تونس | قبل نحو شهر ونصف شهر من الانتخابات البلديّة، ونحو عام على الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة، تعرف تونس هذه الأيام اضطراباً سياسيّاً، محوره بقاء رئيس الحكومة يوسف الشاهد، أو رحيله. وفيما يمضي الأخير بخطىً متثاقلة في تطبيق «إصلاحات كبرى»، يُمثّل «الاتحاد العام التونسيّ للشغل» جدار صدٍّ للإجراءات التي يراها نتيجة «إملاءات صندوق النقد الدولي»، أو رغبة في «السمسرة في المؤسسات العموميّة».

بعد الإجماع شبه التام الذي عبّر عنه المجتمعون في قصر قرطاج أول من أمس، لناحية الميل نحو التخلي عن رئيس الحكومة، خرج الرجل أمس ليدافع عن نفسه، معتبراً أنّ حكومته حققت «نتائج إيجابيّة» وأنّها ليست «حكومة تصريف أعمال» كما سبق للأمين العام لـ«اتحاد الشغل» نور الدين الطبوبي، أن صرّح. وأمام هذا الهجوم المضاد، بدا أنّ رئاسة الجمهوريّة عدّلت موقفها، فاختارت الحفاظ على دور الوسيط الذي يظهر بالحلّ عندما تصل الأمور إلى طريق مسدود.
في هذا الصدد، خرجت المتحدثة باسم رئاسة الجمهوريّة سعيدة قراش، أمس، لتُعبِّر عن التعديل الذي طرأ على موقف مؤسستها. وقالت إنّ «تسيير الأعمال» مفهوم قانونيّ ينطبق في حالات محددة، وبالتالي هو ليس إجراءً سياسياً. وفي انعكاس واضح لتعديل الموقف، رأت أنّه «لا يمكن فرض رأي منظّمة على الأحزاب، لأنّ التحوير (التعديل) يمرّ عبر البرلمان ويخضع للتصويت»، وأنّ رئاسة الجمهوريّة تُمثّل الدولة التي تسعى إلى «الموازنة بين مطالب كلّ الشرائح».

كان «اتحاد الشغل» قد اعتبر أنّ الحكومة تقوم حالياً بتصريف أعمال


من جهته، أعلن نور الدين الطبوبي، أمس، المزيد من المواقف، وأكد مطالبته بإجراء تعديل وزاريّ، قد يطاول رئيس الحكومة. وقال إنّه «إضافة إلى وجود تدحرج اقتصاديّ شامل تثبته التقارير، يوجد استهداف وضغوط وسمسرة لمصلحة خصخصة مؤسسات عموميّة رابحة»، وفي هذا السياق وقع اللجوء حتى إلى «شركة بريطانية مختصّة لخلق رأي عام لمصلحة الخصخصة».
ويُعدُّ هذا التصريح تأكيداً للصراع الدائر منذ أشهر حول قضايا تختلف فيها رؤية الاتحاد «الاجتماعيّة» عن رؤية الحكومة «النيوليبراليّة». ففيما يسعى الشاهد إلى إجراء «إصلاحات كبرى» تشمل التقليص من كتلة الأجور في الوظيفة العموميّة من خلال برنامج «تسريح اختياريّ»، ودعم ميزانيّة الدولة عبر خصخصة عدد من الشركات العموميّة، يرى «الاتحاد» أنّ تلك «إجراءات تفريطيّة».
ولعلّ لبّ المشكلة أنّه بخلاف طرح «إصلاح» الشركات العموميّة بدلاً من خصخصتها، وهو أمر تراه الحكومة صعباً لأنّه يكلف بدوره موارد غير متوافرة، لا يقدّم «الاتحاد» بدائل أخرى في بقيّة الملفات. وفيما يحظى المحور «النيوليبراليّ» ببرنامج مفصّل، ساهمت فيه المؤسسات المالية الدولية، لم يستطع المحور «الاجتماعيّ» تكوين برنامج بديل، إذ يكتفي «الاتحاد» باستخدام ثقله في تعطيل إجراءات الحكومة، فيما يعجز حليفه الموضوعيّ، أي اليسار، في بلورة برنامج سياسي قادر حتّى على حشد جماهير «النقابة»، وهو ما توضّح في الانتخابات البلديّة التي لم تقدم ضمنها «الجبهة الشعبيّة» ترشحات إلّا في أقلّ من نصف عدد الدوائر الانتخابيّة.
أوّل من أمس، تحدث النائب عن «الجبهة»، منجي الرحوي، في حوار إذاعي عن التجاذب الحاليّ، ورأى أن مكوّنات الائتلاف «غير قادرة على إخراج البلاد من أزمتها». وعند سؤاله عن البديل، ومواجهته بحقيقة ضعف اليسار، أجاب بأنّه «صحيح أنّ اليسار لا يمثّل بديلاً الآن، لكننا نسعى إلى أن نكون كذلك». اللافت في الأمر، أنّ النائب استخدم في حججه لإثبات فشل الائتلاف الحاكم حجتين متضاربتين، فهو رأى من جهة أنّ الأحزاب الحاكمة «ليبراليّة ولا تملك أيّ مشروع»، وذهب من جهة ثانية إلى أنّه كان من الممكن إجراء تحالف واسع بين الأحزاب البرلمانيّة «تُقصى منه حركة النهضة وتكون الجبهة طرفاً فيه» (يكشف هذا عن إحدى مشاكل اليسار التونسيّ، وهو الصراع الهوياتيّ ضدّ الإسلاميّين).
وفي انتظار الانتخابات البلديّة، التي تبدو نتائجها من الآن محسومة لمصلحة قطبي اليمين، يبقى اليسار غارقاً في خيالات المفاضلة بين «نيوليبراليّة» بالإسلاميّين، وأخرى من دونها.