مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية المقررة في 12 أيار/ مايو المقبل، تزداد تطلعات الأطراف الإقليمية والدولية من هذه الانتخابات، وهواجسها إزاءها، وضوحاً. في مقدمة تلك الأطراف تأتي الولايات المتحدة التي وضعت، منذ وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة، مواجهة إيران في بلاد الرافدين هدفاً لها. هدف تعتقد إدارة ترامب ضرورة أن يكون الاستحقاق الانتخابي جزءاً من «عدةّ الشغل» اللازمة لتحقيقه. من هنا، يأتي العمل على دعم تيارات بعينها، في محاولة لإحداث اختراقات في الجسم النيابي، بما يمكن أن يشكّل، إلى جانب الخصوم التقليديين لطهران، صوتاً متقدماً ضدها في المرحلة المقبلة. لكن ذلك الطموح الأميركي لا يبدو أن ثمة اطمئناناً لدى واشنطن إلى حتمية تحققه.

هذا ما توحي به التصريحات التي أدلى بها، أمس، وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، من البحرين، حيث اتهم إيران بـ«التدخل» في الانتخابات العراقية، قائلاً إن «لدينا أدلة مثيرة للقلق على أن إيران تحاول التأثير، باستخدام المال، على الانتخابات»، مضيفاً أن «هذه الأموال تُستخدم للتأثير في المرشحين والتأثير في الأصوات». ولفت إلى أنها «ليست مبالغ قليلة من المال على ما نعتقد. وهذا في رأينا غير مفيد للغاية»، متابعاً أن «إيران تحذو حذو روسيا بالتدخل في الانتخابات العراقية» - في إشارة إلى ما خلصت إليه أجهزة مخابرات أميركية من أن روسيا حاولت التأثير في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الولايات المتحدة لمصلحة ترامب، داعياً إياها إلى «السماح للعراقيين بأن يختاروا مستقبلهم».
ليس حديث ماتيس عن استخدام المال في الانتخابات جديداً. إذ إن ذلك هو ما درجت عليه الأطراف العراقية عند كل استحقاق، سواء بشكل مشروع عبر الحملات الدعائية أو بشكل غير مشروع عبر شراء الأصوات، وهذا ما تدركه واشنطن نفسها. لكن تصويب وزير الدفاع الأميركي على إيران، من وراء حديثه المتقدم، إنما يجلّي قلق الولايات المتحدة المتزايد من إمكانية أن تسفر انتخابات 2018 عن نتائج تعزّز نفوذ طهران في العراق، مع ما يعنيه الأمر من دور أكبر لـ«قادة الميليشيات في رسم معالم عملية اتخاذ القرار»، وفق ما تحذّر منه دوائر بحثية أميركية. تقترح هذه الدوائر مجموعة خيارات على الإدارة الأميركية لتلافي «الخطر المستقبلي» الذي يتهددها. من بين تلك الخيارات إدراج فصائل إضافية من «الحشد الشعبي» على لائحة الإرهاب، والاستعداد لرد حازم على «أي اعتداء على الأميركيين»، فضلاً عن دعم جهود «نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج البطيئة والمطردة»، وتعزيز الجهد الاستخباري في بغداد والبصرة وعلى الحدود مع سوريا وإيران.

تندفع القوى غير المحسوبة على إيران إلى ملاقاة «الهجمة» السعودية


قد تكون الولايات المتحدة قد شرعت في ذلك فعلاً، لكن المؤكد أنها بدأت منذ مدة ليست بوجيزة الاشتغال على تعويم تيارات مدنية وليبرالية، تأمل أن تتمكن، بالتحالف مع مَن هم غير محسوبين على إيران (في الحد الأدنى)، من تشكيل كتلة مضادة لـ«الكتلة الإيرانية» التي تخشى واشنطن تعزّزها مع اعتزام فصائل «الحشد» على خوض الاستحقاق. هذا ما لمّحت إليه طهران قبل أيام، مُجلّية قلقها هي الأخرى من أن يؤدي «اللَّعِب» الأميركي إلى «خربطة البيت الشيعي». إذ اتهم السفير الإيراني السابق في العراق، حسن كاظمي قمي، وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إي)، بالتحديد، بـ«محاولة دعم بعض التيارات في الانتخابات بنحو مباشر أو غير مباشر، عبر استخدام المؤسسات غير الحكومية»، عازياً ذلك إلى «فشل السياسة الأميركية في المنطقة»، مستدركاً بأن «العراقيين سيتابعون المسار الذي سيفضي إلى تحقيق مصالح العراق». ولم تَفُت المسؤولَ الإيراني السابق الإشارة إلى السياسات السعودية المستجدة تجاه العراق، لافتاً إلى «تغيير بعض الدول الإقليمية، من حلفاء واشنطن، سلوكها تجاه بغداد، وسيناريوات محاولاتها للنفاذ إلى العراق»، معتبراً تلك التغييرات «مؤشراً إلى انهزام سياساتهم السابقة أمام إرادة الشعب العراقي»، مشدداً في الوقت نفسه على ضرورة «أن تتعامل بغداد بحذر مع تلك الدول».
تشديد تعزّز الهواجسَ الكامنة وراءه مؤشراتٌ متتالية إلى اندفاع لدى القوى والشخصيات غير المرتبطة بإيران (التي ثمة احتمال بائتلافها في كتلة واحدة ما بعد الانتخابات) نحو ملاقاة «الهجمة» السعودية. نموذج من ذلك ما أدلى به نائب الرئيس العراقي، إياد علاوي، في مقابلة تلفزيونية قبل أيام، حيث قال إنه «ليس من حقّ إيران التدخل في الشأن العراقي»، آملاً في الوقت عينه أن تتحوّل العلاقة مع السعودية إلى «علاقة استراتيجية»، واصفاً المملكة بأنها «دعامة أساسية للاعتدال في المنطقة». وأشار علاوي إلى أن «الأميركيين يعترفون بأنهم ارتكبوا خطأً كبيراً عام 2010»، عندما أيّدوا منعه من منصب رئاسة الوزراء رغم حصد قائمته، آنذاك، العدد الأكبر من الأصوات. ويوم أمس، ردت المتحدثة باسم ائتلاف «الوطنية» الذي يتزعمه علاوي، ميسون الدملوجي، على تصريحات سابقة للناطق باسم الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي، أكد فيها أن بلاده «لا تتدخل في الشأن العراقي الداخلي»، مُذكّرة بـ«تصريح مستشار المرشد الأعلى، علي أكبر ولايتي، الذي رفض فيه (عودة) الليبراليين والمدنيين (إلى البرلمان)، متحدياً إرادة الشعب العراقي». وأضافت الدملوجي أن «ائتلاف الوطنية لم ولن يفرط بسيادة العراق أو بمصالحه لأي دولة خارجية».

العبادي: ماضون في خفض عديد الأميركيين

أكد رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، أمس، الاستمرار في «الخطة التي وُضعت لتقليل عدد المستشارين والمدربين الأميركيين الموجودين في العراق»، موضحاً أن «وجود هؤلاء سيقتصر على دعم المؤسسات العسكرية والأمنية العراقية بالخبرات الدولية في التدريب والدعم الفني». وخلال مباحثات هاتفية مع نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس، شدد العبادي على «أهمية ترسيخ العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين»، معرباً عن أمله في أن «تشجّع الإدارة الأميركية القطاع الخاص على الاستثمار في العراق». وأكد «مضيّه في خطوة طويلة الأمد مع الحكومة المحلية في كردستان، تهدف إلى حل كافة المشاكل بين المركز والإقليم». من جهته، أثنى بنس على مبادرة الحكومة في رفع الحظر عن الرحلات الدولية من مطارَي أربيل والسليمانية وإليهما، مجدداً دعم بلاده لـ«وحدة العراق وسيادته».