سلفيت | منذ نحو شهرين، تفرض قوات العدو الإسرائيلي حصاراً خانقاً على بلدة حزما، شرقي القدس المحتلة، وتُحكم قبضتها على مداخلها الرئيسة والفرعية كافة، بموازاة مواصلة شباب البلدة الفلسطينيين «عمليات الكر والفر» والمواجهات تارةً مع قوات العدو العسكرية، وتارة أخرى باستهداف مركبات المستوطنين على الشارع المحاذي للبلدة.

ورغم أن هذه البلدة تمتع بـ«موقع استراتيجي» يُكسبها الانتعاش الاقتصادي إلى حدٍ ما مقارنةً مع مناطق كثيرة في الضفة المحتلة وضواحي القدس، فإن شبّانها يُصرّون على الدخول في «مواجهة مفتوحة»، ليتحول محيط حزما إلى «كابوسٍ للمستوطنين» بعدما كانوا يقصدونها يومياً لتعبئة المحروقات من محطّاتها. كذلك، لم يُفلح إنشاء العدو سياجاً على طول منطقة الشارع الذي يمر به المستوطنون في منع عمليات إلقاء الحجارة، إذ يخرب الشبّان مقاطع من السياج بين فترة وأخرى.

بداية الحصار

بدأ حصار حزما منذ الثاني من شباط الماضي حينما نقل الإعلام العبري خبر إصابة مستوطن بالحجارة قرب الشارع المحاذي للبلدة، الذي يربط القدس بالضفة. ومنذ ذلك التاريخ، بدأت سلسلة الإغلاقات الإسرائيلية التي تتعدد أنواعها ما بين الإغلاق بالكتل الاسمنتية وبوابة حديدية، أو الوجود الدائم لقوات العدو على المداخل الفرعية.
يقول الناشط الشبابي محمد خطيب من سكان حزما إن ما يحدث بحق البلدة «عقاب جماعي يشمل نحو 8 آلاف إنسانٍ فلسطيني، ويعطّل الحركة الاقتصادية لأكثر من 150 محلاً تجارياً، ويضيّق على الحياة اليومية لمئات الموظفين والعمال والطلبة... ولذلك يستمر الشبّان بالمواجهات، غير آبهين لقرارات الإغلاق». ووفقاً لخطيب، أتت بداية الإغلاق للمدخل الجنوبي للبلدة، وتلا ذلك نصب حاجزٍ شبه دائم على مدخل دوار الشهيد مازن عريبة ــ ضابط في «المخابرات العامة» الفلسطينية كان قد نفذ عملية إطلاق نار تجاه جنود العدو قرب حزما نهاية عام 2015 ــ ثم أغلق العدو المدخل الفرعي ببوابة حديدية وكتل اسمنتية. وبهذا لم يبقَ مجال أمام الفلسطينيين سوى المرور عبر تشديدات الحاجز العسكري من مدخل دوار الشهيد عريبة فقط.

بدأ حصار البلدة المشدد منذ نحو 54 يوماً، لكنه لم ينه مقاومة شبابها


وفي مطلع آذار الجاري، نشرت مصادر إسرائيلية خبر فقدان الاتصال بمستوطنٍ قرب حزما، مع تحفظٍ على توضيح أعمال البحث عنه، إذ دفع العدو بتعزيزاتٍ عسكرية كبيرة الى داخل البلدة، لكن هذه الليلة شهدت «حرب شوارع حقيقية»، بعدما استعد الشبّان جيداً للمواجهة، فأغلقوا مداخل الأحياء بالمتاريس والإطارات. وأظهر فيديو بثه «مركز حزما الإعلامي»، وهو إحدى الصفحات المحلية، اشتعال النار في عددٍ من المركبات العسكرية بعد استهدافها بالزجاجات الحارقة من مسافة قريبة. وبعدما لم يتبين ماذا حدث للمستوطن، بدا لأهالي البلدة أن الأمر كان ذريعة لاقتحامها.

الرد السريع

على مدار أكثر من خمسين يوماً لم تستسلم حزما، الأمر الذي دفع قوات العدو إلى المضي أكثر في الإمعان في استهداف سكانها. ووفقاً لمصادر محلية، جاء تشديد الإجراءات خلال اليومين الماضيين والاقتحامات الكبيرة في سياق تدفيع المدنيين ثمن ما يفعله الشبّان، كما ينظر الإسرائيليون إلى الوضع القائم: العقاب الجماعي من أجل كسر الإرادة.
ولا يكتفي العدو بإغلاق المداخل والاقتحامات المتكررة، بل يلجأ جنوده، تزامناً مع التوتر، إلى دهم البيوت وتفتيشها. ويذكر الناشط خطيب في هذا الصدد أن «المركز الإعلامي» في البلدة تعرض لهجمة إسرائيلية، واعتقل أحد العاملين فيه بعد مصادرة ثلاثة هواتف محمولة من بيته، علماً بأن هذا المركز أنشط الواجهات الإعلامية في نقل ما يدور داخل البلدة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وقبل يومين، دهس مستوطنٌ الشاب رشدي الخطيب (16 عاماً) من البلدة، ولم تمضِ بضع ساعات حتى جاء استهداف الشبّان مركبة إسرائيلية بالحجارة تمر في الشارع الذي يربط القدس بالضفة، فأصيبت مستوطنة بجراح، ومن ثم دفعت قوات العدو بأكثر من 22 آلية داخل البلدة، وشرعت في إرهاب الأهالي عبر إلقاء قنابل الصوت والغاز، وانهالت بالضرب على شابٍ أصيب برضوض وكسور. وفي الوقت نفسه، كانت مركبة المياه العادمة الإسرائيلية ترش القاذورات على المحال التجارية.
ووفق إحصائية خاصة، وصلت إلى «الأخبار»، أُصيب خمسة مستوطنين على الأقل قرب حزما بفعل رشق المركبات الإسرائيلية بالحجارة منذ بداية شباط الماضي إلى 11 آذار الجاري، عدا إصابة عددٍ من الجنود خلال الاقتحامات. وكانت أولى إصابات المستوطنين في جمعة الغضب التاسعة رداً على القرار الأميركي. ووفقاً للإحصائية نفسها، شهدت البلدة مواجهات يومية منذ بداية آذار، ولم تغب سوى يومين عنها، وذلك بواقع تسع نقاط مواجهة، ثلاث منها تخللها إلقاء زجاجات حارقة على مدار 11 يوماً منذ بداية الشهر الجاري.