لا تفلح جولة مبعوثَي الإدارة الأميركية إلى المنطقة، الجنرال المتقاعد أنتوني زيني ونائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الخليج تيم ليندركينغ، في تخفيض مستوى التوتر المتصاعد بين أطراف الأزمة، والذي سجّل أمس قفزة جديدة مع إعلان الدوحة اعتراض مقاتلاتها طائرة إماراتية اخترقت الأجواء القطرية.


وفي وقت لم يصدر فيه عن الجانب الكويتي، الذي أعاد تحريك وساطته في الأيام القليلة الماضية، ما يشير إلى إمكانية حلحلة الخلاف سوى التمنيات، بدا لافتاً إعلان الولايات المتحدة عن صفقات أسلحة إضافية لكل من قطر والإمارات، في مؤشر إلى أن إدارة دونالد ترامب لا تزال على إرادتها الاستثمار في الأزمة، وإن باتت اليوم متموضعة في موقع «وسطي»، تحاول من خلاله التوفيق بين حلفائها، وإقناعهم بأولوية مواجهة إيران.
وفي حادث هو الثالث من نوعه منذ اندلاع الخلاف في يونيو/ حزيران 2017، أفادت قناة «الجزيرة»، التابعة لقطر، أمس، بأن طائرة نقل عسكرية إماراتية دخلت المجال الجوي القطري يوم الأحد، عندما كانت متجهة من أبو ظبي إلى الكويت، من دون إذن من سلطات الدوحة.


الجار الله: لم تُوجّه دعوات
إلى القمة الأميركية
ــ الخليجية إلى الآن
وأضافت القناة أن مقاتلات قطرية اعترضت الطائرة الإماراتية بعدما حاولت التواصل مع طاقمها من دون الحصول على رد. وسبقت هذه الحادثة حادثتان مماثلتان، وقعت أولاهما في 21 كانون الأول/ ديسمبر الماضي عندما اخترقت طائرة عسكرية إماراتية الأجواء القطرية واستمرت فيها لدقيقة واحدة، بحسب الشكوى التي رفعتها الدوحة آنذاك إلى الأمم المتحدة، وثانيتهما في 3 كانون الثاني/ يناير الفائت عندما حلّقت طائرة عسكرية إماراتية فوق المنطقة الاقتصادية القطرية من دون إذن من السلطات، وفق ما جاء أيضاً في شكوى مندوبة قطر في الأمم المتحدة، علياء آل ثاني، بهذا الشأن.
وترافق الإعلان القطري الجديد مع تصعيد كلامي من قبل الدوحة في وجه دول المقاطعة، دخل على خطّه، أمس، رئيس الوزراء السابق حمد بن جاسم، الذي دشّن حساباً باسمه على «تويتر»، «في ظل الوضع الحالي الذي يمر به خليجنا الواحد». وبرّر ابن جاسم خطوته بأن «هناك جيوشاً مجيّشة من كل الأطراف، وهي للأسف سُخِّرت لهدم الكيان الخليجي، وزرع الفتنة، وبثّ الأكاذيب»، ما استدعى رداً من قبل المستشار في الديوان الملكي السعودي، سعود القحطاني، الذي هاجم وزير الخارجية القطري السابق، واصفاً إياه بأنه «مهندس العلاقات مع إسرائيل، والتعاون مع إيران، واستقطاب الإخوان».
وفي غضون ذلك، سُجّل أول ردّ قطري رسمي على تصريحات ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في القاهرة، والتي عدّ فيها قضية قطر «تافهة جداً»، قائلاً إن «أقلّ من وزير يتولى ملفّها». ورأى وزير الخارجية، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، أن ثمة «دولاً كبيرة، ولكن قلوب (زعمائها) وعقولهم صغيرة وضيقة الأفق، منشغلة بالتآمر وبثّ عدم الاستقرار في المنطقة»، في إشارة إلى السعودية. ورأى آل ثاني أن حديث ابن سلمان «يؤكد انشغال المسؤولين السعوديين بهذه القضية، بدليل تكرارهم ذكرها في لقاءاتهم وتصريحاتهم».
وفي موازاة مواصلتها «حربها» الدبلوماسية والإعلامية على عواصم المقاطعة، تابعت الدوحة محاولات كسر «العزلة» المفروضة عليها من جيرانها، عبر جولة أوروبية قام بها أمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، خلال الأيام الثلاثة الماضية، شملت بلجيكا وبلغاريا. ولعلّ أكثر ما لفت الانتباه في هذه الجولة توقيع الجانب القطري اتفاقية مع حلف شمال الأطلسي «ناتو»، يُسمح بموجبها للأخير، وفقاً لما ذكره موقعه الرسمي، بـ«دخول قطر وعبورها، واستخدام قاعدة العديد الجوية»، بما يسهّل مهمّات الـ«ناتو» في المنطقة، وخصوصاً عملياته في أفغانستان.
وعقب يوم واحد من توقيع تلك الاتفاقية التي تأتي في إطار مساعي قطر لتنويع مظلّات الحماية الممتدة فوق رأسها، خصوصاً الغربية منها، جاء الدعم، أمس، من الجانب الأميركي، الذي أعلن موافقته على طلب الدوحة تحديث مركز العمليات الجوية التابع للقوات القطرية لوجستياً وتكنولوجياً. وبيّنت وزارة الدفاع الأميركية أن الصفقة تبلغ قيمتها 197 مليون دولار، مشيرة إلى أنها تستهدف مساعدة «السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة من خلال المساعدة على تحسين أمن دولة صديقة»، مضيفة أن «قطر كانت ولا تزال قوة مهمة للاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي». وتُعدّ هذه الصفقة بمثابة جرعة مساندة جديدة للدوحة، تضاف إلى سلسلة اتفاقيات تم توقيعها بين الجانبين، كان أبرزها ما أُبرم خلال «الحوار الاستراتيجي الأميركي ــ القطري»، أواخر كانون الثاني/ يناير المنصرم.
إلا أنه، وعقب ثلاث دقائق فقط من إعلان الـ«بنتاغون» بشأن قطر، قالت وزارة الدفاع الأميركية، في بيان ثانٍ، إنها وافقت، كذلك، على صفقة بقيمة 270 مليون دولار لبيع الإمارات صواريخ جو ــ جو. وحمل البيان الثاني مفردات مشابهة لما جاء في سابقه، إذ وصف الإمارات بأنها «دولة صديقة... وقوة مهمة للاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي في الشرق الأوسط». هذان الإعلانان المتعاقبان يمكن فهمهما في إطارين: أوّلهما أن الولايات المتحدة لا تزال تعتقد أن بإمكانها جني أرباح من الأزمة الخليجية، من خلال اللعب على وتر الهواجس القطرية إزاء دول المقاطعة، و«الاستماتة» الإماراتية والسعودية في كسب ودّ إدارة ترامب، وثانيهما أن واشنطن تحاول في الوقت نفسه تعزيز موقفها «الوسطي» بين الطرفين، أملاً في تحقيق اختراق يعبّد الطريق لعقد قمة أميركية ــ خليجية في أيار/ مايو المقبل.
قمة لا يزال مصيرها مجهولاً، في ظل عدم توجيه أي دعوات حتى الآن، وفقاً لما أكده أمس نائب وزير الخارجية الكويتي، خالد الجار الله. لكن الجار الله احتمل أن تؤدي زيارات الزعماء الخليجيين، المرتقبة خلال الشهرين الجاري والمقبل إلى الولايات المتحدة، إلى عقد القمة، معرباً عن أمله في «طيّ صفحة الخلاف الخليجي». وباستثناء ذلك التمني، وتجديد تمسك الكويت، ومعها الولايات المتحدة، بـ«إنهاء هذا الخلاف، والتفرغ لمواجهة الأخطار» التي تتعرض لها المنطقة، لم يبدر من الوزير الكويتي ما يفيد بتقدم على خط حلحلة الأزمة.
(الأخبار)