سلفيت | طفت من جديد أزمة «صراع القبور» التي يستغل فيها العدو الإسرائيلي الموت الطبيعي للمستوطنين وعملية دفنهم كأسلوبٍ لتعزيز الاستيطان على حساب الأراضي الفلسطينية، إذ تتركز مقابر المستوطنين في الضفة المحتلة على أراضٍ تابعة لمحافظات رام الله (وسط) ونابلس (شمال) والخليل (جنوب).


ووفق صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، بُني جزء من المقابر الإسرائيلية الخاصة بالمستوطنين على أراضٍ فلسطينية خاصة، في حين أن قسماً من هذه الأراضي صادرته حكومة العدو بذرائع غير متعلقة بالمقابر. وتفيد معطيات «هآرتس»، التي نُشرت في تقرير أمس، بأن عدد هذه المقابر يبلغ 33 موزعة على نحو 10 مستوطنات في الضفة، ودُفن فيها ما يقارب 1400 مستوطن.
ورغم وجود مقابر أنشأها المستوطنون على أراضٍ استولوا عليها قبل عام 1948، فإن 40% من القبور مقامة على أراضٍ خاصة تعود إلى فلسطينيين، ويبلغ عدد قبورها 600، ولاحقاً صوُدرت هذه الأراضي تارة بحجة «الأغراض العامة» كما الحال في مقبرة مستوطنة «عوفرا» وغيرها، وتارةً أخرى تحت ذريعة «الأغراض الأمنية» كمقبرتي «بيت إيل» و«شافي شمرون». واللافت في إحصائية الباحث درور أتاكس من منظمة «كرم نبوت»، المنشورة في تقرير «هآرتس»، وصفه انتشار المقابر وطريقة توزيعها بأنها «ليست مصادفة، (بل) المقصود استثمار على المدى الطويل»، كما يلفت استثناؤه مقبرة مستوطنة «أريئيل»، رغم إقامتها على أراضٍ فلسطينية في منطقة واد عبد الرحمن قرب جدار الفصل العنصري في المنطقة الشمالية من مدينة سلفيت (وسط).
في هذا السياق، يؤكد الباحث في شؤون الاستيطان خالد معالي أن المصادر الإسرائيلية أعلنت عن وجود مخططٍ لإنشاء المقبرة (في «أريئيل) عام 2014، لكنها كانت جاهزة في أقل من عامين، في وقت يفيد فيه شهود عيان بأن المستوطنين حفروا عام 2016 قبوراً إضافية في مقبرة «أريئيل» ليصبح العدد الإجمالي أكثر من 175 قبراً جاهزاً. ويوضح الباحث معالي، في حديث إلى «الأخبار»، أن المستوطنين «يتعمدون إقامة المقابر في أراضٍ بعيدة نسبياً عن الوحدات السكنية للمستوطنات، وذلك لاستغلال المسافة بين المستوطنات والمقابر لتوسعة الأولى لاحقاً»، مضيفاً أن القبور تبعد مئات الأمتار عن المستوطنات غالباً، ويكون التجريف فيها بـ«سلاسة وهدوء قاتل» نظراً إلى فرض المقبرة واقعاً جديداً على الأرض بالتدريج.
ويقول: «عدد المستوطنين المدفونين في الضفة قليل، مقارنة بالأراضي المحتلة عام 1948، والعدو لا يستغل المقابر لمصادرة الأراضي الفلسطينية فحسب، بل لمحاولة إثبات الوجود الإسرائيلي وخرافات الحق التاريخي المتمثلة بأرض الميعاد».


استحدث المستوطنون أسلوب «القبور الوهمية» وتحديداً في القدس المحتلة

مع ذلك، هناك خلاف بين تيارات المستوطنين حول أماكن دفن الموتى، والرأي الأول يرفض دفن الموتى في مستوطنات الضفة لدوافع لها علاقة بالفكر وأخرى بالمكان، فيما يدفن التيار الآخر الموتى بسرعة، لأن معظم المستوطنين يفضلون دفن الموتى في أراضي الـ 48.
من جانبٍ آخر، تفتح معطيات «هآرتس» التي تناقش إقامة المقابر مسألة أخرى مهمة هي «اختلاق المقابر»، وهو أسلوب استحدثه المستوطنون على سمع حكومتهم وتحت بصرها، ويعتمد على زراعة ما بات يُعرف بـ«القبور الوهمية»، ويكثر استعمالها في القدس المحتلة. ووفق باحثين مقدسيين، اشتدت وتيرة «القبور الوهمية» عام 2014، وتركّزت في بلدة سلوان جنوبي شرقي المسجد الأقصى، التي تمثل أيضاً أقرب التجمعات الفلسطينية إليه. وتقدّر مصادر فلسطينية عدد القبور التي زرعها العدو بنحو 930 في منطقة واد الربابة وحدها، فيما يشرح الباحثون أن المستوطنين يحفرون حفرةً بعمق ثلث متر تقريباً وبقطر يزيد قليلاً على ذلك، ثم يجهزون الحجر للقبر المفترض، وبعدها يُرش تراب قديم عليه ليبدو كأن القبر موجودٌ منذ عقود أو قرون.
ولا يكتفي المستوطنون بذلك، بل يعتدون على مقابر غيرهم، إذ تشهد بعض مقابر القدس، ومنها «مأمن الله» اعتداءات مختلفة، من نبش للقبور وتكسير لشواهدها، إضافةً إلى إزالة أشجارٍ منها أو سرقة مساحات منها لمصلحة المشاريع الاستيطانية، مثل: إنشاء تلفريك نقل، وبناء مظلاتٍ للحدائق التلمودية المجاورة للمقبرة الإسلامية.
في المقابل، حاول الفلسطينيون مقاومة العدو بإعلان انطلاق حملة عام 2010 تهدف إلى بناء (حجز) قبورٍ فلسطينية على الأراضي المهددة بالمصادرة في منطقة الخليل، لكن بقيت الحملة مؤقتة ولم تفعل في بقية المناطق.