غزة | لم تكن سهلة «المفاوضات» التي خاضتها أم شادي أبو زنادة على بوابة مقر «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (الأونروا) في مدينة غزة، إذ استقدمت المرأة الستينية عدداً من «الوساطات الوازنة» لكي يُسمح لها بالدخول للاطمئنان إلى ابنها شادي الذي يواصل اعتصامه في باحة «الأونروا» برفقة 20 مهندساً من زملائه، وذلك لليوم الحادي عشر على التوالي، فيما يقف ثمانون آخرون على البوابة الخارجية للمقر بعدما لم يتمكنوا من فرض وجودهم في الداخل، وكل هؤلاء قررت إدارة الوكالة الاستغناء عن خدماتهم نهائياً.


حكاية مهندسي العقود، الذين يبلغ عددهم 98، بدأت منذ تقدموا إلى امتحانات التوظيف عام 2011، أي مرت سبع سنوات ولم يحظَوا بحقهم في التثبيت الوظيفي، رغم أن مدة عمل بعضهم سارت بصورة متواصلة، وإن كانت تحت نظام العقد المؤقت. وكحل موضعي، كانت «الأونروا» تواصل تجديد عقودهم لمدد محدودة قُلّصت أخيراً لتصل إلى مرة كل ثلاثة أشهر. وتقول المهندسة صابرين شقاليه إن الاستغناء عنهم سبقه عدد من الخطوات الممهدة، فقد قَبِل المهندسون منذ أشهر العمل بنصف الراتب المتفق عليه أساساً في سبيل المحافظة على مصدر رزقهم.
مراسل «الأخبار» استطاع التواصل مع ثائر شومر، وهو أحد المهندسين الذين تمكنوا من الانضمام إلى المعتصمين داخل المقر. فرغم أن شومر وزملاءه لم يبرحوا مكانهم منذ عشرة أيام، فإن إدارة الوكالة تتجاهل وجودهم كلياً. حتى أن ماتياس شمالي، الذي عين قبل شهور مديراً لعمليات الوكالة في القطاع، علّق على خطوات المعتصمين: «أنا لا أفاوض وفوهة المسدس مصوبة باتجاه رأسي... أوقفوا الاعتصام واذهبوا إلى بيوتكم ثم نتفاوض وفق الموازنة المتوافرة».
وتعزو «الأونروا» الاستغناء عن «مهندسي العقود» إلى الأوضاع المالية الصعبة التي تمرّ بها عقب قرار الولايات المتحدة تقليص 300 مليون دولار من مساهمتها في موازنة الأمم المتحدة التي تبلغ 360 مليوناً. ووفق المتحدث باسم «الأونروا» في غزة، عدنان أبو حسنة، فإن المشاريع التي كانت توفّر الرواتب لهؤلاء المهندسين تقلصت نسبتها إلى النصف، فضلاً عن تراجع تمويل المشاريع السنوية من الدول المانحة عقب تولي الرئيس دونالد ترامب مقاليد الحكم مطلع العام الماضي.
لكن المهندسة غادة الرفاتي قالت إن ادعاءات الوكالة غير صحيحة، لأن «قرار الاستغناء صدر قبل أن تنتهي بعض المشاريع الجارية، فيما قيل لنا إن مهمة إدارة المشاريع ستوكل إلى خمسين مهندساً رسميين». وقالت الرفاتي، وهي زوجة لمهندس استغني عنه أيضاً: «هذه هي الخطوة الأولى التي ستتبعها مسيرة طويلة من التقليصات في المرحلة المقبلة».
ووفق مصادر خاصة، تحدثت إلى «الأخبار»، فإن سياسة شمالي تنطلق من قاعدة «التخلي عن الموظفين الملزمين لتوفير الأموال للموظفين الأكثر إلزاماً»، أي تقليص النفقات على موظفي العقود والتشغيل المؤقت لمصلحة الموظفين الرسميين. كذلك حاولت الوكالة الاستعانة بشرطة غزة لفك الاعتصام، لكن الأخيرة حاولت بصورة طفيفة إبعاد المعتصمين دون استعمال العنف المفرط، وقررت لاحقاً ترك الأمور كما هي، بما أن الاعتصام سلمي.
لكن المهندس شومر يرى أن قضيتهم محقة لأنها تستند إلى مسوغين قانونيين، أولهما أن الرواتب التي يتقاضونها ممولة أساساً من المشاريع التي تأخذ «الأونروا» نسبة 12% من مجمل موازنتها، فالراتب مرتبط باستمرار المشروع وتسليمه، والمشاريع لم تنته بعد، في حين أن المسوغ الثاني هو أن دوائر الوكالة كافة تثبت موظفي العقود بعد مدة أقصاها سنتان من العمل.
أما عن التقليصات اللاحقة، فيقول أبو حسنة، إن «الأونروا لم تقلّص أياً من خدماتها في الوقت الحالي، وهي تمتلك موازنة تكفي حتى نهاية مايو (أيار) المقبل... سيحدد مؤتمر المانحين الذي سيعقد في الخامس عشر من الشهر الجاري مصير مستوى تواصل خدمات الوكالة».
وأظهرت صورٌ تناقلها ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي أوضاعاً صعبة يعيشها المعتصمون، إذ يمنع موظفو الأمن ذوي المعتصمين من زيارتهم، فضلاً عن منعهم من إدخال المستلزمات اللوجستية لهم كالطعام والماء، ما اضطر زملاءهم المعتصمين في الخارج إلى إلقاء الطعام لهم من فوق الأسوار المرتفعة. وفي خطوة أكثر تصعيداً، أعلن المعتصمون أمس نيتهم الدخول في إضراب عن الطعام ليوم واحد (الأربعاء) على أن يُصار إلى تصعيد خطوات الاحتجاج تدريجاً.