نفى مصدر دبلوماسي في الجزائر، في حديث إلى «الأخبار» أمس، وجود جنود أميركيين «من المارينز» في البلاد، وذلك بعد اللغط الذي أحدثته تقارير صحافية أميركية تبعت جلسة استماع الكونغرس إلى قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» الجنرال توماس والدهاوسر، الأسبوع الماضي. وفي الجلسة، جرى تأكيد وجود «منحة الخطر» بالنسبة إلى قوات «المارينز المنتشرة في عدد من الدول، من بينها الجزائر»، فيما القوات المنتشرة في النيجر، حيث جرى استهداف القوات الأميركية أخيراً، لا تشملها منحاً كهذه.

وجاء في تقرير لـ«واشنطن بوست»، نشر في الثامن من الشهر الجاري، أنّه عقب الهجوم الذي استهدف وحدة عسكرية مكوّنة من 11 جنديّاً أميركيّاً وحوالى 30 جندياً نيجريّاً في النيجر في تشرين الأول/اكتوبر الماضي، جرى «التدقيق في موضوع منحة الخطر»، مضيفاً أنّ «القوات الأميركيّة المنتشرة في الجزائر، بوروندي، تشاد، الكونغو، جيبوتي، مصر، أريتريا، إثيوبيا، كينيا، ليبيا، الصومال، السودان، جنوب السودان، تونس، وأوغندا، (كانت) مؤهلة بالفعل لتلقّي المنحة قبل هذا التدقيق، وفقاً لقواعد صرف الرواتب التابعة للبنتاغون».
وبينما كان هجوم النيجر قد كشف عملياً عن جزء من مهمات القوات الأميركية هناك، فإنّ هذا التصريح دفع نحو طرح أسئلة كبيرة بشأن حدود مهمات قوات «أفريكوم» التي أنشأها الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش عام 2007، ومدى انتشارها في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، خاصة في ظلّ التطورات الحالية المتتابعة في تلك المنطقة. وقبل هذين الحدثين، كان من المعروف أنّ ثمة ستة آلاف جندي أميركي في القارة الأفريقية، غالبيتهم في القاعدة الأميركية في جيبوتي، فيما بدأ العدد بالتصاعد منذ العام الماضي.

رفض الجزائريون مراراً طلبات لنشر قوات أجنبية في جنوب البلاد


وكان الجزائريون قد رفضوا مراراً انتشار قوات في جنوب البلاد المرتبطة جغرافياً بمجمل منطقة الساحل. والمعروف عن الجزائر أنّها ترفض بالمطلق أيّ حضور أجنبي عسكري على أراضيها، كما أنها ترفض إقامة قواعد عسكرية أجنبية، وتسعى أيضاً لأن لا يكون في محيطها الحيوي هذا النوع من القواعد العسكرية. ويتبنّى الجيش الجزائري عقيدة عسكرية تقوم على رفض إرسال جنود إلى الخارج والامتناع عن التدخل عسكرياً في مناطق النزاع، وهذا ما ينعكس على الديبلوماسية الجزائرية التي تروّج دائماً لمبدأي «المصالحة والحوار» في إطار مساعيها لحل الأزمات في محيطها، خاصة في مالي وليبيا.
وكانت علامات استفهام كثيرة تُطرح في ما يتعلق بمهمات خاصة لقوات أميركية في ليبيا، بما فيها الهجمات عبر طائرات من دون طيّار، فيما لا يوجد نفي قاطع بعدم وجود عناصر أميركيين في جنوب تونس لناحية الحدود مع ليبيا، وبالأخص بالقرب من مدينة بن قردان. وفي جلسة الاستماع تلك، قال والدهاوسر إنّ ثمة عدداً صغيراً من القوات الأميركية يعملون ضمن «مهمات مكافحة الإرهاب في ليبيا»، فيما لمّح إلى أنّ روسيا قد تسعى لتحييد الأميركيين هناك.
في حديثه إلى «الأخبار»، ينفي المصدر الرفيع المستوى «وجود قوات أميركية ناشطة في الجزائر، وقواعد عسكرية». ويشير إلى أنّ «هناك عسكريين يعملون في الجزائر، لكن فقط داخل السفارة الأميركية وهم معتمدون من السلطات الجزائرية... ويعمل هؤلاء في وظائف متعددة تتعلق بالمهمات الأمنية الخاصة بالدبلوماسيين الأميركيين، بالإضافة إلى الإشراف على ملفات التعاون مع الجانب الجزائري»، فيما يُذكِّر آخرون بأنّه «ليس كل دولة موجودة على تلك اللائحة، فيها فعلياً قوات أميركية». وسبق لتقارير إعلامية جزائرية أن كشفت أنّ الجزائر رفضت طلباً أميركياً لإرسال جنود «مارينز» من أجل تأمين السفارة الأميركية، خاصة عقب قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة، وذلك «لأسباب سيادية».
ويُواجَه الموقف الجزائري من القوى الأجنبية بردود فعل متباينة؛ فرنسا التي تمتلك أكبر قوات أجنبية في منطقة الساحل، وفقاً لما هو معلن، وعلى الرغم من إظهار تفهّمها للمنطق العسكري والدبلوماسي الجزائري، إلا أن الرئيس إيمانويل ماكرون، خلال زيارته لمالي بعد انتخابه، لم يُخفِ مطالبته للجزائر بالقيام بدور أكبر في المنطقة، كونها الدولة الأقوى من حيث الإمكانات. لكن الجزائر ترفض تماماً أيّ حديث عن تغيير استراتيجيتها القائمة أولاً على دعم جهود المصالحة، مع الاقتصار عسكرياً على التعاون الاستخباري مع دول الساحل، من دون تسخير قدرات مادية خارج حدودها.