«تحوّلت تركيا إلى سجن كبير بيد حزب العدالة والتنمية»، هكذا لخّصت الكاتبة التركية، حميدة ييغيت، حال البلاد اليوم في حديثها إلى «الأخبار»، فيما تواجه هي نفسها عدة دعاوى قضائية بتهم «إهانة رئيس الجمهورية وتحقير الدولة ومدح الإرهاب»، بعد إضاءتها على انتهاكات «العدالة والتنمية» في الداخل والخارج، خصوصاً تلك المتعلقة بعلاقته بتنظيمات إرهابية في سوريا.


أجبرت ييغيت على التقاعد في آب المقبل، تحت وطأة التهديدات والمحاكم والتحقيقات، لكن ابنة مدينة أنطاكية في لواء اسكندرون، واصلت الكتابة. منذ عام 1992، تواجه معلمة الفلسفة عواقب أن تكون معارضة في تركيا، إذ أُنهيَ عملها حينها باحثةً في جامعة أنقرة، لأنها «لم تصمت أمام الظلم». وفي موازاة التدريس، استمر نضالها في صفوف نقابة التعليم (EĞİTİM SEN)، وكانت عضو هيئة مركزية في اتحاد نقابات الموظفين العاملين في القطاع العام (KESK).
بعد ذلك، بدأت مرحلة «الربيع العربي». بالنسبة إلى ييغيت التي رأت «الكمّ الهائل من الأكاذيب في الإعلام»، كان من الضروري «كتابة الحقائق في مواجهة الكذب الذي يغلف الحملات الإمبريالية». هكذا، ومن منطلق «الواجب الإنساني»، آثرت على كشف «حقائق ليبيا وسوريا». الهدف من ذلك، «نشر الأسباب الحقيقية للهجوم الإمبريالي على سوريا»، ليصدر لها في عام 2014 كتاب بعنوان «حرب حزب العدالة والتنمية في سوريا... أحلام أردوغان المنهارة»، بالتعاون مع الصحافي السوري سومر سلطان، إضافة إلى كتابٍ ثانٍ في العام نفسه بعنوان «الربيع الدامي في ليبيا... قتلناكم كي نحرركم».


تزامن الضغط الداخلي مع إفلاس السياسة الخارجية لـ«العدالة والتنمية»

في العام التالي، وبعد نشر الكتابين، أطلقت وزارة التعليم تحقيقاً بحقّ ييغيت، بتهم عديدة، من بينها إهانة رئيس الجمهورية، وتحقير الدولة، ومدح الإرهاب: «كانت النية وقتئذ معاقبتي عبر منعي من التدريس». نتج من التحقيق رفع ثلاث دعاوى بحقها، اثنتان منها بتهمة إهانة رئيس الجمهورية، وواحدة بتهمة تحقير الدولة، لتنال حكماً بالسجن لسنة وثلاثة أشهر بتهم إهانة الرئيس. ورغم تأجيل تنفيذ الحكم بحقها، لكن نيلها حكماً ثالثاً عن التهمة نفسها سيؤدي إلى سجنها عن الدعاوى كلها. لم تتوقف ييغيت عن الكتابة، رغم رفع دعاوى جديدة بحقها تتضمن خمس تهم مختلفة، بعيد استكمالها لكتابها الثالث عام 2016 بعنوان «داعش بكل نواحيه... الجهاد من أجل أميركا من القاعدة وحتى داعش».

ملاحقات من عائلة أردوغان

يركز كتاب ييغيت الأخير على تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، اللذين تقول الكاتبة إنهما اليوم «ذريعة التدخل في سوريا». تذكر الكاتبة كافة داعمي «داعش» وتستند إلى وثائق، وبالطبع «لا يمكن التحدث عن داعمي داعش دون المرور على الحكومة التركية». موضوع «علاقات تركيا وداعش» احتلّ باباً في كتاب ييغيت: «في هذا الباب تناولت كيفية تجنيد المقاتلين التكفيريين في تنظيم داعش وغيره من التنظيمات الجهادية عبر تركيا، يعني هذا أن تركيا هي بوابة الجهاد العالمي. أيضاً تناولت مواضيع ذات صلة مثل المساعدات التي حصلت عليها هذه التنظيمات عبر الجمعيات الخيرية، وتفكيك المعامل السورية ونقل الآلات إلى تركيا، وسرقة الآثار ونهبها وتهريبها إلى تركيا، ومنها إلى البلدان الأوروبية، وكذلك نقل النفط من تنظيمي النصرة وداعش إلى تركيا، وحصول الجهاديين المصابين على العلاج في تركيا».
شكّل هذا الكتاب مصدر إزعاج كبير للعديد من الأطراف في تركيا، اتُّهمت على إثره الكاتبة بـ«القيام ببروباغندا لمصلحة التنظيمات الإرهابية» على خلفية قسم تحدثت فيه عن أكراد سوريا و«حزب الاتحاد الديموقراطي»، وفق ما قالت في حديثها إلى «الأخبار». ورغم حصولها على البراءة في تلك القضية، لكن قضايا أخرى رفعت ضدها بسببه، من عدة أطراف، بينهم «ما يسمى جهاز المساعدات الإنسانية (IHH)، وهي جمعية معروفة بالدعم الذي تقدمه للجهاديين تحت مسمى المساعدات الإنسانية»، بحسب تعبيرها. طالبت الجمعية بإنزال العقوبات بحق ييغيت وتغريمها بأربعين ألف ليرة تركية (نحو عشرة آلاف دولار) وطالبت بسحب الكتاب من المكتبات.
«المشتكي الآخر هو وزير الطاقة برات البيرق، صهر أردوغان، الذي برز اسمه في الشركة التي تنقل نفط داعش»، تتابع ييغيت، التي اشتكى بحقها أيضاً بلال أردوغان، نجل الرئيس، «الذي يعرف بامتلاكه أسطول السفن الذي ينقل النفط الداعشي». كذلك الأمر بالنسبة إلى شقيق الرئيس مصطفى أردوغان، وصهره زيا أولغين اللذين تقدما بشكاوى تتهم ييغيت بشتى الاتهامات، «وفوق هذا رُفعت دعوى بحقي بتهمة تحقير الدولة وإظهار الحكومة بمظهر مجرم الحرب، وطالبت بمحاكمتي بمقتضى المادة 301 من قانون العقوبات التركي. هذه الدعاوى ما زالت مستمرة».

«الـ50 في المئة خاصتي»

قصة حميدة ييغيت، تشبه عديداً من القصص في تركيا اليوم، ومع أنها نجت من السجن، حتى الآن، لكن «149 صحفياً وعاملاً في الإعلام» لم ينجوا منه، وطُرد أكثر من 150 ألف شخص من وظائفهم. كذلك، «طرد ألفا أستاذ جامعي من جامعاتهم». طُرد أيضاً «رؤساء أكثر من 94 بلدية، انتخبهم الشعب، وعيّن حزب العدالة والتنمية بدلاً منهم موالين له»، وفق ما أخبرتنا.
قصتها مثال على «الضغط الذي تتعرض له كل الحقوق الأساسية والحريات العامة» اليوم في تركيا، وفق توصيف ييغيت، التي تضيف أنه فيما هناك ضغوط على حرية المعارضين، ولكن في المقابل «يتمتع الموالون لحزب العدالة والتنمية بحرية مبالغ بها، لدرجة باتوا يهددون فيها كل من يشاؤون بكامل راحتهم. إن بقاء حزب العدالة والتنمية في الحكم يمرّ عبر العنف. ديكتاتورية الرجل الواحد موجودة اليوم حقيقة».
ليس سراً أن «العدالة والتنمية» يزيد ضغوطاته داخل البلاد، مدفوعاً بكتلة شعبية دعمته في الاستفتاء على التعديلات الدستورية في عام 2010، زادت نسبتها على 50 في المئة، وبات أردوغان يصف تلك الكتلة بعبارة «الـ50 في المئة خاصتي». في المقابل، المقاومة تصاعدت أيضاً، وبلغت ذروتها في أحداث حديقة غيزي في عام 2013. لم يتقبل «العدالة والتنمية» معارضته بسهولة. لجأ إلى أسلوب الاعتقالات والتوقيفات المخالفة للقانون، سيطر على القضاء، ووضع الموالين له في أجهزة الأمن. وعندما لم تعد الحكومة قادرة على إدارة التظاهرات والأصوات الرافضة لها في الظروف العادية، باتت تحتاج إلى حكم الطوارئ. سنحت الفرصة لها لذلك عند وقوع محاولة الانقلاب المزعومة في 15 تموز 2017.
«كانت هناك طريقة واحدة للبقاء في الحكم، وهي إضعاف سلطة القوانين وإنشاء نظام ديكتاتوري»، فأجرت الحكومة، في ظل حالة الطوارئ، استفتاءً للانتقال إلى نظام رئاسي (16 نيسان 2017) يسمح لحزب «العدالة والتنمية» بالقيام بما يشاء بكل حرية. لكن ظهر يومها أنه يخسر رغم عمل كل مؤسسات الدولة تحت إمرته، فلجأ إلى الغش في الانتخابات. «العالم كله يعلم هذا»، تكمل ييغيت التي ترى أنه لو كان «هناك انتخابات عادلة كان حزب العدالة والتنمية ليخسرها، ولهذا هو يستمر بالعنف وحالة الطوارئ كي لا يخسر».

إفلاس خارجي

التراجع الداخلي هو واحد من أسباب لعب «العدالة والتنمية» لدورٍ محوريّ في إشعال الحرب في سوريا، بهدف التغطية على خسائره الداخلية عبر ذرائع «الأمن القومي» و«الوطنية»، كما ترى ييغيت. تزامن الضغط الداخلي مع إفلاس السياسة الخارجية لـ«العدالة والتنمية» الذي يريد إبعاد الأنظار عن الانهيارات الداخلية عبر هجومه على عفرين في الشهر الماضي، ومساعيه للتدخل في منبج. ترى ييغيت أن «السبب الأساسي لانهيار السياسة الداخلية هو إفلاس كل من العثمانية الجديدة والسياسة المتبعة تجاه سوريا»، ولتغطية هذا الإفلاس عمد إلى إنشاء نظام القمع في الداخل. وعندما فشل هذا النظام عمد إلى زيادة العدوانية في السياسة السورية، وإلى اللجوء إلى أساليب «فاشية» في الداخل. في ظلّ «ثقافة الخوف والرعب المهيمنين» في البلاد اليوم، يتعمّق غرق العدالة والتنمية في المستنقعين الداخلي والخارجي، فهو من جهةٍ لا يستطيع الاستمرار في «العنف» الداخلي، فلا يوجد «نظام بقي حياً بالعنف، هذا يناقض قوانين الطبيعة، كل نظرية تطور نظريتها المعاكسة، بالتالي كل عنف يولد نقيضه، وكلما زاد منسوب العنف، تزداد العمليات المعاكسة». من جهةٍ ثانية، ترى ييغيت أن «السياسة المتبعة تجاه سورية ستأتي بنهاية حزب العدالة والتنمية». في ظلّ كلّ ذلك، يبقى في تركيا مثقفون متنورون يرعبون بوجودهم حزب العدالة والتنمية، رغم عدم الأمان الحقيقي الذي بات يهيمن على الحياة في تركيا: «هناك دوماً خطر التعرض للاعتقال أو الاغتيال». لكن يبقى الأمل حقيقياً «بالنصر على هذا النظام الطغياني... فليس القوي هو صاحب الحق، بل صاحب الحق هو القوي».




«المادة 301» السيئة السمعة


«المادة 301» من قانون العقوبات التركي هي مادة تجرّم إهانة تركيا أو الأمة التركية أو مؤسسات الحكومة التركية. المادة عدلت في نيسان من عام 2008، بعدما كان من غير القانوني، وفق المادة، «إهانة التركيّة» مستبدلةً «الأمة التركية» بها. لكن هذا التغيير لم يبدّل الكثير في الواقع، بل بقي الأمر على حاله في ما يتعلق لناحية التفسير غير الواضح للمادة وإطلاق الاتهامات والمحاكمة على أساسها من دون وضوح، وفق تقرير للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في عام 2011. كثر من المثقفين الأتراك استدعوا إلى المحاكم على أساس تلك المادة، من بينهم الكاتب أورهان باموك (الصورة) في عام 2005 على خلفية ذكره للمجازر الأرمنية في مقابلة صحافية، والكاتبة إليف شافاك في عام 2006 على خلفية روايتها «لقيطة إسطنبول». عدد كبير من الصحافيين أيضاً تعرضوا للاتهام على أساس المادة نفسها.