بغداد | انتظر غالب الدراجي انتهاء ابنه علي من امتحاناته النهائية للمرحلة الأولى بعد الابتدائية، ليلحقه بالمعسكرات التدريبية التي افتتحت مؤخراً بأمر من المرجعية الدينية في النجف، وهدفها تدريب طلبة المدارس وتلاميذها على السلاح، تحسباً لأي طارئ قد يمر به العراق.

في منطقة قريبة من الرصافة في العاصمة بغداد، اصطحب الدراجي ابنه البالغ الثانية عشرة إلى مقر «منظمة بدر»، لتسجيله في الدورات التدريبية التي يتلقون فيها التعلم على السلاح وطرق التعامل مع العدو.

علي الذي لم يكن غريباً عن المظاهر المسلحة التي تنتشر في مناطق العراق، لم يفاجأ بأنه سيكون حاملاً له أو متدرباً عليه، ففي منزلهم الذي يقع في منطقة شعبية يُخبّئ والده قطعتي سلاح، مسدس نوع «كلوك» وكلاشنيكوف. وكان لهذا الصبي في يوم ما فرصة إطلاق العيارات النارية في مناسبة عائلية.
على عكس دول العالم، يواصل الطفل العراقي لعبه في الحارات حتى لو سمع صوت إطلاق نار أو صوت انفجار، فآذان العراقيين تشبعت بأزيز الرصاص ودوي الانفجارات على مدى ثلاثة عقود وأكثر. وقبل بدء العطلة الصيفية (قبل أسابيع)، دعت المرجعية «الشيعية» إلى ضرورة فتح مراكز تدريب لتلاميذ وطلبة المدارس في أيام العطلة. دعوة كانت مشابهة لدعوة الجهاد الكفائي التي أطلقت العام الماضي، ولاقت المستوى نفسه من التلبية وسرعة التسجيل في المراكز.

توافد المئات من أساتذة وطلبة الجامعات للتطوّع والتدرّب على السلاح

افتتحت عشرات المراكز في العاصمة بغداد، وانتشرت جميعها في المناطق «الشيعية»، ويشرف على التدريب مجموعة من مقاتلي «الحشد الشعبي»، الذين ينتمي أغلبهم إلى الفصائل العسكرية التي كانت تقاتل نظام صدام حسين قبل 2003، أو التي لها خبرة في هذا المجال أثناء احتلال القوات الأميركية للبلاد. كذلك هناك ضباط متقاعدون في الجيش السابق أو في الخدمة يقومون بتدريب الأطفال على القتال، وتستمر الدورة نحو أسبوعين.
وفي وقت سابق، دعا إمام جمعة كربلاء، أحمد الصافي، طلبة الكليات والمعاهد والمدارس الإعدادية إلى الاستفادة من أوقات تعطيل الدوام للدخول في دورات فكرية وثقافية وعلمية في مجالات اختصاصية وأخلاقية، والوعي بالمواطنة، والتدرب على السلاح.
وبعد يومين، سارعت المؤسسات التابعة للفصائل «الشيعية» المنضوية في «الحشد الشعبي» إلى فتح مراكز تطوع للطلبة، وجهزت الأسلحة والمدربين العسكريين، بينما بدأ ذوو الأطفال إرسال أبنائهم إلى تلك المراكز.
في مؤسسة «النخب الأكاديمية» التي تقع في منطقة شارع فلسطين في بغداد، توافد المئات من أساتذة وطلبة الجامعات للتطوع والتدرب على السلاح. المسؤول الطبي في المؤسسة، الدكتور خلدون هاشم، يقول لـ«الأخبار»، إن «المؤسسة دربت خلال شهر واحد ثلاثة آلاف متطوع، جميعهم من أساتذة وطلبة الجامعات، وهذا ما تم توثيقه، ولم نقبل أي متطوع في هذه الدورات إن لم يكن جامعياً».
ويضيف هاشم أن «المتطوعين تدربوا على الحرب النفسية وكيفية مواجهة العدو وتفكيك السلاح، وكذلك على الإسعافات الطبية»، موضحاً أن «أي متدرب لن يُقبل ما لم يبرز ما يثبت أنه طالب أو أستاذ جامعي».
وفي قضاء التاجي، شمال بغداد، افتتحت مراكز تدريب بإشراف فصيلي «سرايا عاشوراء» و«سرايا المرجعية»، إضافة إلى فصائل أخرى منضوية في «الحشد».
تلك المراكز استقبلت أعداداً كبيرة من الأطفال الذين أتى بهم ذووهم للتطوع والتعلم على السلاح بغية محاربة تنظيم «داعش». ولدى هؤلاء رغبة كبيرة في التعلم على السلاح، لكن البنية الجسمانية لأغلبهم لا تتلاءم ورد الفعل الذي تحدثه البندقية عند إطلاق النار.
يقول الشيخ علي الكناني، وهو أحد المسؤولين عن مراكز التطوع هناك، إن «هناك إقبالاً من المتطوعين الذين تكون الغالبية منهم من طلبة الدراسة الإعدادية، وهم يمتلكون رغبة كبيرة في التعلم على استخدام السلاح، والتدرب على الفنون القتالية في مواجهة العدو».
ويشير الكناني إلى «وجود تمارين رياضية وتدريب بسيط على السلاح، تحديداً المسدس، قبل البدء بعمليات تفكيك الكلاشنيكوف وإطلاق النار وإجراء التدريبات الأخرى».
عضو لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب العراقي، حسن سالم، يوضح في الإطار أن «هذه المراكز افتتحت بناءً على دعوة المرجعية الدينية في النجف، وهي خطوة إيجابية لتعليم الأطفال على حمل السلاح والتعرف على حيثياته أثناء العطلة الصيفية، وهذا جزء من عملية الوقوف إلى جانب القوات الأمنية وقوات الحشد التي تقاتل عصابات داعش الإرهابية».
ويؤكد سالم لـ«الأخبار» أن «المشرفين على تدريب الأطفال هم من مقاتلي الحشد الشعبي والضباط العراقيين الذين يمتلكون الخبرة الكافية لإعداد شبان العراق بما يُمكّنهم من الحفاظ على بلدهم».