■ ما رأيك في إصلاح قانون الصحة العامة ومطالب حركة «الأطباء المقيمين» في الجزائر الذين يطالبون بإلغاء الخدمة المدنية؟


يهدف مشروع قانون الصحة العامة الذي اقترحته الحكومة إلى الحلول محل القانون 85-05 المعمول به منذ أكثر من ثلاثة عقود.

ومع ذلك، يتجاهل هذا المشروع حصيلة هذه السنوات الثلاثين من نظام الرعاية الصحية لدينا، وهو لم ينتج من تقييم نقدي لنقاط القوة والضعف، وللملاحظات التي سجلت منذ سريان القانون 85-05. كذلك لا ينبع من رؤية مستقبلية لما ستكون أو ينبغي أن تكون عليه صحة الجزائريين ونظامهم الصحي على المدى المتوسط. الأمر لا يتعلق بتصور قانون على شكل سلسلة من الإصلاحات والتعديلات الجزئية التي تُتَّخَذ تحت ضغط الأحداث، بل بإيجاد حل لمسألة قدرة نظامنا الصحي على تلبية احتياجات البلد واقتصاده وشعبه.
من المسلَّم به أن الجزائر قد دربت وبنت وجهزت، وحقق قطاع الصحة تطوراً لا يمكن إنكاره، تشهد عليه الأرقام. فقد انتقلنا من طبيب واحد لكل ألف نسمة إبان الاستقلال عام 1962، إلى طبيب عام لكل 1242 نسمة وطبيب متخصص لكل 1521 نسمة بعد خمسين عاماً. لكن منذ التسعينيات، عانى قطاع الصحة من تدهور مستمر، اتسم بتدني نوعية الرعاية، وعدم المساواة في الإفادة من الخدمات الصحية، وازدياد الخسائر في المهارات. وشهد الإنفاق الصحي الوطني، الذي كان يمثل خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 1987، انخفاضاً حاداً في عام 1994 نتيجة لبرنامج التكيف الهيكلي الذي فرضه صندوق النقد الدولي. وفي عام 1995، بلغت هذه النسبة 3.7 في المئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي. وراوحت هذه النسبة بين عامي 1995 و2007 بين 3.2٪ و 3.8٪. وفي عام 2007، اعتبر البنك الدولي من خلال تقرير أصدره أنّ «مستوى الموارد المخصصة للصحة منخفض نسبياً، وبالتالي إن مستوى الإنفاق الصحي الإجمالي منخفض نسبياً مقارنة بالبلدان الأخرى التي تملك مستويات مماثلة من الدخل». ولم تبدأ هذه النسبة بالازدياد حتى عام 2008 (4.2 في المئة في عام 2008 و5.1 في المئة في عام 2010 و6.1 في المئة عام 2012 و7.2 في المئة منذ عام 2014). ويرجع جزء كبير من ذلك إلى ارتفاع تكاليف الموظفين وعدم ضبط أسعار الأدوية والفوائد في القطاع الخاص. الإنفاق على الصحة العامة لا يستنزف إذاً الكثير من الأموال، كما تدعي النخب الليبرالية. وبنسبة 9.9٪ عام 2015، نجد الجزائر بعيدة عن الأردن 14.8٪، وتونس، 13.7٪، الرأس الأخضر 11.7٪، ليسوتو 13.1٪، تايلندا 13.3٪، إيران 17.5٪، كوبا 18٪ والمالديف 26.59٪.
بالنسبة إلى البلدان الـ 34 في منظمة التعاون والتنمية، في الميدان الاقتصادي كان المتوسط ​​17.83 في المئة. أما في البلدان الأفريقية، فتجاوز المتوسط​​ 10 في المئة.
ومن السهل أن نستنتج أن الموارد التي خصصتها الدولة في خدمة القطاع الصحي على مدى السنوات الـ 25 الماضية لا ترقى إلى مستوى الإمكانات ولا تتساوى مع المستوى الذي تتمتع به بلدان مشابهة مثل تونس أو إيران.



كذلك، إن عدد الأسرة لكل مواطن، وعدد الأطباء لكل مواطن أقل في الجزائر منه في تونس أو الأردن، على سبيل المثال. ونجد اليوم، أن الظاهرة المهيمنة على نظام الرعاية الصحية الجزائري (إضافة إلى التوجه نحو المزيد من خصخصة الطب المتخصص)، هي ازدياد انعدام المساواة في ما يتعلق بالحصول على الرعاية الصحية من الناحيتين المالية والإقليمية. 61 في المئة من المستشفيات نجدها في الشمال، مقابل 27 في المئة في منطقة الهضاب العليا و 11.7 في المئة في الجنوب. من ناحية أخرى، نجد 73٪ من العيادات الخاصة في الشمال؛ و 21٪ في منطقة الهضاب العليا و 5٪ في الجنوب.
سلطت حركة «الأطباء المقيمين» الاحتجاجية الضوء على الندوب التي تنهش في نظامنا الصحي: نقص الوسائل التقنية، وانعدام الأمن الذي يهدد المرافق الصحية، وعدم إيلاء الاعتبار من جانب الإدارة للمهارات الطبية المكتسبة بجهد والتي لا يمكن إنكارها وهي جديرة بالثناء، لكنها أُفرِغت من محتواها النبيل، ما دمر صدقية مؤسسة الخدمة المدنية، وكأنه عقاب لهؤلاء الأطباء على اختصاصهم. وبقدر ما يتعلق الأمر بالخدمة المدنية، يجب العمل على إعادة تأهيل سياسة الصحة العامة برمتها (برؤيتها، وأسسها، وغاياتها)، في أعين الجهات الفاعلة في النظام الصحي والمواطنين.

■ استقرار النفقات التشغيلية للدولة أصبحت واحدة من الذرائع المفضلة في ظل الأزمة المالية، لهذا السبب يقول بعض المراقبين إن السلطة لم تعد تملك القدرة على شراء السِّلْم الاجتماعي من خلال الإنفاق العام. ما رأيك في هذا القول؟

منذ الانخفاض الحادّ الذي شهدته أسعار النفط الخام في حزيران/يونيو 2014، بلغ متوسط ​​سعر النفط الخام الجزائري السنوي 52.79 دولاراً في عام 2015 مقابل 99.68 دولاراً في عام 2014، أي إنه انخفض بنسبة 47٪ خلال عام واحد. وبالتالي، إن موضوع الفاتورة الواجب دفعها من قبل الشعب يجب أن يُطرح بقوة عند مناقشة القوانين المالية. وها هم نخب عملية الانتقال الذين سوّقوا لممثلي الليبرالية ومفكريها، يستأنفون نغمتهم: «لم تعد السلطة قادرة على شراء السلم الاجتماعي». هذه الخلاصة يضعونها بأسلوب تحذيري كما لو أنهم يريدون لنا أن نفهم أنه لم يبقَ أمامها سوى جماعة الحرب الاجتماعية. وفي واقع الأمر، إن شعار «الضغوط الخارجية» ما هو إلا ذريعة لإعطاء زخم جديد لعملية التدمير الليبرالية التي بدأت بالفعل في عهد الشاذلي. «العويل» يطاول التحويلات الاجتماعية، وتقييد الإنفاق العام، وإزالة الدعم، وخصخصة المؤسسات العامة، وإلغاء «القيود»على دخول رؤوس الأموال الأجنبية، واستدعاء رؤوس الأموال الأجنبية، بما في ذلك الديون الخارجية، إضافة إلى صندوق النقد الدولي. نستشهد بأرصدة الميزانية، ونريد استنزاف الطبقات الاجتماعية الأكثر ضعفاً. وقد رأينا أن الإنفاق على الصحة العامة كان أقل من العديد من البلدان المشابهة. ولا تزال موارد الدولة أبعد ما تكون عن الحدّ الأمثل. لكن هناك طرق للقيام بذلك. لدينا معدل ضريبي أقل مما لدى البلدان المجاورة. تعزيز وتنظيم الموارد والميزانية منطقياً، هو أيضاً ضريبة لا تجمعها الدولة. مبالغ ضخمة. وفقاً للبيانات الرسمية، وخلال أوج عمله، أي بين عامي 2014 و2015، بلغت مبيعات سوق السيارات السنوية في الجزائر نحو 700 مليار دينار نقلت إلى الخارج، دون احتساب أرباح الوكلاء. من بين كل هذه المبالغ الضخمة، سدد من 3٪ إلى 6٪ من الأرباح فقط إلى الخزينة العامّة.
نشعر كأننا في بلد لا يوجد فيه أغنياء، بينما الحديث يدور عن أكثر من خمسة آلاف ملياردير، وعشرات الآلاف من أصحاب الملايين. وبحسب التصنيفات العالمية لمشتري العقارات في إسبانيا أو فرنسا، نجد جزائريين في المراكز العشرة الأولى. أين هي «دولة الرعاية»؟ لنتذكر أن النواب رفضوا، مرة أخرى هذا العام، فرض ضريبة على الثروة. منذ وقت طويل، نجد أن هذه الضريبة «محظورة» تحت ذريعة لا تصدق، وهي أن جميع محاولات القبض على أي ثروات كبيرة باءت بالفشل! في المقابل، نجد أننا نهرع نحو مزيد من التدابير التي من شأنها أن تؤثّر بالتوازنات الهشة، وتستهدف الضعفاء. اليوم، تُدخِلُ الضريبة على الدخل الشامل (المرتبات) والتي تحسم من المصدر، على السلطات الضريبية الجزائرية ضعفي ما تُدخِلُه الضريبة على أرباح الشركات.

■ لماذا لم تحقق الحوافز المتعلقة بالاستثمارات الأجنبية المباشرة وتعزيز القطاع الخاص نتائجها المرجوة؟

المصدر الوحيد تقريباً للدخل بالنسبة إلى الجزائر، هو عائدات تصدير النفط والغاز التي انخفضت كثيراً بعد التراجع الحاد في أسعار النفط المستمر منذ حزيران/يونيو 2014. أدى ذلك إلى تراجع نسبة تغطية الصادرات للمستوردات من 107٪ في عام 2014 إلى 73٪ في عام 2015، ومن ثم 64٪ في عام 2016. فبالنسبة إلى اقتصاد يعتاش تقريباً بالكامل على واردات تُموَّلُ حصراً من عائدات النفط، فإن استمرار انهيار الأسعار يمثل خطراً حقيقياً. يلوح في الأفق شبح تدهور اقتصادي واجتماعي ومخاطر سياسية أساسية إن لم يطرأ تحسن سريع، ليس فقط على الأسعار، بل أيضاً على الاستراتيجية الاقتصادية.
ويواجه القطاع الاقتصادي الأبرز، الهيدروكربونات، أزمة تتعلق بقدرته التنافسية في الخارج وفقدان الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية في الداخل. عمدنا إلى تغيير الهيكلية القانونية للاقتصاد، ثم خصخصتها. وخفضنا القطاع العام (الأداة الرئيسة لاستراتيجية التنمية الوطنية)، إلى حده الأدنى. جعلنا منه قطاعاً ثالثاً ومنعناه من أن يكون امتداداً للنشاط الإنتاجي الوطني. هو أساساً قطاع استيراد وإعادة بيع.
أصبح للاقتصاد قطاع ثالث، ولكنه غير رسمي أيضاً. سيستوعب الاقتصاد غير الرسمي 4 ملايين عامل على الأقل، أو ثلث القوة العاملة. ومن شأن هذا الرقم أيضاً، أن يظلم المواطنين غير المستقرين بوظائف، ومن ضمنهم العاملون لحسابهم الخاص (30 في المئة من العاملين) والموظفون غير الدائمين (33 في المئة من القوة العاملة). ما يعني أن اثنين من بين ثلاثة موظفين، أي سبعة ملايين عامل من أصل 12 مليوناً (اعتباراً من أيلول/سبتمبر 2015).
لدينا إذاً اقتصاد يفتقر إلى الصلابة الإنتاجية تستفيد منه في هذه الظروف القوى التي راكمت ثروات من خلال الاستيراد والتصدير والعقارات، فيما لم يعد القطاع الصناعي يستخدم سوى ستة في المئة من القوى العاملة. العمالة الصناعية كانت تمثل عام 1987 ما يعادل أكثر من مرة ونصف من فرص العمل في قطاع التجارة، لتنتقل عام 2010 إلى نحو ثمانية أعشار فقط. الانفتاح الاقتصادي «من دون استعداد مسبق وغير المخطط له» كان «قاتلاً للعديد من الصناعات». لا يغطي الإنتاج المحلي اليوم سوى 5٪ من احتياجات المستهلك مقارنة مع 18٪ في التسعينيات، لتتسع (بذلك) هوة الاختلالات الاجتماعية. وقد أدت عمليات إعادة الهيكلة الليبرالية التي بدأت تحت حكم الشاذلي بن جديد إلى إيقاف التنمية الوطنية في المناطق منذ ثلاثة عقود.
أما في ما يتعلق بالاستثمار الأجنبي المباشر، فإن رؤوس الأموال الأجنبية لا تنظر إلا إلى الذهب الأسود. يقولون لنا إن عوامل الجذب الجزائرية، غير مقنعة. وإذا كانت نسبة جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة منخفضة، فإن ذلك سببه ضعف الحوافز. أما ذريعة الافتقار إلى الحوافز الدولية باعتبارها ذريعة لانخفاض عامل الجذب، فهي لم تعد تؤتي أكلها. وقّعت الجزائر على 83 اتفاقية دولية تمهيدية تتعلق بالاستثمار الأجنبي المباشر، بما في ذلك 46 اتفاقية ثنائية و6 اتفاقات دولية للاستثمار، 42 اتفاقية للحماية المتبادلة والاستثمار، 27 معاهدة دون ازدواج ضريبي ولكن خارج (أو تقريباً) مركز الاستثمار الأجنبي المباشر الهيدروكربونات.
المنطق الذي يقود المستثمرين إلى الاختيار بين مكان وآخر، بين استثمار وآخر، أو بين بلد وآخر لا يعتمد على «جهود التكيف» التي نبذلها. بل أكثر من ذلك، نرى أنه في سياق الأزمة العالمية الراهنة، فإن عقلية الادخار هي التي تهيمن على المستثمرين الدوليين. يجب أن ندرك أن الشركات المتعددة الجنسيات تبحث ببساطة عن الحرية الكاملة، حرية الاستثمار أينما يريدون، في الوقت الذي يريدون، لإنتاج ما يريدون، والتخزين أينما يريدون، وحيث تحمل أقل قدر ممكن من القيود المتعلقة بقانون العمل والأعراف الاجتماعية. ويمكن هذه الشركات أن تجد دوماً أماكن أخرى تكون فيها الأجور أقل، والحوافز الضريبية والمالية أكثر جذباً، وأكبر من ناحية السوق، وحيث يكون القانون المختص أقل تقييداً، وما إلى ذلك. وهنا نستعيد الصورة التي رسمها الخبير النفطي الدولي نيكولا سركيس: «كصياد طُلب منه أن يختار طريدته من زوايا العالم الأربع». كيف يمكننا أن ننجح في سباق الأكثر جذباً هذا وهو الذي يؤدي إلى تقليص هامش السياسة الوطنية من خلال حصر دورها باتخاذ تدابير لتحسين مناخ الأعمال.

■ نرى إذاً أن الإصلاحات الليبرالية قد فككت أسس الاقتصاد المنتج وعززت نقاط الضعف الهيكلية لنظام التصدير الأحادي. ما النموذج البديل الذي تقترحه؟ وكيف تنظر إلى الاستقلال الاقتصادي الجزائري الذي لا يسير في فراغ، بل هو جزء من صراع اقتصادي عالمي في سياق تهيمن عليه الرأسمالية العالمية؟

لا تزال مسائل كالخروج من حالة نقص التنمية، والتغييرات الهيكلية، والأجهزة المؤسساتية المناسبة، والحاجة الصناعية، ضرورة ملحّة في الجزائر. نجد في الجزائر اليوم عدداً متزايداً من الإناث يعانين من أجل العثور على فرص عمل. وتراوح نسبة البطالة بين متخرجي الجامعة من 25٪ إلى 26٪، كذلك إن الاقتصاد الوطني «لم يصل بعد إلى مرحلة التطور التي تسمح له باستخدام جميع المهارات الأكاديمية». وتواجه الجزائر، التي يبلغ عدد طلابها مليوناً ونصف مليون نسمة، تحدياً يتمثل في بناء اقتصاد يتمتع بقدرة عالية على الاستيعاب الإنتاجي للقوة العاملة المتعلمة. ومن الضروري أن نبدأ من الواقع المتجرد لاقتصادنا، من ضعف نسيجه الإنتاجي والصناعي على وجه الخصوص، والمعوقات الهيكلية القديمة للشركات. هل يمكننا أن نتخيل في ظل ضعف مصادر العمل أن نتمكن من خلق وظائف تنسجم مع ازدياد الحاجة من دون نمو قائم على معدلات تراكمية عالية، لضمان القضاء على البطالة والاستجابة للدينامية المتسارعة للاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية؟ وجد العديد من المراقبين بالفعل أن القطاع الخاص، بحجمه المحدود، لديه قدرة منخفضة على خلق فرص العمل. ويتكون هذا القطاع من 90٪ من الشركات الصغيرة جداً، تهيمن عليها الشركات العائلية. ومن الواضح أن الضعف الملحوظ في عدد الشركات الصغيرة والمتوسطة الصناعية لا يجعلها قادرة على دعم مؤسسات القطاع العام لتحقيق الانتعاش الاقتصادي على أساس إنتاجي. يحتل قطاع التصنيع 10٪ فقط من الشركات الخاصة المتخصصة بأكملها تقريباً في التجارة والخدمات، ما يعكس حقيقة عدم وجود رجال أعمال راغبين في الاستثمار في الأعمال الإنتاجية الحديثة والمبتكرة والمخاطرة. ولذلك من الجائز القول إنه عندما لا يكون هناك اقتصاد، لا نستطيع أن نمارس اقتصاد الدولة، وهنا نسترجع عنواناً لمقال اقتصادي «المبادر الشومبيتيري، هل وجد يوماً ما؟» (نسبةً إلى الاقتصادي جوزيف شومبيتر، وتعني المبادر الاقتصادي الذي يُطلق الابتكار بهدف تطوير النشاط الاقتصادي والربح). يجب على الدولة أن تؤدي دور المبادر والمخاطر. وتقع عليها في مرحلة من إعادة إحياء الصناعة هذه، مسؤولية مواصلة الاستثمار بكثرة لدعم العمالة والنمو في القطاع العام. ويجب أن تبدأ القراءة للمرحلة المقبلة على المدى المتوسط ​​والطويل وتستفيد من دروس الطريق المسدود الذي قادنا إليه هذا التوجه، وذلك لبناء بديل جديد متماسك.


العولمة الرأسمالية لا تمنح الدولة الوطنية سوى خيار الانتحار


■ هل يمكننا، في الواقع، أن نطمح إلى بناء اقتصاد منتج على قاعدة التصنيع البديل، وبالتالي استعادة السوق الداخلية؟

هذا أمر يتطلب قراراً ذاتياً وخيارات سيادية، والقبول في الوقت نفسه بتضييق شبكة صنع القرار الوطني من خلال احترام نظام القواعد والإجراءات التي وضعتها «المؤسسات الدولية» (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، الاتحاد الأوروبي، منظمة التجارة العالمية...) والتزام المطابقة الناتجة منها. عندما يكون المرء ضمن منظومة الاقتصاد المفتوح، من المستحيل ألّا نقوم بما يقوم به الآخرون. وبالتالي، يجد صانعو القرار أنفسهم مقيدين من قبل طبيعة وقوانين النظام الذي يشكلون جزءاً منه. ومن الطبيعي أن أي دولة تنقل سيادتها الاقتصادية إلى مجال السوق العالمية لم تُبقِ لنفسها سوى حيّز واحد من السيادة مرتبط بالوظائف الإدارية البحتة باعتبارها مشترياً سلبياً في السوق العالمية. التقليل من الانفتاح على الاقتصاد العالمي، والتخلص من القوانين التي تحكمه، وتشكيل أسس واقية، كلها عوامل أساسية وشرط للتنفيذ الفعال والملموس لعملية إعادة قطاع التصنيع البديل. لطالما مثلت مسألة التمويل قضية رئيسة للتنمية الاقتصادية، ولكننا نعرف أنها ليست كل المشكلة. هناك شروط أخرى يتعين التزامها. يجب أن يكون هناك رؤية طويلة الأمد تعكس طموحاً لبناء اقتصاد منتج وناجح، وإنشاء مؤسسات قوية ومؤهلة، ودولة ضامنة للأولويات الإنتاجية والمناخية، وجهات فاعلة فعالة وملتزمة، وهيئات رقابية مستقلة وتمثيلية، ومناخ سياسي واجتماعي للتعبئة الديمقراطية من أجل التنمية الوطنية. ولهذا، لا بد من التحرر من توازنات القوى والتبعية والتخلف، وبناء روابط بديلة جديدة. ليس هناك مجال للمناورة في السياسة الإدارية الرأسمالية. وهذا ما نراه من خلال المشاكل التي تواجهها الإدارات البرجوازية في البرازيل واليونان ودول أوروبا الشرقية. لذلك، من المهم، التخلص من الأوهام بشأن إمكانية ظهور رأسمالية وطنية.
في الأساس، وكما نرى في بلدنا، إن الجمود الليبرالي الحالي أمر طبيعي. ويعكس الاستحالة الجذرية لتوفير الاحتياجات التي تتطلبها التنمية الاقتصادية والاجتماعية لبلداننا في سياق العولمة الرأسمالية. يجب علينا أن نعارض أي طرح رافض للقطيعة (مع الرأسمالية) تحت حجة أن «ليس هناك بديل». فالعولمة الرأسمالية لا تمنح الدولة الوطنية سوى خيار الانتحار وتنقلها إلى مكانة ثانوية وفرعية، ما يعني نهاية سيادة القرار الوطني وتفريغ الاستقلال من مضمونه الاقتصادي والاجتماعي. ولا يمكن قياس امتداد النشاط الرأسمالي الجزائري إلا من خلال الحجم الهائل لرأس المال فوق الوطني وتبعية الجزائر السياسية والعسكرية والإيديولوجية للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.