ظلَّ عشرات الآلاف من أطفال الرقة بلا تعليم أو مدارس طوال السنوات الأربع الماضية، إلا من تمكن أهاليهم من مغادرة مناطق سيطرة «داعش» إلى المحافظات الأخرى، كانت مدينة حماة هي الوجهة الأولى لأغلب أهالي الرقة ثم حمص والساحل السوري، وتسنى للأطفال الناجين متابعة دراستهم في المدارس الحكومية، حيث تفوق بعض أبناء الرقة في مدارسهم الجديدة، ولم تمنعهم ظروف النزوح من إثبات جدارتهم وتميزهم، بينما بقي آخرون تحت سيطرة التنظيم يتحينون الفرصة المناسبة للنجاة ومتابعة دراستهم.


منهاج «فيدرالي»

عملت «قوات سوريا الديموقراطية» على فرض مناهجها في ريف الرقة الشمالي منذ أن سيطرت عليه في عام 2015، غير مبالية باعتراضات الأهالي في مدن وبلدات شمال الرقة ذات الغالبية العربية. وبرغم أن المنهاج الكردي «الفيدرالي» مكتوب باللغة العربية، إلا أن الأهالي والكادر التدريسي وجدوا فيه الكثير من المعلومات الخاطئة التي تحاول تكريس الوجود الكردي كأمر واقع في مناطقهم. حاول الأكراد محاكاة المنهاج السوري الحكومي، ونشروا عن شهداء سوريا، مثل الشهيد يوسف العظمة، لكنهم أضافوا أسماء مسلحين أكراد قضوا في معارك عامودا وعين العرب وغيرهما من المناطق. وكذلك نشروا عن الأديب عبد السلام العجيلي والشاعر نزار قباني، لكنهم وضعوا في المنهاج قصائد وأناشيد «ركيكة» تخدم مشروعهم الانفصالي. ويُظهر المنهاج الجديد ميليشياتهم المسلحة على أنها حامية الأرض و«العرض» ومحررة للإنسان من الاستبداد والطغيان. إلا أنهم لم يُفلحوا في خداع الأهالي الذين يقارنون بين الممارسات الفعلية للمسلحين الأكراد على الأرض وما هو مكتوب في هذا المنهاج. رفض عدد كبير من المدرسين تدريس المنهاج «الفيدرالي»، وتم إبعادهم عن التعليم نهائياً، والاستعانة بآخرين برواتب مغرية. وتُشرف «الإدارة الذاتية» على التعليم في مدارس ريف الرقة الشمالي من تل أبيض حتى قرى خنيز، وبينما فرضت المنهاج «الفيدرالي» على المدن والبلدات ذات الغالبية العربية، عممت منهاجاً كردياً مكتوباً باللغة الكردية على القرى الكردية ليتم تدريسه في مدارسها.

رعاية أميركية

منعت الولايات المتحدة ميليشيات «قسد» من فرض منهاجها في مدارس مدينة الرقة وقرى الريف الشمالي الممتدة من المدينة إلى خنيز شمالاً، وكذلك في الريفين الشرقي والغربي، وأعاد المحتلون الأميركيون افتتاح نحو 180 مدرسة في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم، حيث استقبلت تلك المدارس نحو 45 ألف طالب وطالبة، يدرسون المنهاج السوري الحكومي، ما سيتيح لهم لاحقاً متابعة دراستهم في الجامعات السورية التي لا تعترف إلا بالشهادات التي تمنحها وزارة التربية السورية. ويبدو أن الأميركيين لا يريدون أي صدام مباشر مع الأهالي، هم يحاولون أن يظهروا كمحايدين وأن همهم الأول إعادة الحياة الطبيعية إلى المدينة التي دمّروها فوق رؤوس ساكنيها. وتعاقدت «لجنة التربية والتعليم» مع آلاف المعلمين، لتبلغ كتلة رواتب المعلمين الشهرية التي تدفعها الولايات المتحدة الأميركية نحو 98 مليون ليرة سورية.

مدارس المخيمات

تعمل منظمات عدة في مجال التعليم والدعم النفسي في مخيم عين عيسى الذي يضم آلاف العائلات النازحة من الرقة ودير الزور، وأنشأت تلك المنظمات مدارس مؤقتة وتعاقدت مع مئات المعلمين، وتتبع أغلب المنظمات العاملة في مجال التعليم لبرنامج «إنجاز» التابع مباشرة لوزارة الخارجية الأميركية، والتي تقدم لتلك المنظمات تمويلاً كاملاً بمبالغ كبيرة، وصلت ميزانية بعضها إلى 250 ألف دولار خلال العام الحالي.
وافتتحت المنظمات عدداً من المدارس، وهي عبارة عن خيم كبيرة فيها مقاعد، تستقبل الطلاب حسب أعمارهم، من ست سنوات حتى 18 عاماً. وتعتمد أغلب المنظمات منهاجاً من الأمم المتحدة، إضافة إلى برامج ألعاب ودعم نفسي تساعد الأطفال على نسيان أهوال الحرب وسنوات الظلم والقهر التي عانوها في ظل سيطرة «داعش». وتسهم المنظمات التعليمية في ترميم المدارس المتضررة الواقعة ضمن مناطق سيطرة ميليشيات «قسد»، وتجهيزها بكل المستلزمات التي تضمن استمرار العملية التعليمية. كذلك تنشط منظمة «يونيسيف»، مكتب دمشق، في مجال التعليم والدعم النفسي وتدفع رواتب شهرية للمعلمين، حوالى 50 ألف ليرة سورية (نحو 100 دولار)، بينما تدفع المنظمات الأخرى للمعلم 300 دولار شهرياً.

مدارس الحكومة

سارعت الحكومة السورية إلى إصدار قرارات تنص على عودة المعلمين المقيمين في محافظات أخرى إلى الرقة، وجاء ذلك بعد سيطرة الجيش السوري ومقاتلي «العشائر» على مناطق وبلدات ريف الرقة الجنوبي المحاذي لنهر الفرات (الشامية)، من دبسي عفنان غرباً إلى معدان شرقاً، باستثناء مدينة الطبقة وقرى الكسرات. وباشرت المجمعات التربوية في دبسي عفنان والسبخة ومعدان والمنصورة عملها. أغلب أبنية المدارس في هذه المناطق غير متضررة بشكل كبير، والتحق الطلاب بها وفق الممكن والمُتاح دون لباس رسمي، حيث استقبلت 106 مدارس نحو 15688 طالباً وطالبة في مختلف المراحل.

فصل آلاف المعلمين من مدارسهم بناءً على تقارير كيديّة


وتعاقبت زيارات مسؤولي الرقة المقيمين في دمشق وحماة لتلك المدارس، لكنها اقتصرت على البروتوكول الرسمي. التقاط صور وهتافات يطلبون من الأطفال تأديتها أمام الكاميرات، وهم يحملون صور الرئيس بشار الأسد. ولكن أغلب المدارس بلا مقاعد، وليس فيها أدنى مقومات العملية التعليمية. وبعد أشهر من الدوام اعتذرت مديرية تربية الرقة عن عدم إجراء امتحانات شهادة التعليم الأساسي والشهادة الثانوية في المناطق المحررة (دبسي عفنان، السبخة، معدان) بسبب قلة أعداد المعلمين الذين سيراقبون في المدارس، وعدم توافر وسائط النقل لهم.
يعاني المعلمون العائدون إلى الرقة من مشكلات كثيرة، أبرزها مشكلة الرواتب، إذ إن المحاسبين لا يزالون مستقرين في حماة، ما يحتم على المعلمين السفر شهرياً إلى حماة لتسلّم رواتبهم، ثم يعودون إلى مدارسهم في الرقة، ما يشكل عليهم أعباءً مادية كبيرة. وتعاني مدارس الرقة التي أعادت الحكومة تفعيلها نقصاً كبيراً في الكادر التدريسي، وهذا دفع بعض أبناء الرقة إلى التدريس في المدارس «متطوعين» بلا رواتب، في محاولة لتعويض الأطفال ما فاتهم خلال السنوات الماضية.

«سرقة» رواتب الوكلاء

نتيجة النقص الكبير في الكوادر التدريسية الذي كانت تعانيه محافظة الرقة، اعتمدت مديرية تربية الرقة سابقاً على المعلمين الوكلاء من طلاب الجامعات غير المتخرجين وحملة الشهادة الثانوية، الذين يتجاوز عددهم ثلاثة آلاف وكيل ووكيلة يدرسون في مختلف مدارس الرقة. ويقبض الوكلاء رواتبهم فصلياً (أحياناً سنوياً) حسب توفر الاعتماد، وبعد سقوط المحافظة في عام 2013 تحولت رواتب الرقة إلى دير الزور. وبعد أشهر حوصرت دير الزور، واختفت رواتب آلاف المعلمين من أبناء الرقة. تذرعت تربية دير الزور بهروب المحاسبين بالأموال إلى خارج القطر (أوروبا)، أما تربية محافظة الرقة فتؤكد رفعها جداول الرواتب إلى دير الزور، وقد اختفت هناك. ومنذ أكثر من خمس سنوات، لا يزال المعلمون الوكلاء ومئات من المعلمين الأصلاء يستجدون مديرية تربية الرقة لتحصيل حقوقهم المالية، لكن دون جدوى، فكتلة الرواتب المالية خرجت من وزارة المال إلى مديرية التربية في دير الزور ثم اختفت، ولم يقبض منها المعلمون ليرة واحدة، ولا يزالون ينتظرون حلاً من الحكومة دون جدوى.

صرف تعسفي

صرفت الحكومة السورية عشرات المدرسين والمعلمين من أبناء الرقة بعد عام 2013 بناءً على تقارير كيدية واقتراحات حزبية، وليس كل من تم فصله وإيقاف راتبه متورطاً بالأحداث التي شهدتها الرقة، بل كان للأحقاد الشخصية دور كبير في ظلم عشرات المعلمين، راجع أغلبهم الجهات الأمنية في سوريا بناءً على استدعاء وطلب من فرع حزب البعث في الرقة، ثم أُفرج عنهم واستمروا بقبض رواتبهم. لم يعجب ذلك بعض «الرفاق» واستغلوا فرصة وجود المعلمين في الرقة لاتهامهم بأنهم «دواعش» أو متعاونون مع «داعش» و«جبهة النصرة» لتصفية حسابات شخصية معهم تتعلق بتنافس انتخابي سابق أو خلافات شخصية. وبينما تعفو الدولة عن المسلحين وتعيدهم إلى «حضن» الوطن، صدرت قرارات بفصل الكثير من المدرسين والمعلمين من حزب البعث ونقابة المعلمين، وبناءً على هذه القرارات يُفصل تلقائياً أي موظف يتم فصله من الحزب، وهكذا أصبح العشرات من معلمي الرقة بلا عمل.