«إقليم الصحراء الغربية ليس جزءاً من أراضي المملكة المغربية... والمياه المتاخمة لإقليم الصحراء الغربية ليست ضمن منطقة الصيد المغربية التي تشملها اتفاقية الصيد البحري»، أعلنت محكمة العدل الأوروبية في البيان الصادر عنها، الذي كان من شأنه التذكير بحق تقرير المصير، أي بالموقف القانوني المكرّس دولياً والذي يضع الخلاف التاريخي حول الصحراء الغربية في سياقه الأصلي أي «إنهاء الاستعمار» الذي يرفضه المغرب منذ مدة طويلة رغبةً منه في الاستمرار بتقديم هذا النزاع كقضية داخلية.


ومن الناحية العملية أيضاً، فجدير بالذكر أنّه في الوقت الذي لا يعترف فيه أي بلد رسمياً بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، فإنّ الاتفاقية التي دخلت حيز النفاذ في 28 شباط /فبراير 2007، والتي سمحت بدخول سفن الاتحاد الأوروبي إلى منطقة الصيد البحري في المغرب وإلى المياه المجاورة للصحراء الغربية، كانت بمثابة اعتراف ضمني بادعاءات الرباط المتعلقة بحقها في هذا الإقليم.

«حجر الزاوية» للحسن الثاني


تعود قضية الصحراء إلى الواجهة عقب قرار المحكمة الأوروبية


استمرار الرباط بسعيها لإفشال خطط التسوية المتعاقبة تحت ذريعة احترام «السلامة الإقليمية» (على أساس انتماء سابق ومفترض للصحراء إلى المغرب)، لم تكن لتنجح لولا الإدارة الغامضة لهذا النزاع الإقليمي من قبل المجتمع الدولي، ما حوّله إلى صراع غاية في التعقيد. وعلى الرغم من الرأي الاستشاري الشهير الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في 16 تشرين الأول/أكتوبر 1975 بناءً على طلب المغرب، والذي أشارت من خلاله إلى أنّ الروابط التاريخية بين الصحراء الغربية من جهة والمغرب و«الكيان الموريتاني» من جهة أخرى، لم تمثل علاقات «سيادة إقليمية» بالمعنى الدقيق للمصطلح، فإنّ الرواية الوهمية للحقوق التاريخية «الطبيعية» للمغرب بالصحراء الغربية ما زالت تسيطر على المخيال الجمعي.
في مواجهة ذلك الرأي الاستشاري، برزت ذريعة «روابط الولاء» غير الدقيقة بالأساس، ليستند إليها منظرو النظام المغربي بغية الحدّ من تأثيره والاعتراف بادعاءات الرباط السياديّة المتولّدة في السياق التاريخي لأزمة السلطة خلال فترة حكم الحسن الثاني. فقضية الصحراء الغربية، إنّما تجسد تاريخياً حجر الزاوية لاستراتيجية إضفاء الشرعية على نظام ملكي اهتزت أسسه بعد انقلابَي تموز/يوليو 1971 وآب/أغسطس 1972 العسكريين الفاشلين، والاحتجاجات التي قامت بها فئة من اليسار المغربي. ومن أجل إضعاف كل من الجيش والمعارضة وتحصين الساحة السياسية، سعت الملكية إلى استعادة الإجماع الداخلي من خلال توحيد الطاقات الوطنية حول النضال ضد «البوليساريو» ومشروعها «التقسيمي».
في هذا الصدد، يشير عبد الخالق بن رمضان في كتابه «الصحراء؛ رهانٌ مغاربي» (صدر عام 1992)، إلى أنّ «الملكية المنعزلة عن الأحزاب السياسية، والحاكمة وحدها منذ عقد، لم يكن بإمكانها الاستمرار دون إعادة النظر جذرياً بأسسها... الإجماع الوطني لجميع القوى السياسية حول الصحراء الغربية فتح آفاقاً جديدة كان يجب استغلالها بغية تحرير مجمل النظام السياسي المغربي (من العراقيل)».
منذ ذلك الوقت، تبدو التعبئة الوطنیة حول «مغاربية الصحراء»، عاملاً وحدوياً صلباً داخل مجتمع مليء بتناقضات تفاقمت بسبب السیاقات الاجتماعية والاقتصادية.

الحكم الذاتي: أمرٌ واقع

على الرغم من أنّ محكمة العدل الدولية لم تعترف يوماً بوجود روابط قانونية للسيادة الإقليمية بين المغرب والصحراء الغربية، وتأكيدها لحق تقرير المصير، فإنّ ما نشهده في الواقع، هو استسلام المجتمع الدولي تدريجاً إزاء الطموحات المغربية التي تُكرِّس أفضلية مبدأ «السلامة الإقليمية» للدول، على حق تقرير المصير، وذلك بذريعة واقعية تفترض أن الحقوق تتراجع أمام واقع الدولة. ولعلّ الاستراتيجية المزدوجة المتّبعة لجعل الصحراء مغربية وادعاءات الرباط المستمرة، قد قضت على خيار إجراء استفتاء حول تقرير المصير ليحلّ محله مشروع الحكم الذاتي الذي وضعته الملكية من أجل الحفاظ على سلطتها كوصيّة على هذا الإقليم. وقد سهّلت سياسة الازدواجية التي انتهجها المجتمع الدولي والتي لم تكفّ عن التأرجح بين الرضا عن السياسة المغربية، وهي الدولة المحورية بالنسبة إلى الوجود الأميركي في أفريقيا والشريك المتميّز لأوروبا، وبين دعم مطالب الشعب الصحراوي من حيث المبدأ، في انتصار «خيار الرباط» المتمثّل بالحكم الذاتي.
أوضح مثال على ذلك، التغيير المفاجئ الذي حدث عام 2002. ففي حين أنّ المبادرة التي رُوِّج لها في شباط/فبراير نظرت في خيار الاستفتاء، ومنح حكم ذاتي للصحراويين «ضمن سيادة المغرب»، وتقسيم الصحراء الغربية بين الجهتين، وانسحاب بعثة الأمم المتحدة، أتى قرار المجتمع الدولي في تموز/يوليو رقم 1429 مؤيداً لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. تنصّ الخطة التي وضعها جايمس بيكر (مبعوث أمين عام الأمم المتحدة للصحراء الغربية) على حكم ذاتي مدته خمس سنوات في إطار سيادة مغربية يليه استفتاء يمكن أن يؤدي إلى الدمج أو الاستقلال. هذه الخطة التي قدمت إلى الطرفين عام 2003 وافقت عليها جبهة «البوليساريو» ورفضها المغرب، بالرغم من قبول الرباط قبل ذلك مبدئياً بفكرة الاستفتاء. وقد برز هذا الانقلاب كمؤشر قوي على خوف النظام المغربي من خسارته للصحراء في ظلّ خطابه الذي يؤكد الحصول على نتائج استفتاء مؤاتية.

«دويلة مصطنعة»؟

على الرغم من أنّ إنشاء حكم ذاتي نسبي أدّى إلى حرف هذه القضية عن إطارها الأساسي، أي «إنهاء الاستعمار»، فإنّ قضية الصحراء الشائكة قد عادت إلى الواجهة إلى حدّ كبير بعد قرار المحكمة الأوروبية في نهاية شباط الماضي.
ومن خلال استثناء مياه الصحراء الغربية من نطاق اتفاقية الشراكة المختصة بالصيد البحري بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، تؤكد محكمة العدل الأوروبية شرعية مطالب الصحراويين الذين يرفضون بقوة سيادة المغرب على أراضيهم. لكن بالرغم من أنّ هذا القرار يُمثّل خرقاً مهماً، فإنه يبقى دون تأثير عملي بغياب الضغوط السياسية والعقوبات الاقتصادية. والرباط لن تتوانى دون شك عن إحباط تطبيق حق تقرير المصير، في ظلّ رأي الغالبية التي تعترف بالهيمنة المغربية، على الرغم من النقص في الحجة القانونية والتداعيات الرهيبة المترتبة عن هذه السياسة.
وفي هذا السياق، يتصاعد الخطاب القومي العربي «الشرق أوسطي». يتفق مؤيدو هذا الخطاب على ضرورة إنهاء الصراع الذي يُقوِّض الوحدة المغاربية من خلال التضحية بقضية الشعب الصحراوي، وذلك دون تبني طرح مغربيّة الصحراء أو تأييد فكرة الحقوق التاريخية. وفي ظل تزايد عدم الاستقرار والضعف الاستراتيجي للدول، يأمل المروِّجون للتوصل إلى حل تفاوضي بين المغرب والجزائر، توحيد الصفوف عبر تجاوز النزاع بشأن الصحراء الذي شكل إلى حد كبير السياسات الوطنية من خلال إنكار تطلعات شعب بأكمله.
تقوم هذه المقاربة على فكرة أساسية، هي ضرورة حماية المنطقة من إنشاء دويلة مصطنعة، ووجهة النظر التي تعتبر أن أي حل للنزاع بين النظامين الجزائري والمغربي من شأنه أن يمثل عنصراً أساسياً وموحداً للتعاون الإقليمي. ويمكن استخلاص هذا الموقف من الحجج التي يستخدمها قانونيون بارزون، على غرار الفرنسي آلان بيليه، الذي يرى أن «غياب أي صلة تلقائية بين الحق في تقرير المصير والحق في الاستقلال، يقضي على أي حق في الانفصال يصبُّ في مصلحة الأقليات، وعلى أي تغييرات إقليمية قد تستند إلى معايير إثنية».
لكن على الصعيد السياسي، يمثّل الأمر قضية إشكالية إلى حد كبير. فما الذي يمكن أن يعنيه أي حلّ يتفاوض عليه نظامان، ينكر التطلعات العميقة لشعب خاض حرباً من أجل التحرير؟ فأي وحدة تتحقق في تحدٍّ لشعب ما، تتنافى بشكل أساسي مع الوحدة بين الشعوب، ولن تكون سوى وحدة تخدم مصالح النخبة المهيمنة.