تونس ــ الأخبار

تُلقي مسألة «الاحتفاظ» بالرائد محمود الورفلي، الضوء على العلاقة الشائكة التي تجمع سلطات البلاد الشرقيّة، وعلى رأسها خليفة حفتر، قائد «عمليّة الكرامة»، بعناصر تيار «السلفيّة المدخليّة» التي ينتمي إليه الورفليّ. فهي من جهة تحاول فرض نفسها كسلطة شرعيّة ملتزمة ما يصدر عن المؤسسات الدوليّة، فيما تسعى من جهة أخرى إلى الحفاظ على تماسك جبهتها الداخليّة التي يلعب ضمنها السلفيون أدواراً مهمّة.

أول من أمس، أغلق مناصرون للرائد الموقوف طرقاً في بنغازي، كبرى مدن الشرق الليبيّ، قبل أن تقوم «القوات الخاصّة»، بحضور آمرها اللواء ونيس بوخمادة، بإعادة فتح الطرقات فجر أمس. وقد كانت القوات، التي انضمت إلى «عمليّة الكرامة» مع انطلاقها في أيار/مايو عام 2014، قد أصدرت بياناً نهاية الشهر الماضي، قالت فيه إنّها «غير مسؤولة عن أي تصرفات فرديّة تصدر عن بعض الأفراد غير المنضبطين والمحسوبين على هذه المؤسسة العسكريّة». كذلك أصدرت عائلة الورفلي أمس تسجيلاً مصوّراً، قرأه شقيقه، يُطالب بإطلاق سراح «الرائد» فوراً، معتبرة أن محكمة الجنايات تتجاهل مقترفي الإرهاب وتدين من يحاربه. سلطات شرق ليبيا بقيادة «المشير»، تجد نفسها في موقف حرج
جدير بالذكر، أنّه في شهر آب/أوت الماضي، أصدرت محكمة الجنايات الدوليّة مذكرة توقيف بحقّ الورفلي بعد انتشار فيديو له يظهر فيه بصدد إعدام عدد من المحتجزين بتهمة الانتماء إلى تنظيم «داعش». حينها، أعلنت قوات الجيش الليبيّ، التي يقودها المشير خليفة حفتر، إيقافه وفتح تحقيق في الأمر، ولكن لم يشهد الملف حينها أيّ تقدّم، إذ أُطلق سراح الورفلي، وسُمِح له بالنشاط حتى تاريخ انتشار صور له في نهاية كانون الثاني/جانفي الماضي، وهو بصدد إعدام عشرة موقوفين أمام مقر مسجد في بنغازي.
بعد تكرر «عمليات القتل خارج القانون»، عاودت محكمة الجنايات مطالبة سلطات الشرق الليبيّ بتسليم المطلوب، وقام الأخير في بداية من الشهر الماضي بتسليم نفسه بعد تلقيه أوامر من حفتر. وجاءت احتجاجات الأيام الأخيرة بعد إصدار المحكمة «إشعاراً أحمر» وتوجيه تهمٍ بارتكاب سبع جرائم حرب في حقّ الورفليّ، أعقبها نشر مكالمة هاتفيّة يُطالب فيها الأخير أنصاره بالتجمّع للاحتجاج على إيقافه وللمطالبة ببراءته.
من جهة أخرى، قال العميد أحمد المسماري، وهو المتحدث باسم «الجيش الوطنيّ» (حفتر)، في تصريحات متلفزة، إنّ القضيّة الآن «بيد القضاء العسكريّ»، وبرر الإعدامات التي قام بها الورفلي قائلاً إنّ «الاستفزازات والجرائم لها انعكاسات خطيرة على نفسيّات العسكريّين، وولدت بالتالي شعوراً بالانتقام، ولما قبض رجال الصاعقة على المجرمين عاملوهم بالمثل، كردة فعل قاسية». أيضاً، أعلن رئيس «لجنة الدفاع والأمن» في البرلمان الذي يتخذ من مدينة طبرق الشرقيّة مقراً له، أنّ «ليبيا لن تسلم أبناءها».
محمود الورفلي، انتمى في بداية نشاطه العسكريّ بعد سقوط نظام القذافي إلى «كتيبة التوحيد» السلفيّة، وبعد اتخاذ السلطات قراراً بتوزيع أعضاء هذه الوحدة، انتقل إلى صفوف «كتيبة الصاعقة»، وسطع نجمه بعد اشتهاره بعمليات تصفية انتقاميّة خارج القانون في صالح عدد من المحتجزين بتهمة الانتماء إلى مجموعات جهاديّة. ويَعتبر تيار «السلفيّة المدخليّة» الذي ينتمي إليه الورفلي، أنّه بصدد مقاتلة «الخوارج» ويبايع خليفة حفتر بصفته «وليّ الأمر الشرعي».
ويحظى «المداخلة» الذين ينتشرون أيضاً في مدينتي سرت وطرابلس، بحضور قويّ في الشرق الليبيّ، ويتلقون بصفة مستمرة توجيهات من الشيخ السعوديّ ربيع المدخليّ، الذي يحمل التيار لقبه، بالإضافة إلى شيوخ سعوديّين آخرين، من أبرزهم أسامة العتيبي الذي قام بداية العام الماضي بجولة في عدد من المدن الليبيّة.
وإضافة إلى النفوذ العسكريّ، يحظى السلفيّون أيضاً بحضور طاغٍ ضمن «هيئة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة»، ويظهر ذلك في عدد من مواقفها والفتاوى التي تصدرها. وسبق أن أصدرت الهيئة العام الماضي تعميماً خُصصت وفقه خطبة الجمعة في الشرق الليبي حول موضوع «دور العلمانيّة في إفساد المجتمع»، وجاء ذلك عقب حجز مديريّة الأمن في مدينة المرج كتباً وصفتها بأنّها «شيعيّة رافضيّة، وثوريّة خارجيّة، وكتب لتبديل حكم الله عز وجلّ، وكتب إباحيّة ساقطة (في شكل روايات)، ودواوين شعر صوفيّة وكتب إخوانيّة، وأخرى تدعو للإلحاد، أو للنصرانيّة، أو اليهوديّة، وكتب علمانيّة».
وتكتسب مسألة إيقاف الورفلي أهميّتها لأنّ سلطات شرق ليبيا تجد نفسها في موقف حرج، إذ تسعى من جهة إلى تقديم نفسها باعتبارها جهة «مقاومة للتطرف ومحاربة للإرهاب»، فيما تتحالف من جهة ثانية مع تيّار سلفيّ لا يتوانى عن تكفير خصومه ويسعى إلى تحويل آرائه الفقهيّة إلى إطار معياريّ لسلوكيّات المجتمع، وعي في الوقت نفسه لا تستطيع إقصاءه حاليّاً نظراً إلى نفوذه العسكريّ الداعم لها في حربها ضد الأطراف المهيمنة في غرب البلاد. وتتجه الأنظار اليوم إلى مواقف خليفة حفتر المنتظرة، فهو إذا أمر بالاحتفاظ بالورفلي لإغلاق باب الانتقادات الدوليّة مؤقتاً، فستنتظره معركة أكبر للسيطرة على السلفيّين وكبح جماحهم.
في حديث إلى «الأخبار»، يعتبر حسن كدنوا، وهو منسّق ليبيا في «مركز دعم التحول الديموقراطي وحقوق الإنسان»، أنّ السلطات الليبية «قد تستغل واقع أنّها غير مصادقة على قانون المحكمة الجنائية الدولية لعدم تسليم الورفلي، كما حصل في حالات سابقة مثل حالة سيف الإسلام القذافي»، مستدركاً أنه «مع اشتداد الضغوط الدوليّة قد يضطر حفتر لتسليمه، فيخوض حرباً مع السلفيّين الذين سيصبحون حجر عثرة في طريقه لتشبثهم بتطبيق الشريعة».