يوشك أن يُعلن «مشروع سلام جديد» تتبناه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. التسمية ذاتها مخاتلة في توصيف حقيقة ذلك المشروع، فلا يوجد فيه ما يستحق أن ينسب إلى أي سلام ــ إلا أن يكون سلام القوة.


كما لا يوجد ــ حسب المعلومات المتاحة ــ ما يُنبئ عن أي تراجع عن صلب «صفقة القرن» التي تطلب كل شيء للإسرائيليين مقابل لا شيء للفلسطينيين والتطبيع الكامل مع العالم العربي دون أي انسحاب من الأراضي المحتلة منذ عام ١٩٦٧.
بحسب ما هو منسوب للرئيس الفلسطيني محمود عباس، في اجتماع مغلق مع قيادات حركة «فتح»: «لن أنهي حياتي بخيانة». في الكلام إدراك بأنه ليس بوسع أحد، فلسطيني أو عربي، أن يوافق على التخلي عن القدس، أو ضم الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية للدولة العبرية، دون أن تلحقه تلك التهمة الشنيعة. بأي نظر لا يمكن وصف عباس بأنه شخصية متشددة، فهو عراب «اتفاقية أوسلو» والرجل الذي راهنت إسرائيل على اعتداله لفرض سلام الأمر الواقع.
هكذا فإن صفقة القرن محكوم عليها بالفشل المسبق الذريع، فمفتاح الموقف داخل الأراضي المحتلة وليس في أي مكان آخر ــ مهما تعاظمت الضغوط.


القاهرة أولاً ليتسنى له التحدث
في لندن وواشنطن باسم العالم العربي لا باسم السعودية


أخطر تحدٍّ لهذا النوع من السلام ردات الفعل المتوقعة لنقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة بحضور متوقع لترامب، كما أعلن بنفسه، في ذكرى مرور ٧٠ سنة على تأسيس الدولة العبرية، التي هي ذكرى نكبة فلسطين ونكبة العرب.
الاستهانة المفرطة لا يمكن أن تنسب لأي سلام بقدر ما تطلب الإذعان الكامل وردات الفعل قد تصل مدى غير مسبوق. الحقائق تعلن عن نفسها في النهاية، فهناك شعب تحت الاحتلال والكلمة الأخيرة له.
قوة كلمته تعود إلى مركزية قضيته، فلا استقرار بالإقليم إذا لم يوضع حد لمعاناة الفلسطينيين والعدوان على حقوقهم المشروعة المنصوص عليها في قرارات دولية. الأفدح أن ما هو مطروح باسم «السلام» سوف يفضي إلى تصعيد مفتوح في مستويات التوتر والصدام بأكثر أقاليم العالم اشتعالاً بالنيران.
أولويات ترامب تتحدد في التماهي مع كامل المشروع الصهيوني بأكثر من أي رئيس أميركي آخر وتصعيد الأزمة مع إيران بانسحاب متوقع في أيار/مايو المقبل من الاتفاق النووي ما لم يتم تعديله، وهذا شرط شبه مستحيل بالنظر إلى مواقف الأطراف الأخرى الشريكة في ذلك الاتفاق والموقف الإيراني نفسه.
بالتوقيت، فإنّ شهر أيار/مايو المقبل هو الموعد المحدد للتصعيد بغير سقف على المسرحين الفلسطيني والإقليمي.
الأولويات بين ترامب ونتنياهو متطابقة ولكل منهما أسباب إضافية للانخراط في «مشروع السلام» المزمع والتصعيد الإقليمي المنتظر. الأول، مأزوم تحت ضغط فضائح إدارته والاستقالات المتعاقبة داخلها، وهو يبحث عن مخرج ما من أزمته على حساب القضية الفلسطينية وما تبقى من أمن في الإقليم يرضي اللوبي اليهودي ويضفي عليه دون استحقاق صفة «رجل السلام»! والثاني، متّهم بالفساد وبعض معاونيه شهدوا ضده للإفلات من الملاحقة القضائية، وهو يبحث عن مخرج من أزمته بإثبات أنه الأكثر تشدداً مع الفلسطينيين في ما يتعلق بالأمن الإسرائيلي وضم القدس والمستوطنات والتطبيع المجاني غير المسبوق مع دول مركزية في العالم العربي.
كأي طبخة سياسية رديئة فإنها تحتاج إلى غطاء ما والتفكير ينصرف إلى السعودية ومصر والأردن، لكن حجم المخاطر الماثلة يجعل من الإقدام على توفير ذلك الغطاء مقامرة كبرى لها عواقبها الوخيمة.
باليقين، فإنّ أولى الجولات الخارجية لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، تدخل في إطار التمهيد لمشروع السلام المتوقع. كانت القاهرة محطته الأولى، وبدا ذلك مقصوداً حتى يتسنى له أن يتحدث في لندن وواشنطن على التوالي باسم العالم العربي لا باسم السعودية وحدها.
لهذا السبب، قبل غيره، حرص على تأكيد أن نسبة التطابق المصري السعودي في ملفات الإقليم مئة في المئة، وهو كلام يصعب إثباته بالنظر إلى التباينات المعروفة في الملفين السوري واليمني على وجه الخصوص.
يستلفت الانتباه أن محطة ولي العهد الثانية العاصمة البريطانية لندن قبل التوجه إلى واشنطن. السؤال هنا: لماذا لندن وليست باريس الأكثر حيوية ومبادرة الآن في الإقليم؟
إذا افترضنا، وهذا وارد تماماً، أنّ هناك من نصح أن تضم جولته لندن، فإنّ الهدف استدعاء دور بريطاني فاعل تراجع حضوره في السنوات الأخيرة لإسناد أيّ مبادرة أميركية ــ كما جرت العادة. كما أنّه يعني استبعاد أي دور فرنسي على قدر من الاستقلال. دعا الرئيس السابق فرنسوا هولاند، قرب نهاية ولايته، لاستضافة مؤتمر سلام دولي لحل القضية الفلسطينية وفق المرجعيات الدولية، وقد قاطعته حكومة نتنياهو.
معضلة ولي العهد الشاب أن طموحه لتثبيت موقعه وخلافة والده تدعوه إلى أكبر قدر ممكن من مجاراة المشروع الأميركي، لكنه باليقين يعرف أن لمثل هذه المجاراة حدوداً لا يستطيع تخطيها. تحدث في القاهرة عن القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية واستعادة الأراضي العربية المحتلة منذ عام ١٩٦٧.
بنص الكلام فهو تقليدي ومعتاد. وبتوقيته فهو حذر من العواقب والتداعيات. أولوياته تتحدد في مسألتين:
الأولى، الحسم المبكر لأي صراع محتمل على السلطة بعد الملك سلمان. كانت الاعتقالات التي طالت شخصيات كبيرة في الأسرة الحاكمة ورجال أعمال نافذين باسم «الحرب على الفساد» تعبيراً عن خشية انتظار ذلك الحسم على مستقبله. وكانت التغييرات المتعاقبة في المؤسستين العسكرية والأمنية تعبيراً عن قلق في مستويات الولاء أكثر من أي اعتبار آخر. في بلد مفرط في محافظته مثل السعودية، فإنّ ما اتخذه من قرارات وإجراءات تتعلق بحفلات الغناء وقيادة المرأة للسيارات، بدت توجهاً إيجابياً، لكنه يقصر عن الاحتياجات الحقيقية للمجتمع السعودي الذي اتسعت فيه طبقة وسطى متعلمة اطلعت على العصر وتطلب الشراكة في الحكم والانتقال إلى «الملكية الدستورية»، لا ما أطلق عليه «الملكية القبلية».
أرجو ألا ننسى أن ما تريده إدارة ترامب من السعودية فوائض نفطها لا تحديثها وإلحاقها بالعصر وتطويع قدرتها المالية الفائقة لمقتضى دمج إسرائيل بالإقليم وأن تكون فاعلاً رئيسياً فيه.
والثانية، الصراع الإقليمي مع إيران، فالسعودية مأزومة في الملفات جميعها، بلا استثناء، من خاصرتها الجنوبية عند اليمن وإخفاق حملتها العسكرية في الحسم بعد مرور ثلاث سنوات، فيما الاتهامات الدولية تتصاعد حتى داخل وزارة الخارجية الأميركية بشأن ما يحدث من مآس إنسانية، إلى سوريا حيث تقوضت أدوارها وأصبحت شبه مستبعدة من مناورات وحسابات القوة.
تلك الإخفاقات استدعت بالحساب السعودي إسباغ صفة العدو على المنافس الإيراني والمضي في بناء علاقات مع إسرائيل على مستويات استراتيجية وأمنية واقتصادية توحي باحتمال انتقالها للعلن في وقت قريب.
ما يجرى بالضبط ــ الآن ــ تأهب لإعلان صفقة سلام القوة وتوظيف تصدعات العالم العربي لبناء حلف واسع يضم إسرائيل في مواجهة إيران ومن معها على أنقاض القضية الفلسطينية. وتلك أوضاع منذرة بصدامات وحروب وانهيارات جديدة في الإقليم المنكوب.
*كاتب وصحافي مصري