دمشق | تضعُ المرأة العجوز محفظتها الصغيرة فوق رأسها في مُحاوَلة منها لاتّقاء شمس دمشق القاسية فلا تنجح. لكنَّ الحرارة التي تجاوزت الأربع وأربعين درجة لا تمنع زبائن مطعم الشاورما في «مزّة الشيخ سعد» مِن التلذّذ بالتهام وجبتهم السّريعة على الرَّصيف. الشوارع المكتظة في وقت عودة موظفي الدولة إلى بيوتهم تكذّب بدرجة كبيرة الانطباع السائد بأن دمشق مدينة تموت ببطء على إيقاع الحرب «المسعورة».


لا تُشبه شوارع دمشق في زمن الحرب شوارع بيروت في زمن السِّلم. يقول الناس إنّ عمّال النظافة يواصلون أداء مهمّاتهم بانتظام، حتى في المناطق المتاخمة لـ«بؤر النّار» المشتعلة، على عكس بيروت التي «تغرق» في نفاياتها. داخل الفندق المقابل لمدينة المعارض القديمة، تحتفل عائلة شاميّة بزفاف ابنها البكر الذي سيهاجر قريباً إلى الولايات المتحدة للإقامة هناك نهائياً. دموعُ الفرح المُترَقرِقة في عيني والدة العروس لا تُفسِد كحلها الأسود. الجميلات ذوات العطر الأخّاذ اجتمعن هنا في ليلةِ عُرسْ شاميّ. يقيم أهل الشام أفراحهم الخاطفة هذه كأنّهم يسابقون «أعراس الدّم» ومآتم الحزن اليوميّة في طول البلاد وعرضها. الفندق الذي طاولته بعض مظاهر «العسْكرة»، يزدحم بضيوف جاؤوا من لبنان ودول عربية وأجنبية أُخرى للمشاركة في مؤتمرٍ إعلامي دوليّ لمكافحة الإرهاب (عُقد أواخر الأسبوع الماضي). نجح المؤتمر في حشد عدد كبير من المدعوين في توقيت بالغ الأهمية للعاصمة السورية، ولكن شابه النقص في المشاركة الإعلامية الغربية التي كان من الممكن، لو تكثّفت، أن تشكّل إضافة نوعية إلى المؤتمر. يجمع معظم الحاضرين على أن مواجهة الجماعات الإرهابية عملية طويلة وصعبة، دون أن يقدّموا تصورات واضحة لسبل المواجهة الإعلامية. «نعم نحن فشلنا في الحرب الإعلاميّة»، يعترف الصحافي المصري إبراهيم سنجاب.


يقيم أهل الشام أفراحهم الخاطفة هذه كأنّهم يسابقون «أعراس الدّم»

يقدّم النادل في بَهو الفندق القهوة السّاخنة لكوثر البشراوي. ينتهز الرّجل الفرصة ليطرح أسئلة على الضيفة التونسية، على طريقة المحاورين المحترفين وينصرف بلطف. يرتفع الصراخ عالياً من الجهة الأخرى لـ«اللوبي»، ليتبيّن أنها مشادة كلامية حادة خلال تصوير حلقة تلفزيونية بين ضيفيْن أحدهما من العراق والآخر من مصر، محورها الخلاف حول توصيف «الحالة الأميركية» في العراق. يستغرب أحد النزلاء الأمر، سائلاً كيف سيواجه هؤلاء الإرهاب؟ في أروقة الفندق تحضُر السياسة بكل تفاصيلها وخباياها من المحيط إلى الخليج، ولسوريا فيها «حصَّة الأسد». من بين الوافدين من حلب عبد المجيد الكواكبي (نائب رئيس المجلس البلدي للمدينة) الذي استفاض في شرح الواقع الخدمي المأساوي للمدينة. يتصفّح الرجل الإنترنت عبر «موبايله»، ممازحاً محدّثه بالقول: «هاد أول لايك بعملو من 5 شهور»!
بجهد ملحوظ، يتنقّل عليّ بين «زائرِي دمشق» في الفندق، وهو أحد المعنيين بتنظيم المؤتمر. ينسّق الشاب اللبناني بعض التفاصيل مع سناء، الصحفيّة العاملة في وزارة الإعلام السورية. يتحدث المخرج المعروف نجدت اسماعيل أنزور عن دور الإعلام والفنون في مواجهة الإرهاب. يبدي صاحب «ملك الرمال» تفاؤله بقدرة الشعب السوري على النهوض مجدداً «لكن ذلك يتطلب جهداً هائلاً لا يستثني المناهج التربوية والتعليمية أيضاً». تحضُر ديما، ابنة مدينة حمص التي تتابع دراستها في العلوم السياحية بهدف النقاش مع زميل لها حول «مشروع» تجمع فيه الإعلام والسياحة في زمن الحرب. يُغادر «السياسيّ اللبناني البارز» الفندق بصحبة عدد من الضيوف إلى أحد مطاعم «الشّعلان» لتناول الكباب المشوي، بينما «شام»، الطالبة في كلية الإعلام، التي جاءت لزيارة أقاربها، تواصل تحضيراتها لتقديم امتحان «في بعض المواد». وشام هذه تشبه مدينتها: جميلة وصابرة... في اليوم التالي كان ثائر العجلاني يقدّم للجميع هناك درساً قاسياً وأخيراً في «الإعلام الحربي»، ولكن مِن خارج «جدول الأعمال»!