رام الله | كان بإمكان الشهيد باسل الأعرج أن يجلس في الصيدلية التي يعمل فيها في شعفاط، وأن يقْصُر نشاطه على التنظير مستفيداً من معارفه التي اكتسبها بقراءاته واطّلاعه الواسع، أو أن يكتفي بفعاليات المقاومة الشعبية التي كان يشارك فيها دائماً.


كان المجال مفتوحاً للشاب الذي تحل ذكرى استشهاده الأولى اليوم، كي يبادل بعض سنوات عمره ــ وإن طالت ــ بالبقاء على قيد الحياة، وذلك بترك العدو الإسرائيلي يسجنه بعد خروجه من سجون السلطة الفلسطينية في أيلول 2016. لكنه أبى إلا أن يُطبّق ما كان يدعو إليه بحذافيره، فهو القائل: «عش نيصاً وقاتل كالبرغوث». لقد أراد أن يصِف دواءً من نوعٍ آخر لوطنه، وهو ما حدث فعلاً في قصة اختفائه ومعركته الأخيرة.

التكتيك والثقافة

ثمة معادلاتٌ أو قوانين وضعها باسل الأعرج (31 عاماً) لنفسه في مفهوم المقاومة، ولخّصها لغيره في أسلوبٍ بسيطٍ، أبرزها «المقاومة جدوى مستمرة»، وقد أطلقها خلال شرحه لشبابٍ فلسطينيين، أثناء رحلةٍ إلى جنين شمالي الضفة المحتلة، حيث تحدث عن دور «حرب الاستنزاف الطويلة مع العدو في إرهاقه وكسر شوكته في نهاية المطاف»، مستشهداً بإخلاء العدو مستوطناته من جنين عقب انتهاء الانتفاضة الثانية بفعل «شراسة مقاومة أهل المدينة على امتداد الانتفاضتين الأولى والثانية» وما قبلهما، ليورّثوا أبناءهم أرضاً خالية من الاستيطان.
أيضاً، استحوذ أسلوب «حرب العصابات» على فكر باسل واهتمامه؛ فالأسلوب المبني على تكتيكات، مثل الكر والفر والتمويه والاختفاء وتسديد الضربات الخاطفة، كان جزءاً كبيراً من اهتماماته في لقاءاته داخل القاعات أو خلال الجولات التي كانت تنظّم لزيارة مواقع عمليات سابقة، أو حتى خلال النزهات المخصصة للتعرف على جغرافيا الضفة والقدس.
ومن الأفكار التي آمن بها «الباسل» التوعية قبل خوض الثورة، على نسق ما قاله الأمين العام الراحل لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، جورج حبش، «المقاتل غير الواعي سياسياً كأنما يوجه بندقيته نحو صدره». كما كان يستحضر مثل هذه المواقف عبر صفحته في «فايسبوك»، إضافة إلى حرصه الدائم على تدقيق العمليات الفدائية التاريخية واستخلاص العِبر منها. هكذا، لم يكن الأعرج «المثقف المسلح» فقط، بل لعب دوراً تخلّت عنه الفصائل الفلسطينية في الضفة خلال السنوات الأخيرة الماضية، وهو التعبئة الفكرية والوطنية.
وصحيحٌ أن الأعرج ليس النموذج اليتيم لـ«المثقف المقاتل»، لكنه برز لأن مثل هذا النموذج غاب عن الضفة لنحو عقد، إذ كان الشهيد محمد شحادة في بيت لحم يمثل حالة شبيهة، قبل أن يغتال في آذار 2008. أسباب كثيرة تقف خلف هذا التراجع، إذ لم يعد خفياً حجم الاختراق الذي أدّاه التطبيع ومؤسساته، مقابل انكفاء الفصائل وإحجام المثقفين عن التحريض على فكرة الثورة أو المقاومة في الضفة.
إلى حدٍّ ما، يعيد باسل الإرث الطبيعي للصحافي المقاوم يامن فرج الذي كان يكتب في الصحف المحلية باسم مستعار، ويواصل دوره المقاوم في مدينة نابلس (شمال) خلال انتفاضة الأقصى. والحديث عن الثقافة هنا يتخطّى الأساسيات، لأنه لا مبالغة إذا قلنا إن باسل حفظ فلسطين عن ظهر قلب، منذ وقوع البلاد في الاستعمار ومرحلة الانتداب، ثم مرحلتي العصابات الصهيونية والاحتلال، وكان يحرص في سبيل ذلك على توثيق عددٍ كبير من الروايات التاريخية الشفهية من كبار السن (عن النكبة) للحفاظ عليها.
«بدك تصير مثقف، بدك تصير مثقف مشتبك، ما بدك مشتبك؟ لا منك ولا من ثقافتك»، وكما بدأ المقاومون الفلسطينيون مقاومتهم بالأدوات البسيطة، كالحجارة والمولوتوف وصولاً إلى الأسلحة على تنوعها، هذا ما طبّقه الأعرج عندما باشر المقاومة الشعبية، وقطْع الطرق الالتفافية أمام مركبات المستوطنين، فيما تصدّرت صورُه الاحتجاجات على زيارة وزير الجيش الإسرائيلي الأسبق، شاؤول موفاز، إلى رام الله عام 2012، ما تسبب آنذاك في تأجيلها. كذلك كانت له مشاركته في مواجهات شمال البيرة، حتى قرر حمل السلاح وبدء مرحلة أخرى.

المطارد الذكيّ

تكشف تفاصيل مطاردةِ الأعرج عن حجم الوعي الذي كان يتمتع به، بدءاً من اختياره مدينة البيرة للاختفاء كزائر أجنبي يتكلم الإنكليزية، خاصة أن المنطقة لا تثير الريبة في ظل أن محافظة رام الله والبيرة تعجّ بالأجانب والمساكن المستأجرة، لكنه لو اختار منطقة ريفية (قرية مثلاً) لاكتُشف بسرعة.


تكررت في السنوات الثلاث الماضية 7 حالات لمطادرين رفضوا تسليم أنفسهم

أيضاً، لم يعتقل العدو الإسرائيلي رفاق (خلية) باسل مباشرة بعد الإفراج عنهم من سجون السلطة، بل منحوا مهلة طويلة نسبياً مقارنةً بحوادث سابقة مماثلة، في محاولة من مخابرات العدو لاستدراج باسل أو رفاقه أو حتى عائلته، عبر مبادرة الأخير إلى الاتصال الهاتفي أو لقائهم عبر تحرك غير معتاد، لكنه قرر ألا يعود إلى بيته.
كان باسل يعرف جيداً أن العدو يراقب كل شيء، ويُدرك أن شركات تأجير السيارات وأصحاب الشقق السكنية عليهم أن يقدموا نسخة من عقود الإيجار بصورة دورية إلى السلطة الفلسطينية، ولذلك لم تكن عملية الاختفاء من أيلول 2016 إلى آذار 2017 سهلة، فمسألة المطاردة في الضفة غدت أكثر تعقيداً مع القدرات التكنولوجية التي تتمتع بها قوات العدو، ولذلك كانت الشهور الخمسة «إنجازاً» رغم انتهائها باستشهاده.

الحُر لا يستسلم

يحفل سجل المقاومة الفلسطينية بمعارك الحصار التي يختار فيها المقاوم أن يشتبك مع قوات العدو في معركةٍ غير متكافئة، على أن يخرج رافعاً يديه ومستجيباً لمكبّرات الصوت، فيما شهد تاريخ الانتفاضة حالات غير اعتيادية، مثل الذي فعله الشهيد حمزة أبو الهيجا في مخيم جنين أمام وحدة «يمام» الخاصة، عندما صرخ بضابط المخابرات: «إذا إنت زلمة اطلع (فوق)، أنا لحالي»، مستفزّاً إياهم وهو يطلق الرصاص على الجنود، وهذا ما كرره باسل الأعرج مع الوحدة نفسها التي قدمت لاستهدافه. ومنذ 2015، تزايدت معارك حصار المقاومين، وعلى الأقل رفض سبعة مطاردين تسليم أنفسهم أثناء الحصار أو الانسحاب عند اكتشاف قدوم العدو، منهم إلى جانب الأعرج وأبو الهيجا: نشأت ملحم من عرعرة في الداخل المحتل عام 48، ومحمد الفقيه من بلدة دورا في الخليل (جنوبي الضفة)، وعمّار الطيراوي من قرية كفر عين في رام الله (وسط)، وصولاً إلى كلٍّ من أحمد إسماعيل وأحمد نصر جرار، فيما يواصل الاحتلال مطاردة عبد الكريم أبو عاصي منذ مطلع شباط الماضي. هكذا، في السادس من آذار 2017، وبينما كان أفراد «يمام» يتسللون تحت جنح الظلام ليضربوا ضربتهم الخاطفة، استقبلهم الشهيد باسل الأعرج برصاص بندقيته، إذ أظهر تسجيل بثّه الإعلام العبري آنذاك كيف باغت باسل الجنود خلال اقترابهم من «السِدّة» (سقيفة الشقة) التي كان يتحصّن فيها، إذ لم يستسلم إلى أن أصابه رصاص الجنود بعد نفاد ذخيرته، وكانت كل الطلقات التي تلقّاها من الأمام لا الخلف.