي، رئيس الحكومة زمن حكم «النهضة»، للسعوديّة في إذابة الجليد وإزالة التحفظات.

بدا حينها أنّ المملكة متحفّظة على وجود «الإسلاميّين» في الحكم، وهو ما انعكس تراجعاً في وتيرة استثماراتها في تونس، وحجمها، إضافة إلى غياب الدعم الاقتصاديّ بشكل شبه كامل. وتُعتبر السعوديّة ثالث أهمّ الدول العربيّة المستثمرة في تونس، حيث يتركز ثقل مشاريع رجال أعمالها التي تبلغ قيمتها حوالى 800 مليون دولار، في قطاعي العقارات والسياحة. (شيّد رجل الأعمال صالح كامل، مثلاً، «ضاحية البحيرة»، وهي إحدى أفخم ضواحي العاصمة، إضافة إلى امتلاك رجال أعمال آخرين بعض أفخم الفنادق في البلاد).
مع تغيّر الرياح السياسيّة، ووصول الباجي قائد السبسي، عام 2014، إلى رأس الدولة، برفقة حزبه «نداء تونس»، توجهت الرغبة مرّة أخرى لإحياء العلاقات. ورغم بقاء التحفّظ من الجانب السعوديّ حول «مشاركة الإسلاميّين» في الحكم، استغل قائد السبسي، فور تسلمه منصبه الجديد، مناسبة وفاة الملك عبد الله، ليجري زيارة مكوكيّة دامت ثلاث ساعات، مهّدت الطريق لزيارة أخرى نهاية 2015 أبدى خلالها تودّداً نحو المملكة، وأظهر اعتراضه على السياسة الإيرانيّة في المنطقة. إضافة إلى ذلك، أعلنت تونس انضمامها إلى «التحالف الإسلامي» فور إعلان محمد بن سلمان عنه (بقيت عضويتها صوريّة بعد انتقادات داخليّة شديدة).


ثمة أحاديث عن ضغوط
على تونس للحدّ من نشاط
«اتحاد علماء المسلمين»

لكن على الرغم من التطمينات والاستعدادات الكلاميّة التي أبدتها السعوديّة، لم يعرف الملفّ الاقتصاديّ تطوّراً نوعيّاً خلال العامين الأخيرين، خاصة مع توجّه تونس الملتزم بنوع من التوازن في سياستها الخارجيّة، الأمر الذي برز خاصّة في «الأزمة الخليجيّة» التي تتخذ منها موقفاً محايداً، ترى قطر أنّه يخدمها فيما يرى المحور السعوديّ أنّه غير كافٍ. وفي العام الأخير، ظهرت، وبطلب تونسي، بوادر سعوديّة لإقامة بعض المشاريع الصغرى البعيدة عن الطابع الاستثماريّ التجاري، مثل ترميم «جامع عقبة بن نافع» في القيروان (اتفاق في تموز/ جويلية الماضي) أو إنشاء مستشفى جامعيّ. وجدير بالذكر أنّه في بداية الشهر الماضي، أعلن السفير السعودي لدى تونس، محمد بن محمود العلي، عن تبرّع دولته بنحو 5 ملايين دولار «لترميم جامع الزيتونة، وصيانة مسجد الملك عبدالعزيز» الواقع في ضواحي تونس، على أن «يتولى الصندوق السعودي للتنمية وسفارة المملكة لدى تونس والجهات المختصة في الحكومة التونسية الإشراف والمتابعة والتنفيذ على المشروعين»، وفق ما نقل الإعلام المحلي.
ويحافظ كلّ ذلك على «شعرة معاوية» بين البلدين، وقوامها حضور اقتصاديّ رمزيّ للسعوديّة في مقابل دعم معنويّ تقدمه لها تونس، يتمدد وينحسر من دون وجود التزامات واضحة أو خطوات ملموسة.
إلا أنّ زيارة الوفد التونسيّ حالياً للمملكة تكتسب أهميّتها من طابعها الأمنيّ، وذلك رغم غياب المعطيات حول الملفات التي تمّ بحثها، وانعدام وجود سياق واضح لها. كلّ ما يتوافر حول الزيارة هو بيان قديم نشرته وزارة الخارجيّة السعوديّة يفيد باستقبال وزير الداخليّة التونسيّ، لطفي براهم، للسفير السعوديّ خلال كانون الثاني/ جانفي الماضي، وقد تلت ذلك اللقاء «الزيارة المفاجئة».
وقد وصل براهم إلى المملكة مساء يوم الأحد، من دون أن يُعلن عن ذلك مسبقاً، والتقى يوم الإثنين وزير الداخليّة السعوديّ، ليتحوّل يوم الأربعاء إلى قصر اليمامة لملاقاة الملك سلمان، في لقاء قالت وكالة الأنباء السعودية الرسمية إنّه تمّ خلاله «استعراض العلاقات الثنائيّة بين البلدين... ونقل تحيّات الرئيس التونسيّ(!)»، من دون ذكر تفاصيل أخرى.
وفي السياق، نقلت «مجلة سطور» التونسيّة، وفقاً لما قالت إنّها «تسريبات» حصلت عليها، أنّ الرياض أبلغت وزير الداخليّة التونسيّ رغبتها في وضع حدّ لنشاط مكتب «الاتحاد العالميّ لعلماء المسلمين» في تونس، الذي يرأسه عبد المجيد النجّار، القياديّ في «حركة النهضة» وأحد أبرز منظريها. وقد سبق أن صنّفت السعوديّة والإمارات والبحرين ومصر «الاتحاد» في قوائمها للمنظمات الإرهابيّة في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي، في قرار أثار نقاشات حادة في حينه، خاصة حول انعكاس التصنيف على قياديّي «النهضة» الأعضاء فيه.
وفي حديث إلى «الأخبار»، يقول القيادي في «الحركة» عبد الحميد الجلاصي إنّه «في حال كان الخبر صحيحاً، فنحن في بلد ديموقراطيّ، ولا يمكن اتخاذ قرار كهذا من دون المرور بالقضاء التونسيّ المستقل الذي يحظى بكامل ثقتنا». وفي تقييمه للزيارة، يضيف الجلاصي أنّ «حركة النهضة تقف ضدّ سياسة المحاور، سواء تعلّق الأمر بالسعوديّة أو قطر أو إيران أو تركيا، وترحّب بأيّ خطوة تصبّ في اتجاه تحسين علاقات تونس مع الأشقّاء، من دون أن يكون لدينا أيّ مخاوف مهما كانت طبيعتها».
ورغم أنّ «التسريب» نقله موقع آخر مساء أمس، هو «نورث أفريكا بوست»، فمن الجدير ذكره أنّه قبل اندلاع الأزمة الخليجية، في بداية الصيف الماضي، كان «بمقدور قياديي النهضة فتح خطوط تواصل مع القيادة السعودية. وزعيم الحركة راشد الغنوشي، وغيره، كانوا يزورون بشكل متكرر المملكة، بالأخص تحت شعار أداء مناسك الحج والعمرة، مؤمنين بذلك التفاهم بين السعودية وتونس»، وفق ما يقول الباحث يوسف الشريف في مقالة سابقة له. علماً بأنّه سبق لراشد الغنوشي، كما يُقال، أن حاول في بدايات عهد الملك سلمان لعب دور «وسيط» بين «إخوان» مصر والنظام القائم في مصر.