ياسر برهامي، الذي يوصف بأنه الرجل القوي للدعوة السلفية، رغم كونه نائباً لـ«قيّم الدعوة» محمد عبد الفتاح، أبو إدريس، الذي يشغل منصب رئيس مجلس «إدارة الدعوة السلفية»، وقد تحولت الأخيرة إلى «جمعية الدعاة»، والآن تخضع لقانون الجمعيات الأهلية المصرية. مع ذلك، فإن برهامي بقي الرجل الممسك بكل مفاصل التيّار، وقد عزز سيطرته خلال الانتخابات التي جرت قبل أيام، وذلك باستبعاده قيادات من مجلس «إدارة الدعوة» وحتى قياديي الصف الأول، بسبب رفضهم النهج السلفي في التعامل مع الواقع السياسي المصري عقب إطاحة مرسي، وهي القيادات التي تم وصفها بأنها «إخوانية»، أو لكونهم من غير المحسوبين على «الجناح البرهامي» داخل الدعوة.


أكثر من ذلك، فبرهامي الذي رغب في تكرار تجربة «هيمنة إخوان مكتب الإرشاد» على «حزب الحرية والعدالة» وتصدير الحزب باعتباره واجهة للجماعة تستطيع منها ممارسة العمل السياسي، دفع عماد عبد الغفور (أول رئيس لحزب النور) إلى الاستقالة عام 2012 مع مجموعة من قيادات الصف الأول في «النور»، بينهم المتحدثون الرسميون باسمه، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في الحزب، وآخرون، وذلك اعتراضاً على هيمنة «الدعوة» على الحزب، واعتباره حزباً «سلفياً» لا حزباً إخوانياً، وهي رؤية «الإخوان» نفسها في التعامل مع الحرية والعدالة، لكن الهيمنة القوية لـ«إخوان الإرشاد» على «الحرية والعدالة» آنذاك منعت تفجيره، وهو أمر لم يجر مع «النور» الذي استقالت قياداته الأولى، ثم أسّست حزب «الوطن».

الأسماء التي تمت
إطاحتها في انتخابات الدعوة السلفية لم تكن مفاجئة

وفي الموقف الحالي، فإن الأسماء التي تمت إطاحتها في انتخابات الدعوة السلفية لم تكن مفاجئة للمراقبين: الشيخ سعيد عبد العظيم ومحمد إسماعيل المقدم، وأحمد حطيبة، وأحمد فريد. الرباعي السابق من ضمن سبع قيادات تاريخية أسّست للمدرسة السلفية السكندرية في السبعينيات، عقب خروجها من «الجماعة الإسلامية» التي كانت وعاءً جامعاً لكل المنتمين إلى التيار الإسلامي آنذاك، قبل انضمام برهامي إلى هيكل الدعوة بالأساس. كذلك فإن المشايخ الأربعة، إضافة إلى محمد يسري إبراهيم، وعلي غالب، أخذوا موقفاً مغايراً للنهج السلفي الرسمي في التعامل مع الواقع السياسي عقب عزل مرسي.
وخلافاً للرأي السلفي الرسمي الذي احتوى غضب القواعد السلفية عقب إطاحة مرسي والحملة التي شنّتها الدولة ضد أنصاره، وتبرير التعامل مع المشهد من باب «الاضطرار»، فإن القيادات السابقة أخذت خطاً مغايراً. وفي حين التزم حطيبة والمقدم وفريد الصمت، رافضين موقف الدعوة وتأويله من باب الاضطرار، مؤكدين أن الجماعة كان في وسعها الصمت، والابتعاد عن المشهد بديلاً من المشاركة فيه، بينما انغمس إبراهيم وغالب، قيّم الدعوة السلفية في مطروح، وسعيد عبد العظيم في الاحتجاجات التي نظمها «الإخوان» عقب عزلي مرسي.
أيضاً، عبد العظيم الذي كان أحد المسؤولين عن التواصل بين السلفيين و«الإخوان» قبل إطاحة مرسي، بسبب تبنّيه رؤية تتوافق مع رؤية بعض القيادات الإخوانية ذات الهوى السلفي مثل خيرت الشاطر ومحمود غزلان (مكتب الإرشاد)، أخذ خطاً مغايراً للنهج السلفي الرسمي في التعامل مع الأحداث؛ فظهر خطيباً وملقياً للكلمات الحماسية على منصة رابعة العدوية أثناء اعتصام الجماعة وأنصارها، ثم وقّع على بيان الكنانة الذي صدر قبل أشهر عبر عدد من الدعاة المحسوبين أو المؤيدين لـ«الإخوان» في مصر، وتعاملت معه الدعوة السلفية باعتباره تحريضاً على البلاد، وهو البيان الذي أعقبه تعليق عضويته فيها، قبل خروجه من مجلس إدارتها نهائياً.
على صعيد آخر، توقفت دروس الشيخ إسماعيل المقدم الذي يعتبر أحد رجالات الإجماع داخل العمل الإسلامي ويحظى بتقدير داخل صفوف الكيانات والقواعد الإسلامية عموماً، عقب عزل مرسي. ونقل عنه أكثر من مرة رفض المسار الحالي للدعوة السلفية.
خروج الشيخ علي غلاب ــ مسؤول الدعوة السلفية في مطروح ــ كان متوقعاً أيضاً، نظراً إلى رفض الدعوة السلفية هناك بصورة كاملة عزل مرسي، وانغماسها مع المكون الأساسي للتيار الإسلامي لديها في التظاهرات ضد عزل الأخير، ووقوع تصادمات بينها وبين قوات الأمن، انتهت بقتلى بين المتظاهرين، أعقبها هجوم متكرر بالأسلحة على بعض المقار الأمنية، قبل أن تدفع الجهات السيادية الديات إلى أهالي القتلى ضمن اتفاق رعاه بعض مشايخ القبائل. وتضمن الاتفاق وقف التظاهرات، قبل أن يتجدد خروج غلاب على النهج السلفي مرة أخرى برفضه المشاركة في انتخابات مجلس الشعب عند «أول إعلان» لانعقادها عقب عزل مرسي، ثم جرى تأجيلها مرات عديدة.
خروج هذه القيادات أعقبه انضمام قيادات أخرى محسوبة على جناح برهامي، أبرزهم يونس مخيون (رئيس الحزب)، وجلال مرة (ممثل الدعوة السلفية)، وأشرف ثابت (نائب رئيس الحزب)، وغريب أبو الحسن (أمين العضوية)، وجميعهم محسوبون على الجناح البرهامي داخل التيار السلفي السكندري، لتتأكد هيمنة برهامي على الدعوة السلفية، وهيمنة الدعوة على الحزب كلياً.
أما خطوة تعيين إسماعيل المقدم وأحمد حطيبة وأحمد فريد مستشارين لمجلس الإدارة، فتأتي ترضية للقواعد السلفية وامتصاصاً لأي غضب نتيجة الانتخابات، وحفظاً لتاريخهم وموقعهم داخل الواقع السلفي والإسلامي، لأن الموقع الجديد لا وجود له ضمن اللوائح المنظمة لعمل الجمعيات الأهلية التي تخضع لها جمعية «الدعاة».
ووفق المراقبين، فإن نتائج هذه الانتخابات بخلاف تعزيزها الهيمنة «البرهامية» على الدعوة السلفية، فإنها ستدشن مرحلة جديدة من العلاقة بين السلفية السكندرية والدولة، قد تتحول فيها الأولى إلى تابع للثانية، بعد خروج الأصوات المعارضة أو الصامتة الرافضة للنهج السلفي في التعامل مع الأحداث.
أحمد...