عمان | منذ انتهاء «الزوبعة» الدبلوماسية بين الأردن وإسرائيل، بعد «حادثة السفارة» في تموز 2017، كان مقرراً أن يُعيّن سفير إسرائيلي جديد لدى عمّان، تنفيذاً لأحد شروط الأخيرة، وهي تغيير السفيرة السابقة. وشملت باقي الشروط «اعتذاراً» قدّمته تل أبيب، بالإضافة إلى رصد خمسة ملايين دولار كتعويضات تُحوّل عن طريق الحكومة الأردنية إلى أسر «ضحايا الحادثة» التي قضى فيها الشهيد محمد الجواودة وبشار الحمارنة على يد رجل أمن إسرائيلي، بجانب تعويض ذوي الشهيد القاضي رائد زعيتر الذي قتل على جسر الشيخ حسين عام 2014.


وبينما لم يظهر «الاعتذار» المذكور بصورة وثيقة رسمية، كان على عمّان أن تبرزها. كلّ ما ورد في الصحافة العبرية لم يتعدّ «الأسف» على الحادثة. ومع ذلك، بقي السؤال القائم: أين السفير الجديد؟ في 18 كانون الثاني الماضي، صدر عن مكتب رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، بيان يوضح أن السفارة الإسرائيلية في المملكة ستعود إلى عملها المعتاد «من الفور». ورُشّح مباشرة في مطلع شباط أمير فايسبرود سفيراً، وفق الخارجية الإسرائيلية، فيما تمت الموافقة عليه بالإجماع لدى الحكومة الإسرائيلية منذ نحو أسبوع، لكن إلى الآن لم يقبل الملك عبدالله الثاني اعتماد السفير، في ظل انشغاله في زيارة اقتصادية للهند استغرقت أياماً عدة.
السفير الجديد هو من طاقم الخارجية، وشغل ملفات عربية عدة في مركز الأبحاث السياسية التابع للوزارة، وتركزت مجالات عمله على سوريا ولبنان وفلسطين وتطوير العلاقات التجارية مع المغرب، كما يجيد فايسبرود العربية، وقد حصل عام 1993 على شهادة الماجستير بتقدير «امتياز» في اللغة العربية وآدابها من الجامعة العبرية، وكان عنوان رسالته «حسن الترابي من السودان: الإسلام الراديكالي بين النظرية والممارسة».


بينما تستمر
صفقة الغاز المُكلفة، لم يُعرف وضع مشروع «ناقل البحرين»


ورغم التأخر الأردني، تبدو إسرائيل معنية بإعادة فتح سفارتها في عمّان، مع أن كل الأعمال التي كانت تقوم عليها السفارة تم تسييرها خلال الإغلاق (باستثناء مشكلة جوازات السفر للمراجعين التي كانت داخل مبنى السفارة وقت الحادثة). ويمكن القول إن إغلاق مبنى السفارة كان شكلياً (راجع العدد ٣٢٩٩ في ١٦ تشرين الأول ٢٠١٧)، فقد بقيت العلاقات بين الجانبين على ما هي عليه، ولم يطرأ أي تغيير على الحركة في المعابر البرية والجوية التي استمرت مفتوحة كالمعتاد.
وبجانب الحرص الإسرائيلي على الحفاظ على «جبهة شرقية مستقرة»، كما تؤكد مراكز القرار والأبحاث في تل أبيب، تأتي مشاريعها المشتركة مع عمّان وعلى رأسها صفقة الغاز التي أبرمت عام 2016 مقابل 10 مليارات دولار على مدى 15 عاماً، وأُتبعت قبل أسابيع بصفقة مماثلة مع مصر بقيمة 15 ملياراً. والدليل على ذلك أن صفقة الغاز الأردنية ــ الإسرائيلية لم تتأثر على الصعيد التنفيذي، بل يجري العمل عليها كما هو مخطط.
وكانت «الحملة الوطنية لرفض اتفاقية الغاز مع الكيان الصهيوني» (غاز العدو احتلال) قد عقدت مؤتمراً في منتصف شباط الماضي، أشارت فيه إلى أن وزارة الطاقة والثروة المعدنية أعلنت أنه وفق قانون الاستملاك في دائرة المساحة والأراضي، سيُصار إلى «استملاك أراضٍ تعود ملكيتها لمواطنين، بالإضافة إلى أراضٍ مسجلة باسم نقابتي المحامين والمهندسين استملاكاً مطلقاً وحيازة فورية، وذلك لغايات مشروع بناء أنبوب غاز طبيعي من نقطة التزويد على الحدود الأردنية بالقرب من معبر الشيخ حسين». جراء ذلك، وجهت الحملة دعوة للمواطنين المتضررين بأن يتواصلوا معها لإعلامهم بالخطوات القانونية المطلوبة لمواجهة استملاك أراضيهم، علماً بأن هناك فريقاً من المحامين تطوع لمتابعة القضايا التي سترفع مجاناً.
وتستمر صفقة الغاز، التي وقّعتها شركة الكهرباء الأردنية (المملوكة بالكامل للحكومة)، في وقت تتصاعد فيه الأزمة الاقتصادية، علماً بأن مجلس النواب صدّق على موازنة قاسية ارتفعت على أثرها الأسعار ورُفع الدعم عن عدد من السلع، أهمها الخبز، وذلك في سبيل توفير 700 مليون دولار بسرعة، وهو ما يثير أسئلة عن جدوى هذه الاتفاقية التي تعدّ التزاماً مالياً جديداً يوازي 26% من المديونية التي تجاوزت عتبة 38 مليار دولار. كذلك، تعاني شركة الكهرباء من خسائر كيبرة تصل إلى أكثر من 20 ضعف رأس مالها المكتتب، ووفق قانون الشركات الأردني، فإن الوضع القانوني في هذه الحالة يجب أن ينتهي بـ«التصفية الإجبارية»، وخاصة أن الشركة قدّرت خسائرها المتراكمة منذ عام 2015 بما يزيد على 5.5 مليارات دولار.
المشروع الآخر، الذي جاء برعاية البنك الدولي، هو «ناقل البحرين» (الأحمر ــ الميت)، بتكلفة تصل إلى نحو 4.5 مليارات دولار من الجهات المانحة لتمويل الجزء الذي لا يعود بمردود مالي (حماية البحر الميت شاملاً الخط الناقل للمياه بين البحرين). أما باقي كلفة المشروع البالغة نحو 6 مليارات للتحلية وتوليد الطاقة ونقل مياه التحلية إلى مراكز الاستخدام، فسيكون تمويلها من القروض والمستثمرين والأطراف المستفيدة، وفق موقع «ناقل البحرين» التابع لسلطة المياه الأردنية.
وبشأن ذلك، لم يتجاوب الجانب الإسرائيلي مع الأردني في تنفيذ الناقل، إذ كتب كثيراً في الصحافة العبرية عن انسحاب تل أبيب من المشروع بسبب قلة جدواه. ورغم إرسال وزير المياه الأردني السابق (غادر الحكومة إثر التعديل الوزاري الأخير ــ راجع العدد ٣٤٠٥ في ٢٦ شباط) رسالة رسمية إلى إسرائيل طلباً للتوضيح بشأن نية الانسحاب، فلا جديد في هذا الموضوع سوى أن اتفاقيةً لمبادلة الدين تم توقيعها بين الحكومة الأردنية والفرنسية، وأعادت الأخيرة بموجبها تخصيص ثلاثة ملايين دولار لتمويل دراسات وخدمات هندسية للمرحلة الأولى من مشروع الناقل، فيما كان السفير الفرنسي لدى عمّان قد زار منطقة الأغوار الجنوبية للشأن نفسه.
لكن، لا تقتصر المشاريع الأردنية ــ الإسرائيلية على الغاز و«ناقل البحرين»، فبعد توقيع وادي عربة انفتح الاقتصاد الأردني على مستثمرين إسرائيليين وشركات ومصانع عدة في المدن المؤهلة، عدا المنطقة الحرة بالقرب من المعبر البري. وكانت هناك خطة للبدء بتصنيع السيارة الهندية نوع «تاتا» في هذه المنطقة، دفع باتجاهها بنيامين نتنياهو خلال زيارته الأخيرة للهند، علماً بأنه يواجه أيضاً اتهامات بالرشوة مرتبطة بهذه الخطة. يشار إلى أنه قبل نحو أسبوعين، انشغل الرأي العام الأردني بعد إعلان الحكومة نيتها إتاحة المجال للمستثمرين الأجانب للحصول على الجنسية الأردنية والإقامة الدائمة في حالات معينة، في ظل التساؤل عن وضع المستثمرين الإسرائيليين من مشروع القانون المذكور.